إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 24 أبريل 2016 - 17 رجب 1437هـ

موجة التقسيم الثالثة

كتبه/ غريب أبو الحسن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيبدو أن الرجل الغربي الأبيض مصمم على تقسيم عالمنا العربي المقسَّم أصلاً، ولا تنتابه أيًّا من عوارض اليأس! وتتأكد من ذلك حينما تتابع الإعلام الغربي متمثلاً في قناة: "بي بي سي"، ووليدتها: "قناة الجزيرة"، وإلحاحهما على إثارة الرأي العام؛ حتى لا يستطيع أي نظام التقاط أنفاسه برصدهما لكل المظاهر السلبية داخل عالمنا العربي وتضخيمها، بل وفبركة بعضها.

وقبل أن نتحدث عن الموجة الثالثة مِن التقسيم دعونا نعرِّج على أخواتها: "الأولى والثانية".

الموجة الأولى من التقسيم: "الغزو العسكري":

بدأت الموجة الأولى مِن التقسيم حينما قررت "أمريكا" غزو "العراق" تحت ذرائع وجود السلاح النووي تارة، وتارة أخرى تحت ذريعة وجود "القاعدة".

وقررت أمريكا من خلال غزو العراق التخلص مِن "صدام حسين"، والقضاء على ذلك الحلف بين دول الخليج والعراق، والذي تَشكَّل لمواجهة المد الإيراني الشيعي، وبثت كذلك بذور الخلاف والفرقة بين دول العالم العربي، وحوَّلته لمعسكرين: "معسكر يؤيد الغزو، ومعسكر يعارضه"؛ وإذا كان حكَّام العرب المستبدين حلفاء لأمريكا؛ فلماذا سعت أمريكا للتخلص منهم؟!

سعت أمريكا للتخلص منهم في عالمنا العربي؛ لأن وجود أحدهم في الحكم يعني قدرته على السيطرة على الجيش، وبالتالي يملك مِن القوة ما يحافظ به على تماسك دولته؛ فيصعب تقسيم تلك الدولة حتى وإن كانت دولته دولة فساد وظلم طغيان.

ولأن هذه القوة تجعله لا ينفذ أوامر أمريكا كاملة، بل تجعل عنده قدرة على المناورة فيستجيب لبعض الطلبات والأوامر الأمريكية، ويماطل ويسوِّف في تلك الطلبات التي مِن شأنها أن تؤثـِّر على استقرار كرسي عرشه.

لذلك تفضل أمريكا نموذج "المالكي" و"كرزاي" على نموذج "صدام" و"مبارك" و"القذافي"؛ لأن النموذج الأول لا يملك من أسباب القوة ما يجعل له أجندة غير الأجندة الأمريكية، فأمريكا تريد أن تتطابق أجندة عملائها معها بنسبة 100%، ولا تريد أي هامش من الخلاف؛ تريد أمريكا رئيسًا ضعيفًا يستمد أسباب بقائه من رضاها عنه، لا يستطيع حكم البلاد فضلاً عن الحفاظ عليها متماسكة!

وهكذا دخلت العراق دائرة الدم وخطت خطوات واسعة نحو التقسيم، وها نحن في هذه الأيام نشاهد الفصل الأخير من التقسيم.

الموجة الثانية من التقسيم:

ثم جاءت الموجة الثانية مِن التقسيم: "وهي المخططات المستغلة لثورات الربيع العربي": فكما أنه مَن لم يمت بالسيف مات بغيره؛ فمن لم يُقسَّم بالغزو العسكري قُسِّم بغيره؛ وحتى لا نظلم الربيع العربي ينبغي أن نقسِّم الربيع العربي إلي ما قبل الثورة، ثم الثورة، ثم ما بعد الثورة.

- ما قبل الثورة: دعَّمت أمريكا النظم العربية الديكتاتورية المتسلطة على شعوبها، وساهمت في وجود احتقان شعبي كبير على السلطة؛ حتى أصبحت الدول كمكان معبأ بالغاز لا يحتاج إلا لشرارة حتى ينفجر.

- فترة الثورة "أو فترة الانفجار": هي تلك الفترة التي خرجت فيها الشعوب لترفع الظلم عن كاهلها وتطالب بالإصلاح؛ هي تلك الفترة التي خرج فيها كثير من أبناء شعوبنا الشرفاء متمنين زوال تلك النظم الدكتاتورية عن كاهل الأمة حتى تنشط من عقالها وتستعيد ريادتها.

- فترة ما بعد الثورة: والتي كان لأمريكا والغرب وما يتبعهم من منظماتهم المدنية وغيرها الدور الأكبر في المراوحة الثورية وعدم الانتقال لمرحلة بناء الدولة، بل المطلوب أن تسفر الثورة عن صراعات داخلية لا تنتهي فيما يُعرف بصراع الضعفاء، صراع تستنزف فيه مقدرات الدول وتراق فيه الدماء حتى إذا ما أوشك أحد الفرقاء على الظفر بغريمه تدخل "الرجل الأبيض" ليدعم ذلك المنهزم لا شفقة ولا من أجل حقوق الإنسان، ولكن من أجل إطالة أمد الصراع!

فيستمر الصراع، ويستمر نزيف الدم... وبعد ارتفاع "فاتورة الدماء"؛ سيَقبل الجميع التقسيم، بل سيرحب به الجميع كحل لِوقف تدفق مزيدٍ من الدماء!

- وترتب على فترة الربيع العربي التخلص مِن مزيدٍ من الحكام الديكتاتوريين؛ فتم التخلص من "زين العابدين"، ثم "مبارك"، ثم "علي عبد الله صالح"، ثم "القذافي".

- كما ترتب على الربيع العربي أن لحقت "ليبيا، وسوريا، واليمن" بالعراق؛ فقد دخلت تلك الدول في دائرة الدم، وخطـَت خطوات واسعة نحو الفصل الأخير من التقسيم.

موجة التقسيم الثالثة: "داعش":

نجَتْ بعض الدول المحورية في عالمنا العربي وبصعوبة كبيرة مِن موجة التقسيم الثانية "مثل: مصر، والسعودية"، ولم تدخل إلى الآن في دائرة الدم وإن كانت تقف على ضفاف مستنقعه ويصيبها مِن رذاذه.

ومحورية مصر والسعودية هي محورية وجودية؛ لما حولهما من الدول؛ ولأنه مَن لم يقسَّم بالربيع العربي قسم بغيره، ولأن الرجل الأبيض لا يعرف اليأس في سعيه لتقسيم عالمنا العربي المقسم.

وعلى حين غفلة "معتادة" مِن عالمنا العربي، وعلى حين يقظة تامة من الرجل الأبيض أصبحت "داعش" على حدود السعودية، وبشكل آخر على بوابة مصر الغربية إيذانًا ببدء الموجة الثالثة من التقسيم.

فالرجل الأبيض الذي ضرب جبال أفغانستان الشامخة والفقيرة بأطنان مِن قنابله الذكية والغبية، والذي ضرب صحراء الصومال، والذي ضرب كذلك صحراء مالي - يبدي انزعاجه مِن تضخم قدرات "داعش" وكأنه فوجئ بذلك!

- "داعش": التي تتحدث التقارير عن امتلاكها ترسانة أسلحة حديثة، وعن اختراقات بعثية لصفوفها الأولى.

- "داعش": التي تطوق المقاومة السورية؛ فبينما تخوض المقاومة السورية معاركها مع طاغية سوريا تتلقى ضربات متتالية من "داعش" التي تسعى للاستيلاء على الحدود السورية التركية، تلك الحدود التي تمثِّل رئة المقاومة السورية، والتي لو أغلقت لاختنقت المقاومة السورية، ولم تقم لها قائمة.

- "داعش": ذلك الكيان التفكيكي، والذي يكفر الجميع، ويقاتل الجميع حتى منتحلي نفس فكره، وحتى رفقاء سلاحه!

ولكي تدرك حقيقة الأمور تخيل ذلك الرجل الأبيض، وهو يجلس مسترخيًا في بلاده سواء كان في أمريكا أو أوروبا أو إسرائيل، وقد أمِن من هجوم "داعش"؛ بينما تمارس "داعش" ومَن على شاكلتها الذبح، وبسكاكينها القصيرة والصدأة في: سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، وغيرها من بلادنا العربية والإسلامية المنكوبة بهم.

ولكي تدرك الحقيقة المرة تأمل تلك الاستغاثات الليبية لمجتمع الرجل الأبيض أن يتدخل ليوقف تدهور الأوضاع ثم هي لا تسمع بعد ذلك إلا صدى صوتها، ثم إذا تدخل الرجل الأبيض فلن يتدخل إلا لرسم الحدود الجديدة كما تدخلت أمريكا لإيقاف "داعش" عن اقتحام حدود دويلة "الكرد".

فرسالة الرجل الأبيض لنا: أنتم لا تستحقون أن أريق دمي مِن أجل الحصول على ثرواتكم، تلك مرحلة قد ولَّت، بل أنتم أريقوا دماء بعضكم البعض أو نرسل لكم "داعش" لتريق دماءكم، وفي كلا الحالتين ستتنافسون على تقديم موادكم الخام بأبخس الأسعار لنا، وبشروطنا؛ للحصول على خردة سلاحنا لتكملوا دائرة الدم، وبدلاً من مقاومتكم لاحتلالنا لأرضكم، ستتوسلون لنا كي نتدخل لننقذكم من بأس بعضكم على بعض، ولن نفعل إلا ما يحقق مصالحنا!

وبينما يرسل لنا الرجل الأبيض هذه الرسالة واضحة لكل صاحب عينين؛ تأتيه رسائلنا البلهاء، فبينما تفتح المنابر الإعلامية لمنكري عذاب القبر والمستهزئين بالبخاري، والطاعنين في ثوابتنا... تُمنع المنابر مِن مصلحيها!

- تأتي هذه الرسالة بينما تسعى شريحة من أبناء الوطن لهدم مجتمعهم بعد أن أوهمتهم قياداتهم الفاشلة أنهم سيجدون تحت ركامه شرعية بائدة فقدوها بإقصائهم للجميع، وبرغبة محمومة في التفرد بكل شيء.

- تأتي هذه الرسالة بينما تعتقد شريحة أخرى أنهم يسعهم إقصاء الجميع أيضًا، ولكن بطريقة أكثر حرفية من الناحية المضادة نحو التغريب والعلمانية.

فمتى يدرك أبناء وطني أنهم لن تقوم لهم قائمة، ولن يستطيعوا أن يجابهوا عدوهم؛ إلا بالاعتصام بحبل الله -تعالى-، والذي يقضي على الفُرقة والتشرذم؟!

ومتى يدرك مَن ظلوا قابعين على صدور شعوبهم لعقود "ملوكًا ورؤساء وأنظمة" أنهم السبب الرئيس في تسلط أعداء الأمة عليها، وأن دولة الظلم لا تقوم لها قائمة؟!

ومتى يدرك مَن يسيرون خلف تلك الشرعية البائدة أنه لا بديل عن عودتهم لأحضان مجتمعاتهم، وأن قيادة أفقدتهم حب شعوبهم لهم وتَحُول بيْن عودتهم لمجتمعاتهم حقيق أن تستبدل؟!

ومتى يدرك رجال الأعمال والمال والإعلام في بلادنا أن الدولة الفاسدة التي يسعون لعودتها ليستمروا في فسادهم ونهبهم لن تصمد أمام ما يُتوقع من زلازل قادمة؟!

متى يدرك الجميع ممن تقلهم سفينة الوطن المكلوم أن بلادنا لن تستطيع أن تجابه كل تلك الشرور إلا بعون من الله -سبحانه وتعالى-، ثم بشعب متماسك كالبنيان المرصوص؛ يشعر بالعدل والمساواة، قد وقي الله أغنياءه شح أنفسهم، ويؤثر فقراؤه على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وهو مع ذلك كله متمسك بنصوص وحيه يجعلها نصب عينيه؟!