إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 10 أبريل 2016 - 3 رجب 1437هـ

مواقف الإسلاميين في مصر بعد "3-7-2013م"

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا أريد في هذا المقال أن أكرر كلامًا حول فترة رئاسة الدكتور "محمد مرسي" وأسباب فشله، وهل فشل أم أُفشِل؟ وماذا فعلنا لمحاولة إنقاذه؟ ولكني أريد أن أتحدث عن واقعٍ فَرَض نفسه يوم "3-7-2013م"، ولا يختلف اثنان على أنه وُجِد واقع في جديد في هذا اليوم؛ سواء مَن حضر أو مَن لم يحضر، وأن هذا المشهد كان النهاية لإجراءاتٍ أعلنتْ عنها "المؤسسة العسكرية" مبكرًا مِن أنها بصدد التدخل غير الدستوري في السلطة، وهي التصريحات التي أَصر البعض على تفسيرها على أنها تحذير لـ"جبهة الإنقاذ"، ثم عادوا بعد "3-7" لكي يقولوا: إن بوادر الانقلاب بدأتْ من تاريخ كذا... وكذا... دون أن يبينوا ماذا فعلوا لتفاديه!

وعلى أية حال، فإن موضوعنا في هذه المقالة هو مناقشة طريقة تعامل الإسلاميين مع هذا الحدث، ويمكننا أن نقسِّم طريقة تعامل الإسلاميين مع هذا الحدث إلى تيارين أساسيين، وثالث صامت أو متردد بيْن الأمرين.

وهذان التياران هما:

1- مَن قَبِل الدخول في خارطة الطريق.

2- مَن نادوا بعودة الشرعية.

وإليك ملخص رؤية كل فريق منهما:

أولاً: مَن قَبِل الدخول في خارطة الطريق

الهدف الأساسي للمرحلة:

1- استعادة الثقة بين الدعاة والمجتمع.

2- محو آثار الخطاب المتضمن للتلويح بالتكفير والعنف في مرحلة ما قبل "3-7".

3- الحفاظ على مكتسبات الشريعة في الدستور.

وهذه الأهداف مقدَّمة مِن وجهة نظر أصحاب هذه الرؤية على استعادة الشرعية فضلاً عن كون الأخيرة من وجهة نظرهم غير واقعية كما سيأتي بيانه -إن شاء الله-.

الوسائل:

1- مخالطة الناس والصبر على آذاهم.

2- بقاء الإسلاميين يشاركون الناس في الجُمع والجماعات؛ للتواصل والتراحم بدلاً من خيار وضع جميع الإسلاميين في جيتو "رابعة" أو غيرها من الميادين!

3- المشاركة في لجنة إعداد الدستور، وإذا كان أصحاب الرؤية الأخرى قد تعاملوا مع السلطة كسلطة واقع فيما يتعلق بأعمالهم الشخصية، بل وشاركوا في بعض الأمور العامة: كانتخابات النقابات، فالمشاركة في لجنة إعداد الدستور من باب أولى؛ لا سيما وأن الشيخ "محفوظ نحناح" في الجزائر كان قد برر مشاركته في العمل السياسي بعد انقلاب العسكر على جبهة الإنقاذ في الجزائر بأن هذا كان للحفاظ على مادة: "الإسلام دين الدولة"، وقد نال استحسان الأستاذ "محمد أحمد الراشد"، والشيخ "القرضاوي"، وكان آخر أحوال "الغنوشي" هو الثناء عليه.

النتائج:

ونتيجة واقعية هذه الأهداف فقد تحقق منها بفضل الله -عز وجل- الشيء الكثير، والذي يقارِن بين درجة قبول الإسلاميين في المجتمع في شهر "يونيو 2013م"، وبين ما هي عليه الآن... يدرك هذه القضية، مع الأخذ في الاعتبار أن المجتمع هو الميدان الذي ينبغي ألا نفرط فيه قط، بل إن مَن ينظر إلى درجة التردد أو التساؤل أو حتى الإنكار التي يصدر مِن بعض الطيبين على مَن اختار هذا الطريق منكرًا عليهم أنهم لم يساندوا مَن اختار الطريق الثاني لا يدري ماذا كان سيفعل ذات الشخص الذي ينكِر عليه لو جمع الإسلاميون أنفسهم في "جيتو"، ورددت منصَّاتهم خطاب السحق، والرش بالدماء، إلى آخر هذه الأمور... !

كما استطاع مَن سلك هذا الطريق أن يحافِظ على مكتسبات الشريعة في الدستور كما بيَّنَّاه في غير هذا المقال -فلله الحمد والمنة-؛ فلذلك لا نريد أن نطيل في هذا الاختيار، ولكي نفسح المجال أمام مناقشة أوفى مع الخيار الثاني المرفوض بالنسبة لنا.

ثانيًا: تيار المناداة بعودة الشرعية

الهدف الأساسي للمرحلة: "استعادة الشرعية":

الوسائل:

نادي أصحاب هذا الفريق بمواجهة سلمية وصفوها بكونها "ثورية"، وهي تختلف عن السلمية الإصلاحية المتدرجة، كتلك التي مارستها "جماعة الإخوان" في بداية تأسيسها، كما مارستها طوال حكم "مبارك".

وتلخيص أهم الفروق بين المنهجين في النقاط الآتية:

الأولى: فيما يتعلق بمفهوم السلمية ذاته: حيث بدأت مواقع شبابية، ومسئولون في "أحزاب تحالف دعم الشرعية" يذكرون أن كل ما دون "الرصاص" يُعتبر سلميًّا؛ مما يعني أن "الطوب" و"المولوتوف"، بل حتى "قاذفات المولوتوف"... كل هذا داخل في مفهوم السلمية عندهم! بينما كان قادة الإخوان يرددون في لقاءات إعلامية -وسمعناه منهم في مجالس خاصة-: إنهم عُذبوا في السجون أبشع تعذيب، ثم خرجوا وكان الواحد منهم يقابل جلاده فلا يؤذيه "ولو بشطر كلمة!".

الثانية: الموقف من التعامل مع الأزمات الاقتصادية والأمنية وغيرها: فبينما كان سلوك الجماعة تجاه الأزمات الاقتصادية والكوارث: مِن سيول إلى حوادث قطارات، وعبَّارات، وغيرها... هو محاولة رفع المعاناة عن كاهل الناس تحت شعار: "نحمل الخير لمصر" رغم تحميلهم الحكومات المسئولية؛ صار المنهج الثوري الذي تسير عليه الجماعة الآن يقتضي ترك المشكلات تتفاقم، وربما تعداها إلى افتعال أزمات، مثل حملات: "منع الأضحية - حملة جمع العملة المعدنية - وحمل عطل عربيتك - وحملة إيجاد تكدس في المترو - وغيرها... ".

الثالثة: وهي الأخطر على الإطلاق: ويمكن وصفها بأنها فرض الخطأ على الطرف الآخر "الذي هو هنا الجيش والشرطة"، وهي طريقة مستوحاة من قصة "حمادة المسحول" الذي استفز الشرطة في عصر د."مرسي"؛ لكي يصل معه الأمر إلى السحل وتجريده من الملابس، وتحت هذا المسلك يرفع شعار: "مواجهة الرصاص بصدور عارية!".

الأمثلة التاريخية التي يستند عليها أصحاب هذا الاتجاه:

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن هذا النمط من الاحتجاج له سوابق ناجحة؛ مما يدحض دعوى "استقرار الوضع"، ويؤكِّد أن هذه الرؤية واقعية، وهم يضربون على ذلك أمثلة...

مِن أبرزها:

1- ثورة "25 يناير".

2- الثورة الإيرانية.

3- عودة "تشافيز" للحكم في "فنزويلا" بعد انقلاب الجيش عليه.

مناقشة تيار دعم الشرعية:

1- مدى أهمية الهدف ورجحانه على غيره من الأهداف:

يبني أصحاب هذا الاتجاه رؤيتهم على أن هدف استعادة الشرعية هو أسمى الأهداف مدعين في ذلك أمورًا، مِن أهمها: أن فترة حكم د."مرسي" رُفعت فيها راية الشريعة أو -على الأقل- مهدت الطريق إلى تطبيقها، وأن كل هذه المكاسب ذهبت أدراج الرياح فور عزله!

ويكفي في الرد على هذا الادعاء أن نقرأ مقتطفات من بحث قدَّمه د."أكرم حجازي" إلى منتدى المفكرين المسلمين -وهو أحد الهيئات الداعمة لتحالف دعم الشرعية المطالب بعودة د."مرسي"-، حيث قدَّم بحثًا لمؤتمر عقده المنتدى في "13-4-2013م" بالقاهرة، وكان عنوان البحث: "الرؤية الفكرية للأمة بعد الثورة العربية: دراسة للواقع واستشراف المستقبل" جاء فيه: "باختصار: إذا كان الإسلاميون الذين وصلوا إلى قمة السلطة يخسرون لصالح الخصوم سواء كانوا من الليبراليين والعلمانيين أو من رموز "الثورة المضادة"؛ فكيف يمكن الركون إلى القول بأن الثورات حركة اجتماعية تدفع بالأمة نحو التحرر من "الاستبداد" و"التبعية" و"الهيمنة"؟! وكيف يمكن الثقة في أن الثورات الشعبية هي الوسيلة المناسبة لإحداث التغيير؟! والأهم: هل التغيير "خيار طوعي" للأمة أم خيار حتمي؟".

ثم يقول: "الإسلاميون -مثلاً- في مصر فازوا بأكثر من ثلثي المقاعد، وتبوؤوا منصب الرئاسة، لكنهم في الواقع عاجزون عن ممارسة الحكم، وعاجزون عن الدفاع عن أنفسهم، وعاجزون عن رد الاتهامات". ثم أخذ يعدد مصادر هذا العجز، وهو بذلك يصف حالة العجز دون أن يعرِّج على طريقة مَن في الحكم في التعامل معها، وهي الحالة التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه!

وقد يدَّعون مِن جهة أخرى أن الشعب نال فيها حريته وكرامته مع التصريح بأن معظم أجهزة الدولة "لا سيما الداخلية" لم تكن تحت طوع الرئيس؛ مما يعني أنه لم يكن مؤثرًا فيها وجودًا أو عدمًا!.

2- مدى واقعية الهدف:

إن الشرعية التي ينادي بها أصحاب هذا الاتجاه كانت موجودة وقائمة، ولكنها كانت مفتقرة لكثير من أسباب البقاء؛ ولذلك زالت، والسبب في هذا يرجع إلى وجود حنق شعبي، وتذمر في مؤسسات الدولة على حكم د."مرسي"؛ مما أدى إلى زوالها، وبلا شك أن استمرارها كان أسهل من عودتها بعد زوالها، فطالما أن العوامل التي أدت إلى زوالها ما زالت قائمة أو زادت؛ فلمَ الإصرار على عودته؟!

3- شفافية الهدف:

من خلال ما طُرح في النقطة السابقة، بالإضافة إلى النظر في الأهداف والوسائل المعلنة سنجد أن الوسائل المعلنة لن تؤدي بفرض نجاحها إلى الهدف المعلن، فإن هذه الوسائل أقصى ما يمكن أن تنجح فيه -إذا نجحتْ- أن تُسقِط نظامًا "دون أن تضمن في يد مَن يسقط!"، وفي الأعم الأغلب لا تنجح جهود إسقاط الأنظمة عن طريق افتعال الأزمات إلا بعد فترة تُقاس بعشرات السنين "لا بآحادها"، ومَن استمع إلى كلمة د."محمد يسري" أمام مؤتمر رابطة علماء المسلمين -وهي مِن الجهات التي تؤيد هذا الحل عن الثورة المضادة- يجد أن الأمثلة التي ضربها لما سماه: بـ"استعادة الثورة" قد استغرقت فترات زمنية تقاس بعشرات السنين -كما أسلفنا-.

4- مشروعية الوسائل:

كان للأستاذ "حسن البنا" موقف من الثورة بيَّنه في رسالة المؤتمر الخامس قائلاً: "وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها, ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل، فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ثورة؛ ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا مِن دعوتهم، ولكن مِن ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح, وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرًا من هذه النُذر؛ فليسرع المنقذون بالأعمال".

ومن خلال كلام الأستاذ "البنا" يتبين أنه لا يمكن أن يساهِم في عملية تثوير للأوضاع؛ لأن هذا ليس من دعوة "الإخوان"، وإن كان يمكن أن يتفاعل مع أي ثورة إذا قامت بالفعل بدون تثوير منه، وهذا يقترب مما تم في ثورة "25 يناير".

ولكن المشكلة في تبني "الخط الثوري" الآن دون تأصيل شرعي لكل الممارسات، ومنها:

1- تعمد زيادة الأزمات أو افتعالها.

2- مواجهة قوات الأمن بما يضر -وإن كان دون الرصاص-، وكانت الدعوة إلى استعمال ذلك في حال الدفاع فقط حتى توجهت نداءات بتعميم هذا على اعتبار أن كل سيارة شرطة إما اعتدت وإما ستعتدي! وقارن بيْن هذا وبين قول د."بديع" -وغيره-: إنهم قابلوا جلاديهم خارج السجون فلمْ يتعرضوا لهم ولو بشطر كلمة؛ لأن هذه هي أخلاق الإخوان!

3- المشكلة الأكبر تكمن فيما يتعلق بالنقطتين السابقتين بتعليلات تتضمن التكفير الصريح أو الضمني؛ سواء للشرطة كقول بعضهم: "داخلية لا دين لها"، أو حتى للشعب، كقول البعض تعليلاً لحملة منع الأضحية: "شعب لا يستحق!".

4- كذلك فإن الدعوة إلى مواجهة الرصاص بصدور عارية "فضلاً أن يتضمن هذا استفزازًا لمَن يملك الرصاص"؛ يجعل صاحب هذه الدعوة مسئولاً عن هذه الدماء "مع عدم إعفاء صاحب الرصاص قطعًا"، وبالإضافة إلى مخالفة أصل الفعل للشريعة فيبقى أن هذه الفتاوى سرعان ما تتغير أثناء المواجهات بعد سقوط بعض الضحايا مما يجعل الأمر يبدو متناقضًا!

فلو كان الواجب الثبات ولو بصدرٍ عارٍ -كما يُقال في أول الأمر-؛ فلماذا يتغير ذلك لاحقًا؟

ولو كانت هناك رخصة؛ فلماذا لم تعطَ للناس عند وجود بادرة مواجهة؟!

مما يوحي بأن المقصود وجود عددٍ من الضحايا، ثم تتغير الفتوى، وفي هذا إهدار لحرمة دماء شباب كل ذنبهم أنهم وضعوا ثقتهم فيمن لا يُتقِن هذه الأمور!

وأسوأ من هذا: تحريض فتيات على مواجهة قوات الأمن بطريقة معلوم سلفًا أنها ستؤدي جزمًا إلى إلقاء القبض على بعضهن -على الأقل-، ولعل الكثيرين قد صدموا من تصريحات للبعض تبدي حزنًا على حكم إخلاء سبيل فتيات الإسكندرية؛ لأن حبسهن كان جالبًا لتعاطف الكثيرين!

إن هذه الوسائل وإن فعلتها قوى لا تلتزم في عملها السياسي أو غيره بالشريعة، فلا يبيح هذا لنا أن نفعل مثلهم؛ لا سيما وأن الدماء والأعراض التي تتعرض للإيذاء تخص منَ وثقوا فيمن يقود مسيرة العمل الإسلامي أنه لا يأمرهم إلا بما يوافق الشرع.

مناقشة النماذج التاريخية:

يحتج مَن يذهب هذا الطريق بأنه واقعي وممكن بدلالة تكرره تاريخيًّا، ويذكرون لذلك أمثلة، منها: "ثورة 25 يناير"، والآن يذكرون "ثورة الخوميني" في إيران، وبغض النظر عن مسألة الخلاف العقدي مع الشيعة فإن ظروف "ثورة يناير" تتشابه مع ظروف الثورة الإيرانية، وكل منهما تختلف تمامًا مع حال مظاهرات تحالف دعم الشريعة الآن، ففي "ثورة يناير" ومِن قبلها "الثورة الإيرانية" كان الناس يعانون من حكم ديكتاتوري ظالم جاسم على الصدور لفترة طويلة، واتفق الناس على غاية واحدة هي الإطاحة بالشاه، ووقف الجيش لسبب أو لآخر موقفًا حياديًّا، وهو أحد أهم شروط نجاح الثورات السلمية ضد الحكام كما بيَّن ذلك "جوستاف لوبون" في كتابه: "روح الثورات" أن انحياز الجيش أو حياده -على الأقل- شرط أساسي لنجاح أي ثورة.

فإن اُعترِض على ذلك بحالة "تشافيز"؛ فيمكن أن تضيف إلى الحالتين اللتين تحدث عنهما "لوبون" حالة ثالثة، ذكرها الروسي "ليون تروتسكي" فقال: "مصير كل ثورة يتحدد عند نقطة معينة بالانقسام في صفوف الجيش".

وهذا أحد أهم الفروق بين الحالة المصرية وحالة "تشافيز".

وحيث إن "الثورة" المراد إشعالها هي ضد الجيش؛ فلا مجال لانحياز الجيش أو لحياده؛ فبقي الانقسام وهو أمر غير حاصل، ولا ينبغي تمني حصوله لمجرد تحقيق مصلحة أخرى دون النظر لعواقب الأمور في حالة لو تحول هذا الحلم إلى حقيقة "لا سيما والجيش المصري هو الجيش الوحيد الذي يقف في وجه إسرائيل".

وقد يحتج محتج على هذا بأن الجيش المصري يرعى اتفاقية السلام الجائرة إلخ، مع أن قائل هذا الكلام يعلم أن د."مرسي" التزم بهذه الاتفاقية، وأن كل الأحزاب السياسية "لا سيما الإسلامية" قالت إنها لم تكن موافقة على عقد هذه الاتفاقية، ولكنها تحافظ عليها وفاءً بالتزام الدولة بتعهداتها، ولا ينبغي أن ينسى كل مدافع عن د."مرسي" أنه كان ولآخر لحظة يثني على الجيش وقياداته.

موقف "دعم الشرعية" يتعلق بالمبادئ أم بالمصالح؟

النقطة الأخيرة التي ينبغي أن نناقشها مع هذا الاتجاه هو البحث في هذا الموقف: هل هو مبني على مصلحة راجحة أم أنه ينطلق من نظرة مصلحية؟

إن الإجابة التي تنطلق بسرعة مِن أنصار هذا الاتجاه هي أن: "القضية قضية مبادئ"، في حين أن رموز هذا الاتجاه تعاملوا مع مواقف مشابهة -أو أشد- تعاملاً مصلحيًّا، كما تعامل الأستاذ "البنا" مع حكومات ما قبل "ثورة يوليو" ومنها حكومات أتت إلى الحكم على ظهر دبابات إنجليزية، ثم تعامل "الهضيبي" مع ثورة "يوليو"، وتعامل "نحناح" مع العسكر، وتعامل إخوان العراق مع الأمريكان!

وأما قضية الحكم والشريعة: فقد كان الوصول إلى "سدة الحكم" في هذه المرحلة مخالفًا لمقتضى الحكمة والعقل كما قرره الأستاذ "البنا" في رسالة المؤتمر الخامس، فقال: "وعلى هذا، فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا مِن الأمة مَن يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة، والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله.

وعلى هذا فالإخوان المسلمون أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال, فلابد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود, ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثِر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة".

وإذا اعترض معترض بأن كلام الأستاذ "البنا" لا ينطبق على حال مصر الآن... فإليكم نصيحة مِن معاصر منتمٍ لنفس المدرسة والدستور، وهو الأستاذ "أحمد محمد كنعان" من إخوان سوريا، وهو أيضًا عضو مؤسس في اتحاد منظمات المجتمع المدني السورية، قال في تصريحات لمراسلة وكالة أنباء الشرق الأوسط في عمان على هامش مشاركته في مؤتمر "الإسلاميون والعلمانيون: نحو رؤية توافقية لاجتياز مرحلة الانتقال للديمقراطية" الذي اختتم أعماله يوم الأحد الماضي في الأردن: "إننا كنا قد التقينا مع قيادات الإخوان في مصر، وعلى رأسهم: المرشد العام محمد بديع، والدكتور عصام العريان، وباكينام الشرقاوي، وغيرهم، بغرض تقديم النصيحة الأخوية لهم، إلا أنهم لم يقبلوها وهو ما أوقعهم في الخطأ، أحسسنا وقتها أنهم يعيشون نشوة النصر خاصة بعد الفوز بالسلطة بعد سنوات طويلة".

وتابع: "إن إخوان مصر انتقلوا فيما بعد "30 يونيو" من حالة السياسة إلى المصارعة، ومع ذلك وجهنا لهم عدة رسائل طالبناهم فيها بأن ينسحبوا، وأن يمتصوا هذه الأزمة؛ إلا أنهم لم يستجيبوا، وهو ما جعلهم يدفعون الثمن!".

إن هذه الأصوات القديمة والحديثة لتنادي على الإخوان بأن يستجيبوا لصوت العقل بدلاً من الانزلاق إلى وسائل لا تناسب الدعوة الإصلاحية السلمية، وأخطر من ذلك ما تطلبه هذه الوسائل من تنظيرات تنتمي لمدارس مخاصمة للمجتمعات المسلمة ومستعلية على أفرادها؛ لا سيما وأن في الجماعة أجنحة مشبعة بهذه الأفكار.

نسأل الله السلامة مِن كل مخالفة للحق، ونسأله السداد في القول والعمل. اللهم آمين.