إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 17 أبريل 2016 - 10 رجب 1437هـ

"كارسون" يرفض أن يتولى مسلم رئاسة الأمة الأمريكية ومع ذلك لم يرسب في الاختبار الديمقراطي

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سُئِل "كارسون" الذي يعد الأقرب لأَن يكون مرشحًا للرئاسة عن الحزب الجمهوري: هل تقبل أن يتولى مسلم رئاسة أمريكا؟ فقال: "أنا لا أؤيد أن يتولى مسلم قيادة هذه الأمة... أنا بالتأكيد لا أوافق على ذلك".

ملاحظات:

أولاً: الديانة النصرانية مِن الناحية الدينية لا تشترط ديانة للحاكم، ففيها: "أعطِ ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" (لاحظ أن هذا القول وفق الديانة النصرانية قد قيل في حاكم وثني).

ثانيًا: الدستور الأمريكي لا يتضمن نصًّا صريحًا ولا ضمنيًّا يمنع مِن تولي مسلم رئاسة أمريكا.

ثالثًا: إذن فعلى أي شيء استند "كارسون" في هذا المنع؟

يمكنك أن تجد هذا التعليل في كلمة "الأمة الأمريكية"، ورغم أن الأمة الأمريكية قائمة على التعدد العرقي والديني إلا أنها تبقى "أمة"، ويبقى مِن الشروط السياسية لقائدها أن يكون مُعبِّرًا عن هويتها.

وفرق كبير بيْن المواطن العادي ورأس الدولة؛ إذن فقد جاء رفضه "رفضًا سياسيًّا".

رابعًا: رغم هذه الإجابة لم يرسب "كارسون" في اختبار الديمقراطية الأمريكية، ولا هدده الإعلام بالويل والثبور وعظائم الأمور كما يحدث في بلادنا.

خامسًا: سُئلت "هيلاري كيلنتون" التي تعد الأوفر حظًّا بخوض انتخابات الرئاسة عن الحزب الديمقراطي ذات السؤال، فقالت: "نعم"... وننتقل إلى السؤال الذي بعده، ويبدو أنها مضطرة أن تنسجم مع مبادئ حزبها الأكثر انفتاحًا على المهاجرين، ولكنها تعجز عن الدفاع عن هذه الفكرة بأكثر مِن كلمة "نعم".

نسوق هذا للإعلاميين الذين لا يرون امتحانًا ديمقراطيًّا إلا السؤال عن الموقف مِن تولي قبطي الرئاسة، مع أن لدينا الموانع الثلاثة الشرعية والدستورية، وعلى أقل تقدير السياسية.

فمِن الناحية الشرعية: يمنع غير المسلمين مِن تولي الولايات العامة في الدولة الإسلامية؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى) (رواه الدارقطني والبيهقي، وحسنه الألباني)، ولا شك أن أعلى ولاية عامة في الدول الحديثة ذات النظام الرئاسي هي رئاسة الدولة، وأعلى ولاية في الدول ذات النظام المختلط رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء.

ومِن الناحية الدستورية: ينص الدستور على أن الإسلام دين الدولة ويلزم مِن هذا أن يكون رأس الدولة منتميًا لهذا الدين، وهذا موجود في عددٍ مِن الدساتير أو القوانين العليا "التي تعادل الدساتير" في عدد مِن الدول الديمقراطية، على رأسها "إنجلترا" التي يعتبرونها مهد الديمقراطية؛ فقد أقر البرلمان البريطاني مختلف النظم الأساسية التي تعد القانون ‏الأعلى والمصدر النهائي للتشريع "أي: الدستور القانوني"، وجاء فيه: "إن كنيسة إنجلترا هي الكنيسة المعترف بها، وإن العاهل الإنجليزي ‏بحكم منصبه -هو الحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا- وهو متطلب مقرر في ‏قانون التسوية لعام 1701م، بأن ينضم كنسيٌّ لمجتمع كنيسة ‏"إنجلترا" وكجزء مِن مراسم التتويج يطالب العاهل بأن يؤدي القسم "بالحفاظ على التسوية المبرمة مع كنيسة إنجلترا، وأن يحفظها بدون ‏خروقات، كما يحفظ العقيدة والشعائر والنظام وطرق إدارتها وحكمها، ‏وذلك بموجب القانون الذي تم إقراره في إنجلترا"، وذلك قبْل التتويج ‏بواسطة الأسقف الأعلى للكنيسة رئيس أساقفة كانتربري.

بل إن "توني بلير" رئيس وزراء إنجلترا الأسبق قد اعتبر أن هذا الشرط يلزم رئيس الوزراء أيضًا؛ فامتنع مِن الانتقال مِن المذهب البروتستانتي إلى المذهب الكاثوليكي إلى أن ترك رئاسة وزراء إنجلترا.

وأما مِن الناحية السياسية: فقد صرَّح بذلك أحد بابوات الكنيسة الأرثوذكسية السابق "شنودة الثالث" في أكثر مِن مناسبة أنه لا يؤيد مطلقًا تولي نصراني رئاسة مصر، وكذلك رجل الأعمال "نجيب ساويرس" -قبل أن تراوده أحلام اختيار حزبه لرئيس وزراء مصر القادم- قال في مقابلة مع قناة العربية، ونقلت اليوم السابع ملخصه: "قال رجل الأعمال، نجيب ساويرس، مؤسس حزب (المصريين الأحرار): إن المجتمع المصري ليس جاهزًا لتولي مصري مسيحي منصب رئاسة الجمهورية؛ لأننا نعيش في بلد الغالبية به مسلمة، مشيرًا إلى أن الدستور الجديد سمح لأي مسيحي بالترشح لذلك المنصب" (تعليق: بيَّنَّا أن مادة الإسلام دين الدولة تعد شرطًا ضمنيًّا في رأس السلطة التنفيذية أن يكون مسلمًا).

ومع هذا، فمع إصرار كثير مِن الإعلاميين أن الدستور لا يمنع، وأن الشريعة لا تمنع، لا يجد كثير مِن ضيوفهم إلا أن يلوذوا بأننا إن سلَّمنا جدلاً بعدم وجود مانع شرعي (رغم أننا نرى وجوده، وعند الخلاف سنحتكم للأزهر وفق الدستور) وعدم وجود مانع دستوري (رغم وجوده في المادة الثانية) فيبقى أن هذا كله في حق الترشح، وفي حالة حدوثه فسوف يكون مِن حق مَن يرى وجود هذه الموانع الثلاثة (الشرعية والدستورية والسياسية) أن يخاطب بها عموم الناخبين كما يخاطب الساسة في كل الدنيا ناخبيهم، وإن كنت أظن أن الناخب ليس في حاجة لمن يخاطبه بذلك كما في النقول السابقة التي نقلناها، ولعل هذا هو السبب في أن يحاول البعض أن يصل بالطرق غير المباشرة (نواب يختارون رئيسًا للوزراء) بينما تثار قضية الرئاسة كنوع مِن التشغيب الإعلامي لا أكثر ولا أقل، ومع هذا فمِن حقنا أن نقول: توجد موانع شرعية ودستورية وسياسية مِن تولي غير المسلم رئاسة السلطة التنفيذية في مصر.