إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 9 رمضان 1437هـ

عدوانٌ في رمضان وفي البيت الحرام... ما أحوجَكم إلى الدين والعلم والأدب!

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كشفتِ الأحداث الماضية في السنوات الأخيرة التي مرَّتْ بها "مصر" -مع مرارة كثيرٍ مِن الوقائع والأحوال فيها- ما عليه الشعب المصري مِن تدين سُنـِّي فطري، حيث بدا ظاهرًا للعيان ما عليه شعب مصر مِن عاطفةٍ جياشةٍ ومحبةٍ لكل ما هو إسلامي، وانجذابٍ لكل مَن يرفع راية الكتاب والسنة... والانحياز في كل موقفٍ ومَشهدٍ إلى صف الإسلام ومَن يرى أنهم يمثـِّلونه، وقد قاسى هذا الشعب وعانى لأجل ذلك -ولا يزال- مِن نهج بعض الفصائل والجماعات التي ظنَّ فيها الخير، وأنها ستأتيه بالبركة، وأنها تحمل مشروع النهضة بالبلاد والعباد؛ فما وجد منها إلا الصلف والغرور والكبر، وخطاب التفجير والتكفير، والتفسيق والتخوين لكل مَن يخالفها ويخرج عن طوعها!

وكان ينبغي على مَن أراد نصحًا لبلده وأمته وعشيرته أن يستثمر هذا الخير في نفوس الناس، وأن يشعر بآلامهم ومصائبهم، ويعمل على التخفيف عنهم، وعلى مزيد قربهم مِن الله -تعالى-؛ لا أن يعمل على كيدهم والانتقام منهم، ومعاقبتهم على المطالبة بحقوقهم المشروعة من تسيير أمور حياتهم ومعيشتهم التي يعجز عن القيام بها.

فقاتل الله الجهل والهوى!

وكان المنتظر ممن يَرفع شعارات الانتصار للإسلام والتمكين له "وأنه الجماعة الأم! - وجماعة المسلمين! - و... !" - أن يكون أكثر الناس التزامًا بكتاب الله -تعالى- وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن رأينا مِن هؤلاء غير ذلك؛ بسبب عدم التربية والتزكية وفق كتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فنتج عن ذلك كثير مِن الأمراض المدمِّرة والمُهلكة، والتي مِن أشدها خطرًا: "التطاول على العلماء وأهل الفضل والدين!".

مما ينذر بخطر داهم وشر مستطير يهدد سلامة المجتمع وأمنه إن لم تُتدارك هذه الأمراض بعلاج نافع ودواء ناجع، ومواجهة دعوية شاملة؛ سلاحها: العلم والحكمة والحجة مِن الكتاب والسنة، مع تصدٍ لهجمات المعتدين والآثمين والمجترئين على حرمات الله -تعالى-؛ وإلا فسيعاني المجتمع بأسره مِن هذه الأمراض والسلوكيات الآثمة؛ خاصة وأنها صادرة ممن ينتسب إلى ميدان العمل الإسلامي -بل يرى نفسه المتحدث باسمه، والراعي الرسمي والحصري له!-، ويظن أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن مجرد النية -إن خلصتْ وسلمتْ- ومجرد الانتساب لجماعة ما يسوِّغان له أن يفعل ما يشاء، ويظن نفسه ناصرًا ومعينًا للإسلام وداعيًا إلى الله، وهو لم يتأدب بأدب الإسلام، ولم يعرف ما يلزمه مِن عقيدة وعمل وتزكية واتباع لكتاب الله -تعالى- ولسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفهم لهما بفهم سلف الأمة -رضي الله عنهم-.

وعامة هؤلاء ما عندهم إلا عواطف زائفة خادعة؛ يا ليتها ما ضرَّت إلا أصحابها وحدهم! ولا اُستبيح بها الكذب والفجور والتكفير والإفساد في الأرض، ولكن للأسف أصبح حال هؤلاء كحال أهل البدع الذين يجعلون السبَّ والشتم والعدوان دينًا وإيمانًا، وقربة يتقربون بها إلى الله! ولا أضر على الإنسان مِن الجهل بالله وشريعته.

- قال الإمام الذهبي -رحمه الله- في ذم نوع مِن أهل الجهل: "قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يُتقِنوا منه سوى نزرٍ يسيرٍ؛ أَوهمُوا به أنهم علماء فضلاء، ولم يَدُر في أذهانهم قط أنهم يتقرَّبون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخًا يُقتدَى به في العلم؛ فصاروا همجًا رَعاعًا، غاية المدرِّس منهم لأن يحصِّل كتبًا مُثَمَّنَة يَخزُنُها، وينظُر فيها يومًا ما، فيصحفَّ ما يُورده ولا يُقَرِّره، فنسأل الله النجاة والعفو" (سير أعلام النبلاء).

- وقال العلامة صالح الفوزان -حفظه الله-: "إن وجود المثقفين والخطباء المتحمسين لا يعوِّض الأمة عن علمائها، وهؤلاء قُراء وليسوا فقهاء، فإطلاق لفظ العلماء على هؤلاء إطلاق في غير محله، والعبرةُ بالحقائق لا بالألقاب، فكثيرٌ مَن يجيد الكلام ويستميلُ العوام وهو غير فقيه، والذي يكشف هؤلاء أنه عندما تحصلُ نازلة يحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، فإن الخطباء والمتحمسين تتقاصر أفهامهم، وعند ذلك يأتي دور العلماء، فلننتبه لذلك، ونُعطي علماءنا حقهم، ونعرف قدرهم وفضلهم، ونُنزل كلاً منزلته اللائقة به" (الدر الثمين في وجوب توقير العلماء).

- "فليس كل قارئ للعلوم الشرعية يُعد فقيهًا، وليس كل مَن ملك مكتبة كبيرة مِن شتى الفنون، يعتبر إمامًا، ولا كل مَن تخصص في العلوم الإنسانية يكون عالمًا بالشريعة والفقه؛ فالقراءة والوعظ والبلاغة شيء، والفقه والاستنباط ومعرفة أحكام النوازل شيء آخر، فالمفكر -وربما الواعظ- لا يصدق فيهم مسمَّى العالم، ولا يصح أن يُطلق عليهم علماء" (موسوعة الأخلاق لخالد بن جمعة الخراز).

- فأنى لهؤلاء الأدب وبعض شيوخهم ومربيهم -وهو الأستاذ وجدي غنيم- يسأله أحد أتباعه ويقول له: إنه اعتاد سبّ "فلان" وشتيمته؛ فماذا يصنع في رمضان وهو صائم؟ فأجابه: "أنتَ مأجور على هذا السب والشتم!".

- وأنى لهؤلاء العلم بدين الله -تعالى- وشريعته، وبعض شيوخهم -وهو الدكتور محمد عبد المقصود- يسأله بعضهم: ما حكم صلاة التراويح خلف مَن ينتمي إلى "حزب النور" لكثرة المساجد التي يتواجد فيها هؤلاء في مصر؟ فكان جوابه له مفاده: "صلِّ الفريضة فقط، ولا تصلي التراويح خلف أوقافي ولا نوري؛ ولو صليتَ في بيتك!".

فأي فقه وأي علم يمكن أن يتحصله هؤلاء إذا كان هذا حال شيوخهم ومربيهم وكبرائهم؟!

ومع ذلك (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء:19)، (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة:216)؛ فقد تمايز الصف الإسلامي بعد تلك الأحداث -في السنوات القليلة الماضية- إلى حدٍ كبير "خصوصًا في هذا الوقت مِن تاريخ الصحوة الإسلامية"، وظهر للناس جميعًا ما عليه منهج "الدعوة السلفية المباركة" -التي انطلقت مِن الإسكندرية وعمت أنحاء البلاد- مِن الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والانطلاق مِن منطلقات الكتاب والسنة، ودعوة الأنبياء والمرسلين، واعتبار المصالح والمفاسد، والقدرة والعجز، والمحافظة والحرص على مؤسسات الدولة التي لا تتم مصالح البلاد والعباد ولا يقوم لهم شأن إلا بها؛ وإلا ازداد الشر والفساد (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (البقرة:205). -حفظ الله شيوخ هذه الدعوة المباركة وأئمتها مِن كل سوء وشر-.

وأصبح واضحًا جليًّا -حتى للأعور والأعمى- البون الشاسع، والفرق الهائل بيْن أخلاق شيوخ "الدعوة السلفية" ورموزها وتلامذتهم، وبيْن أخلاق كثير مِن رموز التيارات المخالِفة وأتباعهم؛ خصوصًا الذين ينتهجون نهج العنف والتكفير والتفجير.

وبِضدِّها تتبيَّنُ الأشياءُ!:

فقد وصل سوء الأدب -"مع الله -تعالى- أولاً قبْل عالم أو داعية"- أن يَنتهك البعض حرمة الزمان والمكان ويفتخر بذلك ويصوره ليعرضه على ملايين الناس، ويحسب أنه يحسن صنعًا؛ فتجرأ بعض هؤلاء وأبوا إلا أن يعيدوا الكرَّة، ويعاودوا العدوان والاعتداء بالسب والإيذاء على الدكتور "ياسر برهامي" نائب رئيس الدعوة السلفية، والدكتور "يونس مخيون" رئيس حزب النور.

- فأما الزمان: فهو رمضان الذي جعله الله محلاً للتقوى، ولنزول الرحمات والمغفرة والعتق من النيران "في ليله ونهاره"؛ أما في ليله: فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني)، وأما في نهاره: فقال -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ لله -تَعَالَى- عُتَقاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- وأما المكان: فهو بيت الله الحرام الذي قال الله -تعالى- فيمن أراد الظلم فيه: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج:25).

- وقال الله -جلَّ وعلا-: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) (آل عمران:97)، وهذا خبر أُريد به الإنشاء: أي أمِّنوا مَن دخله، واجعلوه آمنًا فيه.

- وقد كان حال أهل الجاهلية أنهم يعظمون بيت الله الحرام حتى كان الواحد منهم يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يروعه؛ فكيف يكون أخلاق أهل الجاهلية خير مِن أخلاق بعض أهل الإسلام؟!

- ولا ندري كيف تسوِّل لمسلم نفسه أن يتورط في هذا الظلم والعدوان، ويحسب أنه يحسن صنعا؟!

- وهل بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا لأجل أن يتمم مكارم الأخلاق، كما دل على ذلك قوله الشريف: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ) (رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والبيهقي، وصححه الألباني)؟! فاستعمل (إِنَّمَا) المفيدة للحصر والتخصيص، فكأنما لم يُبعث إلا لذلك، ومكارم الأخلاق في هذا الحديث تشمل بمفهومها الواسع: حسن الخلق والأدب مع الله بتوحيده وعبادته لا شريك له، وحسن الخلق والأدب مع الخلق والناس، فيكون الوحي والدين كله جاء لأجل الأخلاق والآداب.

بل جعل الله مكارم الأخلاق وحسن الأدب مِن أعظم ثمرات العبادات "بل مِن أعظم ثمرات أركان الإسلام": فقال الله -تعالى- في ركن الصلاة: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت:45)، وقال في ركن الزكاة: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة:103)، وقال في ركن الصيام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) (متفق عليه)، وقال -تعالى- في ركن الحج: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة:197).

ثم لماذا الظلم والعدوان المتكرر على رموز الدعوة السلفية وأبنائها خاصة، دون غيرهم ممن لم يرقب في هؤلاء وجماعتهم "إلاً ولا ذمة"؟!

لماذا لا تظهر شجاعتهم وبسالتهم إلا مع مَن يتقي الله فيهم ويَنصح لهم؛ صيانة ورعاية لحرمة الإسلام وإخوة الدين التي لا يرعونها حق رعايتها؟!

وماذا ينقمون مِن "حزب النور" ورئيسه د."يونس مخيون"؟!

ولماذا هذا الفرح والفجور في الخصومة بنيل أي سوء مِن هؤلاء، وممن تبعهم "وخصوصًا د.ياسر برهامي"؟!

- هل ينقمون مِن هذه الدعوة ومِن حزب النور النصح للدين وللأمة والبلاد، وتحريز أبناء الدعوة السلفية مِن أن يتقحموا ويلات وبلاءات لا مصلحة فيها ولا فائدة، بل ليس فيها إلا المذلة والمضرة والأذى، وصد الناس عن دين الله -تعالى- وانصرافهم عنه؟!

- هل ينقمون منهم أنهم أبوا أن يكون مصير تلامذتهم وأبنائهم كمصير أولئك الذين توهموا أن بمقدورهم في "رابعة" الإطاحة بدولة ومؤسساتها؟! ولو نجحوا لكانت خسارة عظيمة، وخطر داهم يعرِّض الأمة المصرية -وغيرها- لما لا قـِبَل لها به.

- فأي تمكين يسعى إليه هؤلاء ويرجونه؟! وأي دولة تلك التي يطمحون أن يكونوا على رأسها ويتولوا قيادتها وينتظرون قبول الناس لذلك في نفس الوقت الذي لا يتأدبون فيه بأدب الإسلام والقرآن والنبي -صلى الله عليه وسلم-؟!

كيف يأتيهم التمكين وهم مِن أبعد الناس عن التزام أحكام الإسلام؟!

وهل يأتي التمكين إلا بعد تحقيق عبادة الله وحده لا شريك له؟!

وهل يأتي التمكين إلا لمن ينصر الله -تعالى- "فينصر دينه وشريعته وكتابه ورسوله"؟! قال الله -تعالى-: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج:??-??).

وهل يستحق التمكين ووراثة الأرض إلا مَن كان صالحًا مهتديًا بهدي الكتاب والسنة، قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء:105)، فمن لا صلاح فيه، ولا إصلاح عنده؛ فهو مِن أبعد الناس عن وراثة الأرض.

ولقد بيَّن الله -عز وجل- لمن يكون التمكين، ومَن هم أهله الذين يستحقون وعده به، فقال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور:55).

فليس هذا الوعد لأهل البدع، ولا لمن يميع قضايا الأمة "بل وقضايا العقيدة، والولاء والبراء": فإن هذا الوعد رُتِّب على شروط لا بد مِن تحقيقها حتى يتحقق هذا الوعد الإلهي العظيم، وهي:

أولاً: الإيمان بالله.

ثانيًا: العمل الصالح.

ثالثًا: تحقيق العبودية الشاملة لله.

فأين هؤلاء مِن ذلك؟! والناظر في سيرتهم وطريقتهم يرى ما هم عليه مِن البدع والمخالفات الشرعية.

ومِن شروط التمكين في الأرض كذلك: اليقين، والثقة بوعد الله، والعمل على تحقيق وعده -تبارك وتعالى-، وفي هذا يقول الله -عز وجل-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة24).

فأين ما عند هؤلاء مِن الصبر على طاعة الله، والصبر عن مخالفة أمره وشرعه، والصبر على أقداره وابتلائه دون اجتراءٍ على حرماته؟! وأين اليقين المستلزم للاعتصام بالكتاب والسنة، وليس الخروج عنهما؟!

فإقامة الدولة والخلافة وسيلة لهذه الأغراض العظيمة مِن عبادة الله في الأرض، وليست في نفسها غاية تُهدم الدولة -بل الدعوة إلى الله نفسها!- مِن أجل تحصيلها؛ ليكون البعض حاكمًا ورئيسًا يأمر وينهى، ويتحكم في عباد الله، ولا يسمع نصحًا أو يقبل إرشادًا!

ولكن عزاء دعوتنا، وعزاء شيخنا الكريم د."ياسر برهامي" -حفظه الله-:

- أن الله -تعالى- قال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ) (الأنعام:112)، وقال: (كَذَلِكَ مَا أتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (الذاريات:52-53). فإذا كان هذا حال الأنبياء فكيف بمن دونهم؟! لا بد أن يكون لهم أعداء وخصوم؛ فهي سنة ماضية.

- وجاء في الأثر: "قال موسى -صلوات الله عليه-: يا رب، إن الناس يقولون فيَّ ما ليس فيَّ! فأوحى الله إليه: يا موسى: لم أجعل ذلك لنفسي؛ فكيف أجعله لك" (الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح الحنبلي).

قـــيــل إن الـــلــه ذو ولــــد               قـيـل إن رسـول الله قد كهنا

الــلــه ورسـوله لم يـســلما              مِن كلام الورى؛ فكيف أنا؟!

- وقال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) (التوبة:62)، وقال: (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:175)، وقال: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) (المائدة:44)، وقال: (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) (البقرة:41)، وقال: وقال: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (النحل:51).

- وقال الشافعي -رحمه الله-: "رضا الناس غاية لا تُدرك، فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه ولا تُعَانِهِ".

- وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ، وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وفي رواية: (مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ الله عَنْهُ وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ الله، سَخِطَ الله عَلَيْهِ وَأسْخطَ النَّاسَ عَلَيْهِ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني).

ثبَّت الله شيخنا، ورزقنا وإياه الإخلاص وحسن الخاتمة، ونسأل الله أن يرزقنا الأدب، وأن يجعلنا مِن أهله.

وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.