إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 17 أبريل 2016 - 10 رجب 1437هـ

سبيل الرسول والمؤمنين... الدعوة إلى دين رب العالمين

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الدعوة إلى الله بها حِفظُ الدين وقيامه؛ و"مَن أمعن النظر؛ علِمَ أن الدعوة إلى الله حياة الدين، وأنه ما قام دين من الأديان، ولا انتشر مذهب من المذاهب، ولا ثبت مبدأ من المبادئ إلا بالدعوة، وما تداعت أركان ملةٍ بعد قيامها، ولا درست رسوم طريقة بعد ارتفاع أعلامها، ولا تلاشت نزعة من النزعات بعد إحكامها، إلا بترك الدعوة؛ فالدعوة حياة كل أمر عام تُدعَى إليه الأمم والشعوب؛ سواءً أكان ذلك الأمر حقًّا أم باطلاً، ولقد علَّمنا التاريخ أنه ما قام أحد يدعو إلى شيء إلا ووجد له أنصارًا وأتباعًا.

وها نحن أولاء نرى المذاهب الباطلة تنمو بالدعوة، والمذاهب الحقة بإهمال الدعوة تتضاءل، ولو كان الحق يقوم بنفسه وينتشر بذاته لأنه الحق؛ لما فُرضتْ علينا الدعوة إليه، ولما كان ثَمَّ حاجة إلى الأنبياء والمرسلين وورثتهم من العلماء العاملين، والمرشدين الناصحين" (هداية المرشدين للشيخ علي محفوظ -رحمه الله- عضو هيئة كبار علماء الأزهر الشريف ورئيس قسم الوعظ به، ط مكتبة الصفا، ص 19).

والدعوة إلى الله جزء من حياة المسلم تحل معه أينما حل، وتنزل معه أينما نزل، ولا أدل على ذلك مِن حال نبي الله يوسف -عليه السلام- الذي سُجِن ظلمًا وعدوانًا؛ فلم تمنعه أسوار السجن، وجدران العزل عن ممارسة الدعوة إلى الله -تعالى-، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.

والمسلم المعظـِّم لدين الله -تعالى- الحريص عليه لا يمكن إلا أن يكون داعية إلى دينه -عز وجل-؛ آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، يدعو الخلق جميعًا -إن استطاع- إلى توحيد الله ومعرفته وعبادته.

ويدعو أهل الإسلام كذلك إلى إقامة دين الله -تعالى- وشريعته؛ لأن العقد الاجتماعي بين المسلمين المتمثل في إسلامهم، وأخوتهم الدينية الإيمانية، والموالاة والمعاداة على أساس هذا الدين - يستلزم ذلك، قال الله -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرحمهم الله إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71).

وإنما نالت أمة الإسلام خيريتها بقيامها بالدعوة إلى الله -تعالى-، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110)، فقرنت خيرية الأم بدعوتها إلى الله، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر.

وقد بدأت الآية الكريمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ذكر الإيمان بالله -مع أن الإيمان بالله هم المقدَّم بلا شك، وبدونه لا تقبل طاعة لله-؛ لأجل أن المقام مقام بيان وجه خيرية أمة الإسلام على سائر الأمم؛ لأن هذه الخيرية إنما تظهر مِن خلال أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر.

وقد أمر الله -سبحانه وتعالى- أمة الإسلام بالقيام بهذا الواجب، وأخبر بأن الفلاح مرهون به، فقال -عز وجل-: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104)، فالدعوة إلى الله سبب الفلاح في الدنيا والآخرة.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) (متفق عليه). و(حُمْرُ النَّعَمِ) هي: الإبل الحمراء، وكانت أنفس الأموال عند العرب. وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الدَّالُّ على الخَيْرِ كَفاعِلِهِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وكان يقول -عليه الصلاة والسلام-: (فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ) (متفق عليه).

وسواء كانت (مِنْ) في قوله -تعالى-: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ... ) للتبعيض -فتفيد أن الأمر على الكفاية- أو لبيان الجنس -فيكون المراد أي لتكن كل الأمة كذلك-؛ فإن الآية تدل على لزوم انتصاب طائفة مِن المسلمين تقوم بواجب الدعوة إلى الله، ومعلوم أنه يُشتَرط للخروج مِن عهدة الفرض الكفائي حصول الكفاية بمَن يقوم به؛ فإن كانت الكفاية غير حاصلة فيجب أن يقوم بهذا الواجب كل مسلم حسب قدرته، وهذا يشمل النساء كذلك؛ لأنهن شقائق الرجال، ومعنى فرض الكفاية في هذا المقام أن يوجد المعروف الواجب، وأن يزول المنكر المحرم في الناس، فإذا حصل ذلك، وإلا أثم كل قادر بحسب قدرته واستطاعته.

وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) (رواه مسلم)؛ فهذا فيمن تَعيَّن عليه إنكار المنكر وتغييره.

وإذا كان غير المكلف من الخلق "كالهدهد" يتخلف عن مجلس سليمان -عليه السلام-، ويعرِّض نفسه لوعيده وعقوبته له، ليبحث عمن يحتاج إلى الهدى، ويظهر تعجبه الشديد ممن أشرك بالله ولم يسجد له -سبحانه-! (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ . لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ . فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ . أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (النمل:20-26).

فإذا كان الهدهد كذلك؛ فكيف بالمسلم المكلف؟!

ولقد أخطأ وأساء مَن ظن أن الدعوة إلى الله تنحصر في أشخاص معينين أو جهات محددة -فضلاً عمن يسعى إلى ذلك!- أو أنها تحتاج إلى إذن أحد من الخلق والبشر؛ إذ أنها مِن الطاعات والواجبات الشرعية، والواجب الشرعي لا يجوز لأحد أن يطيع أحدًا في تركه؛ لا والديه، ولا إمام، ولا حاكم، ولا يجوز الاستئذان فيه، أو أن يُطلب الإذن في فعله، و"مَن أراد ذلك فقد شابه فرعون كما قال -تعالى- مخبرًا عن قوله للسحرة: (آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) (الأعراف:123)، فمَن أراد أن يُستأذن في طاعة الله -عز وجل- إنما هو متشبه بفرعون؛ لأن الله إذا أمر بأمر فلا يجوز لأحد أن يعترض عليه، ولا أن يمنع منه" (الشرح الصوتي لقصة أصحاب الأخدود، د.ياسر برهامي).

ذلك أن الدعوة إلى الله -تعالى- هي سبيل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسبيل مَن اتبعه؛ لإخراج النَّاس مِن الظلمات إلى النَّور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن استحقاق النَّار إلى الجنة، ولو ترك المسلم الدعوة إلى الله تركًا دائمًا مستمرًا متعمدًا فإنه لا ينضوي تحت لواء قوله -تعالى-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108)؛ لأن أتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- هم الذين يدعون إلى الله -تعالى-.

وأما اشتراط الأهلية في الدعوة إلى الله -تعالى-؛ فإنها لا تلزم أن تكون بشهادات أو تصريحات ووظائف ونحو ذلك، بل إن كل مَن اتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أسعد الناس بها، وأهل السنة هم أهل الدعوة إلى الله وأربابها، وليس شرطـًا بحال أن يكون الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فقيهًا عالمًا، وإنما يكفي أن يكون الداعية عالمًا بما يدعو إليه، وبما يأمر به مِن المعروف وما ينهى عنه من المنكر، وهذا ما انتظمه قوله -تعالى-: (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)؛ حيث اشتملتِ الآية الكريمة على أهم دعائم الدعوة إلى الله، مِن: الإخلاص كما في قوله: (إِلَى اللَّهِ) وليس إلى نفسه أو غير الله، والعلم، والصبر، والحلم، والبدء في الدعوة بالأهم فالمهم فهذا يشمله قوله: (عَلَى بَصِيرَةٍ)؛ إضافة إلى أنه لا يكون داعيًا حقًّا إلا مَن كان بعلمه عاملاً، وكان حسن الخلق؛ وإلا كان صادًّا للناس عما يدعوهم إليه في الحقيقة, وكان بعيدًا عن الإصلاح الذي يريد: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود:88).

ثم أين يذهب مَن يدعي ذلك الاختصاص في الدعوة إلى الله بقوم دون غيرهم مِن نصوص الكتاب والسنة؟!

قال الله -تعالى- عن العبد الصالح لقمان الحكيم -الذي أثنى الله عليه ووصفه بالحكمة في كتابه الكريم- في وصيته لولده: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (لقمان:17)، فلم يقل له أو يأمره بأن يصلي ويعبد ربه ثم لا شأن له بما يجري حوله، وأن يترك الناس يعرِّضون أنفسهم لعذاب الله وغضبه، ولا يحرك ساكنًا!

وأين هؤلاء مِن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهِا, قَالَ: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَاعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ), قَالُوا: مَا حَقُّهُ؟ قَالَ: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) (متفق عليه)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) (رواه مسلم)؟! وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) (رواه البخاري)، وهذا خطاب لجميع الأمة.

وأين هم مِن المذمة والوعيد اللاحق بمن يترك هذا الواجب؟!

قال الله -تعالى-: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:78-79)، وقال -سبحانه-: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال:25)، وقال -تعالى-: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (الأعراف:165). وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغيرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني)، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلا يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَذَّبَ اللهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ) (رواه أحمد، وحسنه الحافظ ابن حجر).

وإذا كان الله -تعالى- قد امتدح الداعي إليه وإلى دينه وشريعته بأنه أحسن الناس قولاً، فقال -سبحانه- عنه: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33)؛ فما بال مَن يمنعه؟!

ولمَ يمنعه ما دام إنما يدعو إلى الله لا لشيء آخر؟!

وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد وسَّع باب الدعوة إلى الله، وحرص أشد الحرص على أن يصل النور والعلم الذي جاء به إلى الناس كافة كما في قوله: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً)، وقوله: (فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ)، بل ودعا -صلى الله عليه وسلم- لكل مَن بلغ شيئًا مِن سنته بأن ينضر الله وجهه -وإن لم يكن فقيهًا، ولمن بلغ حديثه وإن كان المستمع أفقه مِن المبلِّغ- فقال -عليه الصلاة والسلام-: (نَضَّرَ اللَّهُ امرءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعَى من سامِعٍ) (رواه أحمد والترمذي وابن حبان، وصححه الألباني) - فما الظن بمن يضيِّق ما وسَّعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الأمر الجلل "أمر الدعوة إلى الله"؟!

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (اللهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ) (متفق عليه).

ألا فليحذر كل امرئ أن يكون سببًا في صد الناس عن الهدى والخير (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:94)، وإنما الواجب على كل مَن كان مسئولاً عن أمر مِن أمور المسلمين أن يقيم فيه شرع الله بما يقدر عليه. وإلى الله المشتكى!

وليعلم مَن أراد نجاة نفسه:

- أن الدعوة إلى الله نجاة مِن العذاب: (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا . قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا . قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا . إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) (الجن:20-23). قال ابن كثير -رحمه الله-: "وَقَوْلُهُ -تَعَالَى-: (إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: (لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدً... (إِلا بَلاغًا)، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ: (لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ) أَيْ: لا يُجِيرُنِي مِنْهُ وَيُخَلِّصُنِي إِلا إِبْلاغِي الرِّسَالَةَ الَّتِي أَوْجَبَ أَدَاءَهَا عَلَيَّ" (تفسير ابن كثير).

- أن صلاح الصالحين لا يكفي في نجاتهم دون إصلاحهم، ودون قيامهم بواجب الدعوة إلى الله -تعالى-: قال الله -عز وجل-: (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ . وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود:116- 117). ولما قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟) قَالَ: (نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ) (متفق عليه).

- أن نجاة الإنسان من الخُسر الذي أقسم الله عليه إنما يكون بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، قال الله -تعالى-: (وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر).

- أن الدعوة إلى الله حياة للمجتمع بأسره -وليس فقط لقلب الداعي إلى الله والقائم بها-، وتركها مِن أسباب الهلاك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا) (رواه البخاري).

- أن الدعوة إلى الله فرقان بيْن المؤمنين والمنافقين: فإن الله -تعالى- قال عن المنافقين: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) (التوبة:67)، وقال عن المؤمنين: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71)، والآية دلت كذلك على أنهم يرحمون بدعوتهم إلى الله، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

- أن بالدعوة إلى الله -تعالى- يظهر صدق المحبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في اتباعه على ذلك: قال الله -تعالى-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31)؛ لأن الدعوة إلى الله هي سبيله -صلى الله عليه وسلم- وطريقه -كما سبق-.

- أن الدعوة إلى الله رحمة بالخلق: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، قَالَ فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا) (متفق عليه).

وكما أخطأ مَن ظن أن الدعوة إلى الله تقتصر على أشخاص أو تنحصر في جهات أو هيئات تختص بها؛ فكذلك أخطأ مَن ظن أن الدعوة إلى الله تنحصر في وسيلة أو صورة معينة هي صورة الخطبة أو الدرس في المسجد! بل إن مَن سار في طريق المسلمين وخالط الناس، ورأى المقاهي التي تكتظ بهم، ورأى مشاهد التبرج، ورأى المتسكعين هنا وهناك، وانتشار المخدرات والمسكرات - ليعلم أن مَن هم خارج المسجد أحوج بلا شك إلى مَن يحاورهم ويذكرهم بحق الله عليهم مِن رواد المسجد الذين يأتونه مختارين ساعين إليه، وعامة هؤلاء وإن لم يستجب في الحال، لكنه -بفضل الله- يسمع ويتجاوب مع مَن يدعوه إلى الله، وربما طلب منه الدعاء له بالهداية والاستقامة، فالدعوة إلى الله إذن لا تنحصر في صورة معينة، بل ما أكثر مجالات الدعوة، وما أكثر وسائلها وأساليبها.

والدعوة إلى الله لا يمكن أن تتوقف -بفضل الله ورحمته-؛ فإن الله بالغ أمره، ودين الإسلام ظاهر لا محالة.

وليس العبرة بالمنبر الذي يقف عليه الإنسان أو في المكان الذي يتواجد فيه -سواء في القصر أو في الحبس-، وإنما العبرة بما يقوله الإنسان وبما يدعو إليه.

(عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف:89).

وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.