إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 07 أبريل 2016 - 29 جمادى الثانية 1437هـ

متى يُراجِع المتعاطفون مع الإخوان أنفسهم؟! (3) "عناق وجدي وتليمة، واعترافات زوبع"

"عناق وجدي وتليمة، واعترافات زوبع"

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد: كتبتُ منذ فترة مقالاً بعنوان: "متى يُراجِع المتعاطفون مع الإخوان أنفسهم؟" يمكن تلخيصه في هذه الفقرة الآتية:

"لماذا ننتظر مِن المتعاطفين مع الإخوان أن يفيقوا؟!".

هذا المقال بصفة عامة، وهذه الفقرة "بصفة خاصة" موجهة لأصحاب المنهج السلفي الذين تعاطفوا مع الإخوان، وغالطوا أنفسهم بشأن خطاب التكفير والعنف مِن أنه غير مقصود، أو أنه حالات فردية؛ حتى لا يمنعوا أنفسهم مِن التجاوب مع عاطفتهم، كما أنهم منعوا أنفسهم مِن التأمل في دلالات الخطاب المغير الذي كان يظهر بيْن الحين والآخر على "منصة رابعة".

وفي الآونة الأخيرة حدثت تطورات هامة لا يمكن لأي منصفٍ أن يغفلها أو أن يعتبرها تصرفات فردية، وهي:

1- ظهور خطاب التكفير بشكل واضح وممنهج.

2- ظهور خطاب العنف الذي بلغ أشده ببيان الدعوة إلى الجهاد المنشور على موقع "إخوان أون لاين".

3- مداهنة الغرب والقبول بكثير مِن صور العلمانية، ومنها: "تعزية القرضاوي للمجلة الفرنسية!"، ومنها: "زيارة وفد الإخوان للكونجرس الأمريكي!".

4- دعوة "الغنوشي" للمصالحة.

ولقد احتجتُ بعدها لكتابة مقالاً آخر بعنوان: "متى يُراجِع المتعاطفون مع الإخوان أنفسهم؟ (2)" ناقشتُ فيه بعض الاعتراضات التي أثيرت على المقال الأول.

ومع سير الأحداث كان دائمًا ما تستجد مواقف يلزم منها أن نخاطب إخواننا هؤلاء؛ لنعيد شحن المبادئ السلفية لديهم ونذكِّرهم بأحوال مَن اتخذوهم -شاءوا أم أبوا- أئمة لهم في مسيرتهم بعد "30-6"، وفي الواقع فإن معظم هؤلاء قد قفز مِن قطار الإخوان واضمحلال مظاهرات الإخوان التي أصبحت لا تضم إلا عشرات النساء مع آحادٍ مِن الشباب، ولا تستمر أكثر مِن خمس دقائق، خير شاهد على أن تلك المظاهرات قد فقدت المخزون السلفي الذي بذلوا كل وسيلة شرعية وغير شرعية في جعلهم وقودًا لمعركتهم، ومِن هذا الباب كانت الحرب الضروس على الرموز السلفية الذين لا جريرة لهم عند هؤلاء، إلا أنهم منعوا مَن يثق فيهم مِن إخوانهم مِن أن يركبوا قطار الإخوان الانتحاري الذي يبدو أنه الآن بدأ يدخل في مرحلة التوقف القسري مع أن فريقًا مِن طاقمه ما زال يهتف أننا أوشكنا أن نصل، وأن اليأس خيانة.

ولكن إخواننا السلفيين الذين يقفزون مِن قطار الإخوان يظل الكثير منهم غير مصدق نفسه متسائلاً: ألم يقف وراء الإخوان؛ لأنهم رجال المرحلة وخبراء السياسة؟ هل مِن الممكن أن تكون هذه هي حصيلة الخبرة السياسية أم أن المفاجآت ما زالت واردة، وبعد نظر القيادات الإخوانية ستتجلى مظاهره عما قريب؟!

والذي اتبع الإخوان؛ لأنهم يمثـِّلون في حسه الطائفة المؤمنة، ورغم ما عندهم مِن أخطاء، ورغم سوء إدارتهم؛ فإن هؤلاء يُقنعون أنفسهم بأن معسكر رافضي الإخوان هم الشيوعيون ومَن على شاكلتهم، ومِن ثَمَّ فقد أصبحت المعركة في حسهم معركة إيمان وكفر، ومِن ثَمَّ فالنصر نازل على معسكر الإخوان، بل وصل الأمر إلى حد تصور نزول جبريل -عليه السلام- في ميدان رابعة! ومجيء النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام لبعضهم ليصلي خلف د."مرسي"! ومؤخرًا رؤية البعض له في المنام وهو يفتح السجون بنفسه للمسجونين!

حالة عاشتها جماهير كثيرة منطلقة مِن هذا التوصيف، حتى بالغ بعضهم فقال: إن الشك في عودة د."مرسي" هو شك في قدرة الله! وحتى أفتى البعضُ الناسَ أن يعلقوا طلاق زوجاتهم ثلاث طلقات، بل إن شاء زادها مئات وآلاف على عودة د."مرسي"!

وعلى مدار عامين اتضحت كثير مِن الأمور وانجلت كثير مِن الأسرار مما يستوجب أن نفتح هذه السلسلة، ونضيف إليها بحسب ما يقتضيه المقام، وفي هذه الآونة حدث أمران مهمان كلاهما جدير بالتأمل والتدبر، لا سيما مِن هؤلاء الذين رضوا أن يسلموا قيادتهم لجماعة الإخوان إحسانًا للظن في فهمها للدين، وفي فهمها للسياسة، وهذان الموقفان يقدح كل منهما في أحد هذين الجانبين.

وهذان الموقفان هما:

الأول: الصلح الذي تمَّ بيْن "وجدي غنيم" و"عصام تليمة" بحضور "محمد عبد المقصود" و"سلامة عبد القوي" و"محمد الصغير"، وهو نموذج لمدى التخبط لدى جماعة الإخوان في مسألة مِن أهم وأخطر المسائل.

الآخر: تصريحات "حمزة زوبع" حول أهداف اعتصام رابعة.

الموقف الأول: الصلح بيْن "وجدي غنيم" و"عصام تليمة" دون إعلان الحق مع مَن منهما:

فالأستاذ وجدي غنيم هو أحد دعاة الإخوان البارزين، واشتهر بنقده وبأسلوبه اللاذع، ولكنه لم يكن يتبنى أي شيء فيه غلو في قضية الولاء والبراء ونحوها، بل كان دائم الفخر بأنه خدم كضابط احتياط في الجيش المصري، وكان دائم الدفاع عن قضية تهنئة النصارى بأعيادهم وما شابهها، ثم سافر إلى الخليج وبدأ خطابه يميل نحو الخطاب السلفي، ثم بعد "30-6" اعتمد خطابًا تكفيريًّا؛ فيكفر البعض بعينه، بينما يوزع الاتهامات المرسلة على الآخرين، وبالطبع هو دائم ترديد أنه يُكفـِّر السيسي بعينه، حتى إنه ذهب لمؤتمر الموقِّعين على بيان نداء الكنانة فصرح أيضًا بالتكفير، ورغم أن البيان مليء بالطوام إلا أنه لم يصل إلى تلك الدرجة، مما حدا بـ"وجدي غنيم" أن يقول: إن هذا هو رأيه الشخصي ولا يلزم بقية المشايخ! ولا ندري: منذ متى كانت قضايا التكفير وإخراج الناس مِن الملة وما يترتب عليه مِن استحلال دمائهم مسألة آراء وأذواق؟!

وعلى طول هذا الخط كان "عصام تليمة" غالبًا ما يشير إشارات خاطفة إلى أنه لا يوافق الأستاذ "وجدي" على التكفير حتى بدا له أن يتوسع في هذا البيان، ربما رغبة منه في تبرئة الجماعة مِن تهمة التكفير؛ فانبرى له "وجدي غنيم" واستعان عليه بـ"محمد عبد المقصود" الذي وصف "تليمة" بأنه مُرجئ وأنه قوصي جديد؛ فقد كانت القضية المحورية للشيخ "محمد عبد المقصود" قبل ثورة "25 يناير" هي الرد على "أسامة القوصي"؛ مما يعني أننا أمام معركة فكرية بامتياز، وهي معركة مرت بها الجماعة مرات عديدة في تاريخها حتى تناقلت وسائل الإعلام الإخوانية رفض "وجدي غنيم" للصلاة خلف "تليمة!".

ومعركة كهذه لا يصلح فيها العناق والصور؛ لأنها قضية فكرية منهجية، ربما يكون هذا في القضايا الشخصية أو حتى الرؤى السياسية، فيمكن تصفية الخلاف الناشئ عن اختلاف الرؤى السياسية دون أن يتراجع كل منهما، كما يمكن أن يكون ذلك في مسائل الخلاف السائغ، أما في مسألة رمى فيها أحد الطرفين الآخرَ بأنه تكفيري، ورد عليه الآخر بأنه مرجئ؛ فهذه مسألة يترتب عليها عمل على أرض الواقع حيث يوجد شباب يُجرون أحكام الردة بكل تبعاتها على هؤلاء.

إن مشهد العناق بين "وجدي" و"تليمة" بعد هذه المساجلة الفكرية بينهما تلخص آفة مِن أكبر آفات الجماعة منذ نشأتها، ومنذ أن اختطَّ الأستاذ "البنا" -رحمه الله- مبدأ محاولة الجمع بيْن المتناقضات، فعرَّف جماعته بأنها دعوة سلفية، وحقيقة صوفية! هذا على الصعيد العام، وأما على صعيد قضية التكفير خاصة؛ فقد حوت الجماعة كل الأفكار، فيمكنك أن تجد أقصى درجات الإرجاء في تبني الدكتور "بديع" لعدم كفر مَن قال: "لو ربنا نزل سوف أحبسه في زنزانة!"، ونسبة هذا القول للأستاذ "حسن الهضيبي"، وعندما تسمع هذا الكلام لرجل محسوب على التيار القطبي في الجماعة تعلم إلى أي مدى يمكن أن يصيب الأتباع أنواع مِن انعدام الوزن الذي قد يدفع صاحبه إلى الانشقاق الصاخب العنيف، أو تسكين النفس بالتزام أوامر القيادة التي تشمل حتى الجانب الفكري بتنقلاته ما بيْن تبني عدم كفر مَن هذه حاله إلى تبني حالة سخط عام على المجتمع مقترنة بتكفيره أو حتى بدون هذا الاقتران؛ ذلك أن الأستاذ "البنا" قد وضع بذور التكفير حينما رسَّخ لدى الإخوان أن إسلامهم أشمل من إسلام غيرهم، وأن إيمانهم أكمل مِن إيمان غيرهم!

ومِن ثَمَّ نشأت حالة الاستعلاء لدى الفرد الإخواني، وهي حالة يوشك أن تصل به إلى التكفير إلا أن قابله "ضبط" أو "إيقاف" عن طريق التأكيد على ضرورة "حمل الخير للناس"، ومتى زالت هذه المكابح؛ فضلاً عن استعمال محفزات لعملية الاستعلاء وإشاعة حالة مِن النقمة على المجتمع تورث قضية التكفير بمختلف درجاته كما حدث للإخوان في السجون، وتطور الأمر إلى رمي المجتمعات بالجاهلية على يد "سيد قطب" و"محمد قطب"، ثم تطور هذا إلى فكر التوقف، وفكر جماعة التكفير والهجرة، وهي تمثـِّل حالة انحراف فجة تبرأت منها جماعة الإخوان رسميًّا، إلا أن فكر الإخوان بقي قابلاً وحاملاً لكل أطياف التكفير الأخرى، وهذا ما ظهر بعد "30- 6" حيث تبنَّت رموز مِن الجماعة أو مِن المحسوبين عليها أو مِن الضيوف الدائمين في قنواتها درجات متفاوتة مِن الفكر التكفيري منهم "وجدى غنيم"، ويليه "محمد عبد المقصود" صاحب فتوى صلاة التراويح في البيت، وإعادة صلاة الفريضة لمن صلاها خلف إمام مِن الدعوة السلفية أو مِن الأوقاف.

بينما بقي هناك مَن يرفض التكفير؛ منهم "عصام تليمة" مع أنه نظـَّر للسب والشتم بألفاظ فيها قذف، مما يدل على أنه لم ينجُ مِن تلك البذرة الخبيثة التي تورث صاحبها تساهلاً بحقوق الآخرين، وإن لم يصل إلى درجة التكفير الصريح.

وفي النهاية، فإن مشهد العناق بين رمزين تناظرًا وتراشقًا بالألفاظ، وبدَّع كل منهما الآخر دون أن يبيِّنا للناس مَن منهما كان المصيب ومَن منهما كان المخطئ، أو ما يجب على الفرد الإخواني أن يعتقده في هذه المسألة العقدية الكبرى ليَعكس واقعًا أليمًا جديرًا بكل مَن عافاه الله منه أن يَحمد الله على ذلك.

الموقف الآخر: تصريحات "حمزة زوبع" حول أهداف اعتصام "رابعة":

تحتاج تصريحات "حمزة زوبع" إلى أن تجمع مستقلة للتاريخ؛ لما يكون فيها أحيانًا مِن حقائق صادمة، كما تكلم قبْل فترة أن "السيسي" كان مِن فريق الحمائم فيما يتعلق بفض اعتصام "رابعة"، وكما صرَّح بأن أمريكا تضغط على "السيسي" لإعادة الإخوان إلى المشهد السياسي، ولكنه استنكر عليها أنها تريد إعادة الإخوان إلى المشهد السياسي وليس للحكم، وكان مِن آخر ما صرَّح به أن اعتصام رابعة العدوية كان غرضه دفع الجيش لإلغاء قرارات "3-7"؛ لإفساح المجال للحوار مع القوى السياسية التي قامت بـ"30-6" التي قال في شأنها: "30-6" على عنينا وعلى رأسنا، ولكن 3/ 7 لأ!"، وأن الجماعة كانت تقول: "مرسي" راجع بعد يوم أو بعد اثنين؛ لتحفيز الناس للحشد لتحسين شروط التفاوض... !

وهذا يدل على عدة أمور:

1- أن الجماعة أدركت متأخرة أنها كان يجب عليها أن تتفاوض سياسيًّا، وهو التفاوض الذي كنا قد وضعناها على طريقه، فقابلوا هذا بدعوى التخوين!

2- أن الجماعة منذ "30-6"، ومنذ الإعلان الدستوري "وقبله بالطبع، ولكن هذا ما يعنينا هنا" وهي تدرك الواقع متأخرًا ثم تحاول الرجوع إلى نقطة تجاوزها الزمان! مما يترتب عليه مضاعفة الخسارة، فهو هنا بعد "30-6" يدرك خطأ حساباته ثم يحاول العودة إلى "30-6" فيفعل كل هذه الكوارث، ولعل هذا ما يفسر أننا كنا نقول: "الشرعية خط أحمر" ونطالب بإصلاحات معينة، ثم لما تأخرت الإصلاحات وتمت "30-6" طالبنا بإجراء انتخاباتٍ رئاسية مبكرة، وهو ما استشكل على البعض، ولكن الجماعة انتظرت حتى تمت "3-7" ثم وضعت أبناءها والمتعاطفين معها، وغررت بهم؛ لتعود بالأوضاع إلى حالة مساء يوم "30-6".

3- أن توصيف الجماعة المعلن لحلف "30-6" أنه كله مِن الشيوعيين والعلمانيين إلخ، هو الآخر توصيف يشبه تصريحات عودة "مرسي" بعد يوم أو يومين، وأن مَن كان يذهب ليجاهد هؤلاء كان في الواقع يُستعمل لتمكين هؤلاء؛ لأن -وفق حسابات الجماعة- هؤلاء أهون عليهم مِن الجيش.

4- أن شعارات البيعة التي تمت لمرسي في الأعناق، إلى آخر هذا؛ لم يكن لها محل مِن الإعراب!

5- والمعنى الأعم والأشمل أن مَن يدخل في حلف سياسي مع الجماعة فربما استدعته لمبررات، وهي في واقع الأمر إذا نجحت سوف تفعل غيرها كما حدث في انتخابات الرئاسة، حتى إن وعود الإخوان الانتخابية لكل فريق كانت تخالف وعودهم للفريق الآخر، فبينما كانت مؤتمرات الانتخابات الرئاسية تهتف "على القدس رايحين... شهداء بالملايين" مع أن كل عاقل يعرف أن هذه القضية لا يمكن أن تحدث في ولاية رئاسية كهذه، ولكن الأمر لم يقف عند حد استعمال هذا الشعار لخداع بعض المؤيدين، وإنما كان تطبيق هذا الشعار بعد الوصول إلى الرئاسة هو دعوة د."عصام العريان" رئيس الكتلة البرلمانية لهم في مجلس الشورى اليهود المصريين للعودة إلى مصر، واسترداد أملاكهم!

خاتمة:

إذا كان هذان الموقفان اللذان استعرضناهما يبينان حالة الجماعة من الناحية المنهجية؛ لا سيما في قضية خطيرة: كقضية التكفير "ومثلها قضية العنف، وقد ناقشناها في مقالات أخرى"، وحالة الجماعة مِن الناحية السياسية لا سيما في سياسة تلك الأحداث على وجه الخصوص - فهل يا ترى لا يزال موجودًا مِن إخواننا مَن يُنكر علينا أننا التزمنا بالضوابط الشرعية في تقدير الواقع، وتنزيل الحكم المناسب له عليه، والالتزام بالثوابت السلفية في مسائل ضوابط التكفير، ومسألة المصلحة والمفسدة، وإن أغضب ذلك الجماعة أو صادم العاطفة عند البعض؟!

وأما شباب الإخوان فإننا نتمنى أن تثمر تلك المواقف -التي تعلن بيْن الحين والآخر- عن مراجعاتٍ يستعيد بها أنصار الجماعة منهجها السلمي الإصلاحي الذي ميَّزها في أفضل فتراتها ازدهارًا، وأن يتبرأوا مِن منهج التكفير والصدام الذي كان دائمًا سببًا في محن الجماعة المتتالية.

نسال الله -تعالى- أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.