الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 09 يونيو 2006 - 13 جمادى الأولى 1427هـ

الإنترنت وكيف نواجه التحدي

 

كتبه أحمد عبد الحميد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،

أصبح استخدام الإنترنت مؤخرا تحديا من اكبر التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، بل أمم الأرض كلها، فلا يخلو العالم من متأثر بالإنترنت سواء كان له احتكاك مباشر بهذا المجال أم لا، شانه في ذلك شأن كل التقنيات الحديثة التي جعلت العالم أشبه بصندوق صغير، تمد يدك إليه فتجد حصاد البشرية كلها من خير أو شر، وهل حصاد البشر إلا خير أو شر أو ما يؤول إلى أحدهما؟ وبقدر بصيرتك في التمييز بين الخير والشر، بقدر ما تخرج به يدك من هذا الصندوق، فقد تجنى ثمرا نافعا في العاجل والآجل، وقد تجنى شوكا مسموما تقعد بعده ندمان أسفا، وقد تجنى ثمرا وتصيب يدك جراحات من شوك أحاط به، والموفق من وفقه الله عز وجل.

والسعيد من كانت هذه التقنيات في حقه نعمة لا نقمة، ونحن إذا أردنا تقييم الإنترنت وأثرها وكيفية الاستفادة منها وتجنب أخطائها، فلا نستطيع ذلك كله بغير أن نضم إليها أخواتها من وسائل التأثير والتوجيه كوسائل الإعلام والاتصال المرئية والمسموعة والمقروءة، وكالمحاضن الرئيسية لعمليات التربية والتعليم كالبيوت أولا ثم المساجد والمدارس، وكمراكز التوجيه الفكري والثقافي كالمراكز الثقافية والمكتبات وغيرها، ذلك أن هذه الوسائل جميعا تتضافر في تكوين البعد المعرفي ثم السلوكي لكافة المجتمعات.

والذي يعنينا هنا هو البحث عن سبيل النجاة لأنفسنا وأمتنا في بحر العواصف هذا، حيث لا قواعد ولا ضوابط، وحيث طوق النجاة الوحيد هو الاعتصام بالكتاب والسنة، والالتفاف حول أهل العلم والبصيرة في دين الله عز وجل الذين يرسمون الطريق ويضعون الضوابط والقواعد (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )(النساء: من الآية 83) هلك بعد ذلك من هلك ونجا من نجا.

وهذا الالتفاف حول العلماء والدعاة يجعلهم في موقع الصدارة في مواجهة هذا التحدي، ويلقى عليهم بالعبء الأكبر بل والوحيد في قيادة سفينة الأمة، لا سيما مع حالة التشرذم التي تعيشها الأمة، وغياب القيادة الموحدة التي يتآلف حولها المسلمون، فلابد للموجهين من إدراك طبيعة ذلك الكائن (الانترنت) على حقيقته، ومن حقيقته أنه غير شكل العالم كله في سنين معدودة بحيث تقاربت المسافات المكانية والفكرية كذلك، وبحيث صارت اهتمامات الناس في أقصى الشرق هي تقريبا نفس اهتماماتهم في أقصى الغرب مع فروق يسيره ويبدو إنها إلى زوال هي الأخرى.

إذا أدرك الموجه ذلك ودقق في طبيعة الأرض التي يزرعها، وعرف كيفية الزراعة وعوامل نجاحها والآفات التي تواجهها، فقد جاوز نصف الطريق، وبقى عليه أن يعقد العزم والهمة على تحقيق ما يصبو إليه، فإذا شمر واجتهد مستعينا بالله عز وجل فيوشك أن يصل إلى هدفه المنشود، أما التخلف عن متابعة هذه التغيرات ورصدها وتحديد طرق التعامل معها، فيجعل الساحة خاليه أو شبه خاليه لمن يريد العالم فوضى يختلط فيها الإيمان والكفر والخير والشر، أو من يريد تشكيل الدنيا وفق معتقده، كمن يريد أن يرسم صليبا بحجم الأرض متخفيا تحت دعاوى العولمة وحوار الحضارات، ثم امتزاجها بحيث تذوب حريات الأمم والشعوب في هوية واحدة ممسوخة لا رب لها ولا دين، اسمها الإنسانية العالمية.

لا نقول كما يقول البعض أن الذي يعنينا هو المحافظة على هويتنا الإسلامية أو العربية كما يتحدث البعض، بل نقول بأن رسالتنا هي صبغ الدنيا كلها بصبغة الإسلام شرقا وغربا (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)(البقرة:138) لا أن نقف موقف الخائف المرتعد الذي أقصى أمانيه أن يصد سهام خصمه.

نعود، فنقول إن الوحيد المؤهل لقيادة هذه الأمة المفضلة على سائر الأمم هم العلماء أصحاب المنهج السلفي النقي، الذين يصوغون الدنيا بصياغة الإسلام بفهم الصحابة والقرون الخيرية الأولى، الذين عاشوا عصرهم بأدواته وهم عبيد لله عز وجل، لم ترهبهم أموال القياصرة والأكاسرة وقصورهم وماديتهم، ولم يشعروا أمامها بالضآلة والهزيمة النفسية، كحال كثير من أبناء الأمة اليوم، بل كانوا معهم كما كان أسلافهم الأنبياء من قبل مع من كانوا ينحتون الجبال بيوتا ويرفعون البنيان أهراما.

لا نقول إن المطلوب من العلماء والدعاة وضع الضوابط والقواعد التي تحمى الأمة من الانزلاق في شراك أعدائها فحسب، بل إن المطلوب أن يمسكوا بأيدى المسلمين ليرتادوا بهم آفاقا واسعة من الدعوة إلى الله عز وجل، والسعي في نصرة الإسلام ونشره بين ربوع الدنيا، مستفيدين من هذه الوسيلة  -الإنترنت- وغيرها أعظم استفادة ممكنة، فإن المتبصر في هذا المجال يجد فيه إمكانيات هائلة وطرقا وأبوابا للخير تنتظر من يطرقها ويمشى فيها على خلاف ما يعتقده البعض من أن الإنترنت كوسيلة هي شر محض.

وكذلك لابد من التنبيه إلى خطورة مسلك من يظن أن الإنترنت والبرمجيات والتقنيات الحديثة هي خير محض، وأنها المكافأة التى كانت تنتظر البشرية بعد قرون من التراكم المعرفي، فالواقع خير دليل على فساد هذا التصور وعلى ما جنته البشرية من ثمار خبيثة لهذا التعامل الساذج.

والخلاصة أن تعامل أبناء الأمة مع هذه التقنيات لا يصح أبدا أن يكون نسخة كربونية من تعامل غير المسلمين معها ـوهذا ما يريده أعداء الأمةـ، وإنما للمسلم شأن وللناس كلهم شأن آخر، فلابد من تصحيح الكثير من المفاهيم ورصد الإيجابيات والسلبيات المتعلقة بهذا الشأن سواء كان المتعامل مع الإنترنت وغيرها مربيا أو موجها أو كان بعد طالبا مستفيدا.

وهذا ما نتناوله بالتفصيل في حلقات قادمة إن شاء الله.

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى

 والحمد لله رب العالمين.