إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 26 أبريل 2016 - 19 رجب 1437هـ

"مصر"... وأحلام الإمبراطوريات

كتبه/ غريب أبو الحسن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلكل دولة كتلتها الصلبة، وهي مؤسساتها التي يجتمع شعبها حولها "والتي تشكِّل العمود الفقري للدولة"، وهي المؤتمنة على صيانة الدولة والحفاظ عليها متماسكة، وحماية أمنها القومي من أي تهديد داخلي أو خارجي.

وهناك أمور أخرى تحافظ على تماسك الدول، منها: "وحدة الدين، واللغة، والعرق، والتاريخ"، والتي تساهم بشكل كبير في تماسك النسيج الوطني بتلك الدول.

وإذا أرادت دولة أن تستبيح دولة أخرى؛ فعليها أولاً أن تقضي على مؤسسات تلك الدولة أو أن تضعفها بدرجة كبيرة، وأيضًا عليها أن تعبث في نسيجها الاجتماعي؛ فتثير النعرات الطائفية والعرقية، وتحيي الثارات التاريخية بين مكونات تلك الدولة.

وإذا كانت دولة كمصر -مثلاً- بها قدر كبير من تماسك النسيج الوطني؛ لوحدة الدين والعرق واللغة والتاريخ؛ إلا أن هناك أخطارًا لا تقل عن تلك السابقة.

مثل: انتشار فكر التكفير، وما يتبعه من استحلال للدماء والأعراض.

وكذلك: افتعال المظلوميات، والكربلائيات، ومداعبة عواطف الشعب بها حتى ينقسم الشعب لمؤيد ومعارض، ويزداد الشقاق، وتبذر بذور الاحتراب الأهلي.

ويبرز هنا سؤال، وهو: هل هناك مَن يحاول أو يسعي لتفتيت الدولة المصرية؟

والإجابة سهلة يسيرة, فنظرة حول محيطنا العربي تكفي لتري "ليبيا، والسودان، والعراق، وسوريا، ولبنان، والصومال، واليمن" قد عبثت بهم بالفعل تلك الأيادي الآثمة والطامحة لبناء إمبراطورياتها على أشلاء عالمنا العربي عبر القضاء على مؤسسات تلك الدول، ثم إثارة النعرات والفتن، ثم تقسيم تلك الدول تمهيدًا لالتهامها قطعة بعد أخرى.

ثم دعُونا نتجاوز الحدود المحلية للأزمة المصرية الراهنة إلى الأفق الإقليمي والدولي, ولنتأمل اللاعبين الرئيسيين الجالسين على مائدة التهام عالمنا العربي؛ فسنجد أن هناك العديد من الدول والجماعات صاحبة الأطماع في مصر وفي محيطها العربي، والطامحين إلى بناء إمبراطورياتهم على أشلاء الأنظمة القائمة.

- نجد "أمريكا": صاحبة الإمبراطورية الحقيقية، والتي تقاتل مِن أجل ألا تقوم إمبراطورية أخرى ولو بعد مائة عام, والتي ترى أن بقاء إسرائيل في خاصرة الوطن العربي كفيل بأن يقضي على أي أمل في أي وحدة أو نهوض قد يعكر صفو التفرد الأمريكي.

- و"إسرائيل": التي تحلم وتصرِّح بإمبراطورية من النيل للفرات تسمح بأن يتعايش معها شعوبها، ولكن كخدم للسيد اليهودي!

- و"إيران": التي تحلم بعودة الإمبراطورية الفارسية لترد الصاع صاعين لذلك العربي الذي كسر أنفها بعد أن مرغها في التراب.

- و"تركيا": التي يداعب خيال "أردوغان" فيها عودة الدولة العثمانية ببابها العالي المهيمن على دول المنطقة، ولكن بصورة قومية مشوهة منزوع منها أهم مقوماتها، وهي منطلقاتها الإسلامية والعقدية.

- و"قطر": التي تحلم بتحويل المنطقة للوحة من الفسيفساء لا فضل لأي دولة عليها لا في المساحة ولا في عدد السكان، وتكون هي وسط هذه اللوحة طامحة أن يتذكر السيد الأمريكي دورها في تقسيم المنطقة فتنال شهادة أنها أهم قطع الفسيفساء في تلك اللوحة البائسة.

- والإخوان المسلمون الذين يحلمون بأستاذية العالم بفرض فهمهم للإسلام، والذين يرون فيه أنهم وحدهم الممثلين للإسلام في مجتمع جاهلي, فبعد أن وصلت الجماعة للحكم وتوفرت لها كل الإمكانات فشلت في أن تخرج من صندوق الجماعة الضيق إلى فضاء الوطن الرحب، بل أصرت على أن تدخِل الوطن كاملاً إلى داخل صندوقها الكئيب!

وعندما فشلت وتمرد عليها الوطن لم تعترف بأخطائها، بل وصلت إلى أن السبب في فشلها هو تلك الكتلة الصلبة داخل الدولة، وهي تسعي الآن بكل قوة لإذابتها وإزالتها من طريقها.

- وتنظيم "القاعدة": الذي يحلم ببناء إمبراطوريته الخاصة والوهمية عن طريق الصدام المسلح مع الأنظمة القائمة، ولا يدرك أنه لم تقم لدولة قائمة بعد تفكيكها.

ناهيك عن ذلك المسخ النابت في العراق وسوريا المسمي بـ"داعش"؛ التي لا يوجد لها جبهة قتالية مع النظام السوري، وإنما تقوم بتحرير المناطق المحررة، وقطف رؤوس المسلمين وسبي نسائهم, ويرد لها النظام الجميل بعدم التعرض لقواتهم وعدم قصفها.

نقاط التلاقي والافتراق بين تلك الإمبراطوريات الحالمة:

كل تلك الإمبراطوريات الحالمة تتفق على أن العقبة بينها وبين تنفيذ أحلامها هو تلك الكتلة الصلبة المتمثلة في مؤسسات الدولة أو ما بقي منها، وكذلك وحدة النسيج الوطني؛ لذلك تتفق وتتعاون كلها بصورة أو بأخرى على تفتيت تلك الكتلة الصلبة، وتمزيق ذلك النسيج الوطني.

وللأسف "رأس الحربة" في عملية التقسيم هم "جماعة الإخوان المسلمين" بتلك القيادات القطبية المتعصبة، والمدعومة إقليميًّا وغربيًّا!

وتصنع ذلك من خلال:

- استنزاف مؤسسات الدولة بشكل يومي ودائم، والرهان على أن تفشل تلك المؤسسات في الصمود مستغلين حالة الضعف الاقتصادي الحالي.

- نشر فكر التكفير بين الشباب، وهو ما تعج به أحاديث منتسبيها لتمزيق ذلك النسيج الوطني.

- استثارة العاطفة الدينية والإسلامية، ودفع السذج للصدام مع القوي الأمنية؛ لتسيل الدماء، وليُتاجَر بها بعد ذلك!

- استغلال تلك الدماء في صناعة مظلوميات ولطميات حتى يصير الشارع فريقين؛ كل فريق منهما حريص على قتل صاحبه.

- والأخطر من ذلك كله: "تشويه وتحطيم الدعوة السلفية" ورموزها الإسلامية الوسطية العاقلة، ونزع توقيرهم من نفوس الناس؛ لأنهم يعلمون أن الناس يصدرون عن آرائهم، وأنهم كالإسمنت بيْن لِبِنات المجتمع، فيغرون سفهاءهم على العلماء سبًّا ولعنًا وتخوينًا؛ لتزول هيبتهم من صدور عامة الشعب.

- تعتقد جماعة الإخوان المسلمين أنها أذكى من القوى الإقليمية والدولية! وأنها تستغل تلك القوى في التخلص من الكتلة الصلبة في بلادها، وأنها سوف تنفرد بحكم البلاد فيما بعد, ولو تدبرت في الواقع القريب؛ لرأت "طارق الهاشمي" رأس إخوان العراق وكيف استغله الأمريكان والشيعة في القضاء على المقاومة في العراق ثم ألقي به كالفأر الميت خارج العراق!

- ثم يأتي أصحاب الفكر القاعدي "قاعدة الجهاد ضد الصليبين واليهود": الذين أصبح معظم ضحاياهم من المسلمين؛ حيث نجحت أمريكا وإسرائيل في حصر معارك القاعدة داخل دولهم الإسلامية، والذين يخوضون حربًا مسلحة لإسقاط مؤسسات الدول العربية في اليمن، وغيرها... ثم ذلك المسخ الذي تتبرأ منه القاعدة نفسها "داعش"، والذين يخوضون مواجهات مسلحة مع المجاهدين والمقاومين الإسلاميين في سوريا, بل مع من ينتمي لنفس منطلقاتهم الفكرية، بل ويمثلون بجثثهم!

وأصحاب فكر الصدام المسلح يتوهمون أن بسقوط تلك الأنظمة تقوم تلك الدولة التي يحلمون بها! ولو نظروا حولهم؛ لوجدوا أن الصومال بعد عقدين من انهيار النظام لم تقم لهم دولة بها، ولا بالعراق، ولا بليبيا، وكل ما جنوه من التكفير والقتل هو سخط الرب، وسخط الناس!

- مهد الإخوان لأصحاب الفكر القاعدي العمل داخل البلاد سواء بنشر فكر التكفير أو بدفع الناس لمواجهات غير متكافئة حتى تسيل الدماء وتطيش العقول, ولعل الأيام القادمة تكشف عما هو أعمق من ذلك.

- واختارت "قطر" و"تركيا" أن يكونا الممهدين للمشروع الأمريكي في المنطقة متمنين حصولهم على دور محوري فيه.

- تغامر "قطر" حين تتخلى عن عمقها العربي لترتمي في حضن مَن لن يرقب فيها إلاً ولا ذمة! ويبدو أنها عازمة على خوض طريق الوحل حتى نهايته غير آبهة بالقطيعة الخليجية، واختارت أن تنام إلى جوار ناب الأسد الأمريكي ظانة أنه أكثر حماية لها!

- وفَّرت "قطر" و"تركيا" الحاضنة لقيادات الإخوان الفارة خارج البلاد كذلك الدعم المالي والدعم الإعلامي عبر "قناة الجزيرة" التي لا تترك شاردة ولا واردة تشكك أهل مصر في مؤسساتها، ولا ما يمزق نسيجها الاجتماعي إلا نشرته وألحت في نشره.

- أما اللاعب الإيراني "أو بالتعبير الأدق الشريك الإيراني" وهو الشريك الحقيقي لأمريكا وإسرائيل في الشرق الأوسط الجديد، فقد جربت هذه الشراكة مِن قبْل في أفغانستان والعراق وأثبتت نجاحها، وأن المصالح المشتركة تتقاطع بشكل كبير بين إيران وأمريكا وإسرائيل.

- إلا أن إمبراطورية "قطر" و"تركيا" تتمتع بقدر كبير من السذاجة؛ لأنها ترمي نفسها بقوسها، وتسفك دم نفسها؛ فلن تصفو أمريكا ولا الغرب يومًا لتركيا ولا قطر, وإذا أرادا فعلاً السعي لإمبراطورية حقيقية فإنما يكون بالسعي لدمج الدول وتوحيدها لا لتفتيتها.

- بيد أن أكثر تلك الإمبراطوريات سذاجة على الإطلاق هي إمبراطورية القاعدة، وإمبراطورية الإخوان المسلمين؛ لأنها إمبراطوريات قائمة على تحطيم أوطانهم، وتمهيد الطريق أمام أعداء الأمة لالتهامها تمامًا، كذلك الجزار الفقير الذي يخلي اللحم من العظم ليأكله غيره.

- يبقي أنه يلزم كل مخلص لدينه حريص على وطنه في هذه المرحلة الحرجة أن يسعى بكل قوة لتقوية مؤسسات دولته؛ لأن الشعب حين ثار في "25 يناير" لم يثر على وجود هذه المؤسسات، ولكن ثار على ما بها من فساد.

وينبغي كذلك: الحفاظ على وحدة النسيج الوطني، ومحاربة الفساد ورد المظالم إلى أهلها، والسعي لتعويض أولياء تلك الدماء التي سالت ظلمًا من أي جهة، ونشر العدل والرحمة مستظلين بمظلة الشريعة التي ارتضاها الله لنا، وارتضاها الشعب في استفتائه على الدستور، وتفويت الفرصة على الطامعين في بناء مجدهم على أشلائنا!

إن انتشار الدعوة الإسلامية "الصحيحة" وتجذرها في المجتمع في حالتنا الإسلامية تُعد مِن أهم الركائز التي تحافظ على وحدة الدولة وتماسكها؛ لذا فحق على الدعاة إلى الله بذل الغاية في المرحلة القادمة في نشر الفهم الصحيح للإسلام، ومحاربة صور التطرف؛ سواء بتكفير المجتمع أو بالانسلاخ عن تعاليم ديننا الحنيف.

اللهم أمِّـنَّا في أوطاننا، ورد كيد أعدائنا.