إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 24 أبريل 2016 - 17 رجب 1437هـ

كيف نحارِب الفساد؟

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعيدًا عن الأرقام، ومَن المحق؟ ومَن المبطِل؟ ومَن الذي يريد الإصلاح؟ ومَن الذي يريد تشويه الصورة، والمبالغة؟ لا بد لنا أن نعترف بأن تغييرًا سلبيًّا قد حدث في شخصية الكثير مِن أبناء الأمة جعلتْ محاولات الإصلاح -ممن أراد الإصلاح- تصطدم بعقباتٍ ضخمة تكاد تعرقله بالكلية؛ فلا بد مِن تغيير إيجابي في الشخصية نحو التدين الصادق والمراقبة الداخلية لله -سبحانه-، واستشعار حقيقة (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء:1).

فلن تـُفلح الأجهزة الرقابية والمحاسبية وحدها في منع الفساد "مع وجوب الأخذ بها كسببٍ مِن الأسباب المهمة"، ولكن لا بد مِن التربية الأخلاقية والسلوكية التي تجعل الإنسان يخاف المساءلة يوم القيامة "وليس فقط أمام القانون".

كما لا بد مِن وجود القدوة الصالحة والأسوة الحسنة التي تُقَدَّم للناس وتصدَّر لتحمل المسئولية، فيكون البحث عن هذه النوعية التي تقدِّم مصلحة البلاد والعباد على مصالحها الشخصية عند التعارض، وليس مجرد الولاء والتبعية العمياء للقيادة، فضلاً عمن لا يتقي الله أو لا يؤمن به أو لا يرى اتباع شريعته؛ فإن تقديم أمثال هؤلاء لا بد أن يتضاعف به الفساد ويستحيل معه الإصلاح.

وهذه القدوة الحسنة لا بد أن تتواجد في جميع مستويات المجتمع وطبقاته، كما أن الفساد ضارب بجذوره مِن أعلى المستويات إلى القاع؛ فلا بد أن يكون الإصلاح بالأسوة الصالحة كذلك مِن القمة إلى أقل مستويات المجتمع؛ فإن جهد أي قيادة مُصلِحة سوف يضيع هباءً إذا لم توجِد القيادة حولها وتحتها نوعية مِن الناس تراقِب الله وتخافه، ولا تختار مَن يحارب الدين "ولو لتحقيق التوازنات بيْن القوى المؤثرة حتى تظل  القيادة في مكانها"، فإن هذه اللعبة الفاشلة هي مِن أعظم أسباب فساد الأمم والشعوب وسقوطها.

وبلادنا لم تعد تحتمل أي درجة مِن السقوط بعد ما أصابها مِن أزمات وفـُرقة، وخطر الفوضى، وتدمير الرموز "حتى المؤسسة الدينية الرسمية" -الأزهر- التي تتعرض لهجمةٍ شرسة ظالمة؛ هدفها إسقاط أي قدوة، وتشويه أي أسوة تنتمي للإسلام بعد أن تم تشويه بقية الرموز الأخرى لدى الكثيرين مِن أبناء الأمة.

فكيف نسكت على هذا... ونحن نزعم أننا نريد الإصلاح؟!

وكيف نقدِّم أسوأ الأمثلة للشباب... ونحن نظن أننا بذلك نسمح للجميع بالتواجد؟!

ثم لا بد أن تشمل قائمة الفساد الذي نضع خطتنا لمحاربته: "الفساد العقائدي"؛ فإن الخرافة والبدعة وتضييع الهوية الإسلامية، والولاء لهذا الدين، واعتقاد عدم صلاحية شريعته لهذا الزمان؛ مِن أعظم صور الفساد التي تهدم الأمة، كما أن خطر بدعة التكفير والتشيع في تخريب العقول والنفوس يشاهده كل ذي عينين.

فلا بد مِن إصلاح حقيقي مِن خلال الدعوة الصحيحة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، مع تجنب إمداد التيارات المنحرفة بمبررات وجودها مِن زيادة الظلم، والاعتداء على كرامة الإنسان، وتدمير بنائه الداخلي؛ فهذه "القسوة الهائلة" التي نجدها في أبناء هذه الجماعات المنحرفة سببها التدمير الداخلي الذي حصل للكثيرين منهم داخل السجون، وطرق التعذيب الممنهجة التي تهدِف إلى إخراج هذه الصورة المشوهة للشخص المتدين الملتزم.

وكذلك الفساد الأخلاقي في قضية الشهوات؛ فالفواحش كالزنا واللواط، والعلاقات المحرمة بيْن تجمعات الشبان والفتيات، وكذا المخدرات، وتسويق الانحراف السلوكي باسم الفن أو الأدب أو الحرية هي مِن أكبر صور التخريب للمجتمع؛ يسعى إليه الأعداء وينفذون فيه البرامج، وتنفق فيه الأموال الطائلة ربما أكثر مِن الإعداد للثورات الفوضوية المسماة بالخلاقة عندهم! والتي دائمًا تجد المبرر في الأوضاع الاجتماعية الظالمة، وتجد المدد مِن هؤلاء الشباب الذين تم تدميرهم بإغراقهم في الشهوات والشبهات التي تبعدهم عن ربهم ودينهم، وأخلاقهم الأصلية، وما موجات الإلحاد المستورد مِن الغرب؛ إلا حلقة مِن حلقات التخريب والتدمير باسم حرية الاعتقاد!

إن نشر أدلة الكتاب والسُّنة في محاربة الفساد بكل أنواعه، وتعليمها للناس مِن أهم وسائل إحياء المراقبة الداخلية؛ فالذي ينزعج مِن الرشوة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَعَنَ الله الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِي) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، هو الذي لا يخون الأمانة في عمله العام أو الخاص، ويهتم بأداء الأمانات إلى أهلها.

والذي يخاف أن يقع في البدعة ويخاف مِن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ) (متفق عليه)، هو الذي يحرص على تعلم العقيدة الصحيحة؛ فيتجنب الوقوع في براثن الجماعات المنحرفة.

والذي يتقي الله في حقوق الناس مستحضرًا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) (رواه مسلم)، هو الذي يخاف الظلم ويخاف سوء الحساب -وإن أمِن المحاسبة الدنيوية على أعماله- في ظل الفراغ الذي يتمدد فيه الكثيرون لبناء سطوتهم على الناس، وممارسة الجبروت والطغيان عليهم.

نحتاج إلى التعاون الصادق على البر والتقوى لمحاربة الفساد؛ فلن تقوم به جهة واحدة، ولا سلطة واحدة؛ فلنتمثل قول الله -تعالى-: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2).

ولندرك حجم الخطر، وحجم المؤامرات التي تُحاك ضد الأمة تريد تمزيقها، ولنحذر مِن خيار التخريب والتدمير "ولو بظنِّ إعادة البناء"؛ فما كُسِر لا يكاد ينصلح، وما هُدِمَ وفُرِّقَ لا يكاد يُبنى أو يوحد (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:103).