إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 27 أغسطس 2011 - 27 رمضان 1432هـ

تقرير مبعوث الدعوة السلفية للإغاثة في الصومال(1-3)

كتبه/ محمود صالح

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

بداية الرحلة:

السفر من مطار "القاهرة" على طائرة الخطوط الكينية بدون أي مشاكل، وإقلاع الطائرة الساعة الحادية عشر والنصف مساءا يوم الأحد 7 رمضان 1432هـ الموافق 7 من أغسطس 2011 م، التوقف في "الخرطوم" لمدة خمسين دقيقة تقريبا لإنزال بعض الركاب وصعود آخرين، ثم الإقلاع مرة أخرى والوصول لمطار "نيروبي" الساعة السادسة والنصف صباحا -فرق التوقيت ساعة بين "نيروبي" و"القاهرة"- وجدنا المطار مزدحم جدا بالسائحين من جنسيات مختلفة، يرافقني في هذه الرحلة طالب كيني يدرس في "مصر" ويجيد اللغة العربية واللغة السواحيلية -لغة الشعب الكيني والصومالي- ويجيد الانجليزية وكان قد رتب سيارة للانتقال من المطار إلى الفندق واسمه "عبد السلام أبو بكر عبده".

وصول الفندق:

حوالي الساعة العاشرة صباحا وتم ترتيب لقاء مع جمعية "أمة فوندا شن" الساعة الثانية عشر ظهرا وهذه الجمعية رشحها لنا "عبد السلام أبو بكر عبده" لنعمل من خلالها على توصيل المساعدات إلى اللاجئين الصوماليين.

 ومؤسسي هذه الجمعية مجموعة من رجال الأعمال المسلمين العاملين في "كينيا" جلسنا مع بعضهم لنتعرف على كيفية توصيل المساعدات؟ ونوعية المساعدات؟ وكيف نثق في وصول المساعدات إلى مستحقيها؟

أخبرونا أنهم يعملون منذ فترة طويلة في هذا المجال، وأنهم يشترون ما يحتاجه اللاجئين من "دقيق وأرز ومكرونة وزيت وسكر وحليب بودر وغيرها" من "نيروبي" ومن مدن أخرى كينية، وتحمل السيارات النقل هذه المساعدات إلى مخزن خاص بهم في المخيمات في مدينة "داداب". وعندهم فريق عمل يقوم بتوزيع المساعدات.

اتفقت معهم على أننا لو قررنا العمل من خلالهم سنكون معهم عند الشراء، ومع السيارات التي تنقل المساعدات، ومعهم عند التوزيع، وأننا سنوزع هذه المساعدات بأنفسنا. <#pic:18#>رحبوا جدا بهذا الكلام واتفقنا أن يكون التواصل معهم من خلال أحدهم وهورجل أعمال كيني من أصول صومالية اسمه "محمد شريف" وهو رجل تظهر عليه علامات الالتزام والتمسك بالسنة، واتفقنا معه أننا سننتقل إلى المخيمات في الغد للتعرف على الموقف هناك بدقة.

"زمزم فوندا شن":

بعد الانتهاء من هذا اللقاء رتبنا لقاء مع مدير جمعية "زمزم فوندا شن" ذهبنا إليه في مقر الجمعية، وكلمنا عنها وأنها تأسست منذ عام 1993م وأن كل أنشطتها موجهة للشعب الصومالي تكلمت معه عن أنواع المساعدات المطلوبة، وكيفية التوزيع، وكيفية الشراء، واتفقت معه على نفس اتفاقات "أمة فوندا شن" ورحب بذلك وكانت هاتين المقابلتين في أول يوم لنا في كينيا 8 رمضان 1432هـ 8 أغسطس 2011م.

بداية القافلة:

تحركنا من الفندق بعد صلاة الفجر يوم 9 رمضان في الاتجاه إلى المخيمات في "داداب" -وهي تبعد حوالي سبعمائة كيلومتر عن "نيروبي"- وكنا رتبنا سيارة لتنقلنا، وقد ساعدنا في الحصول على السيارة "محمد شريف" ووفر لنا دليل من أهل منطقة المخيمات اسمه "عبد الرشيد محمود" تحرك معنا من "نيروبي" والسيارة أجرتها مائتين دولار يوميا بالإضافة إلى تحمل البنزين وهو غالى جدا سعر اللتر -حوالي دولار وربع- وصلنا إلى مدينة "جاريسا" حوالي الساعة الحادية عشر صباحا. حجزنا غرف في فندق هناك وانطلقنا مباشرة إلى "داداب" والمسافة بين "جاريسا" و"داداب" حوالي مائة كيلومتر؛ والطريق وعر جدا وغير ممهد، الحكومة لا تهتم بهذه المنطقة التي  سكانها من المسلمين، وصلنا إلى مدينة "داداب" قبل المخيمات بخمسة كيلومترات. أهل هذه المنطقة كينيون مسلمون من أصول صومالية، والمنطقة متأثرة جدا بالجفاف تكلمنا مع الناس قالوا: "نحن أيضا نحتاج للمساعدة والحكومة الكينية لا تهتم بنا نريد أن يصل صوتنا إلى كل المسلمين أن يرسلوا لنا مساعدات أيضا" <#pic:19#> بالفعل أوضاعهم صعبة جدا ويحتاجون إلى الطعام.

أكبر مخيم للاجئين في العالم:

دخلنا المخيمات حوالي الثانية ظهرا دخلنا إلى مكتب به موظف من الأمم المتحدة للحصول على إذن لدخول المخيمات، وبفضل الله علينا أن "عبد الرشيد" عنده خبرة بكل هذه الأمور وينهيها في دقائق، سألنا الموظف عن بعض المعلومات عن أعداد اللاجئين، قال: "ليس عندي أي معلومات! الأمم المتحدة عندها العديد من المكاتب في المخيمات، ويوجد مطار صغير خاص بها وبالمنظمات الأوروبية العاملة معها" سألت بعض الكينيين وسألت "عبد الرشيد" عن المخيم والأوضاع فيه وأعداد اللاجئين. فقال: "هذا مخيم دائم للاجئين الصوماليين، أنشئ منذ عشرين سنة تقريبا، يعيش فيه من 250000 إلى 300000 لاجئ، وبعد الجفاف الأخير وصل نازحين من 150000 إلى 200000 لاجئ ليصل العدد إلى حوالي نصف مليون لاجئ صومالي إلى هذا المخيم الدائم للاجئين، وبذلك يصبح أكبر مخيم للاجئين في العالم، هناك لاجئين قدامى يعيشون منذ سنوات طويلة في هذا المخيم، بعضهم يعمل في بعض المشاريع التجارية والمحلات، وبعضهم يعمل في المناطق المحيطة بالمخيم".

قابلت أحدهم وسألته: "منذ متى أنت هنا؟" قال: "منذ 18 سنة"!! جاء إلى المخيم وهو طفل ويعمل حمالا، ويتكسب المال من مهنته. ومنهم من جاء منذ سنتين أو ثلاثة ومنهم منذ أكثر من ذلك، ومنهم منذ أقل من ذلك أوضاعهم أفضل حالا لكنهم في النهاية لاجئين ليس عند أغلبهم مصدر للرزق إلا ما تعطيه لهم الأمم المتحدة وبعض منظمات الإغاثة الأخرى منها الأوروبية، ومنها المنظمات التنصيرية وغيرها.

بيوتهم عبارة عن فروع الشجر المغطاة بالكراتين والأكياس البلاستيكية، <#pic:20#> يطهون طعامهم على الحطب، <#pic:21#> ملابسهم في غاية التواضع،<#pic:22#> يوجد عندهم مساجد وكتاتيب لتحفيظ الصغار القرآن مساجد، <#pic:23#> تبنى من فروع الشجر والأخشاب.

هم أفضل حالا من النازحين الجدد ليس لأن عندهم الطعام ولكن لأنهم يعرفون من أين يأتون به؟! أما الأوضاع الأكثر مأساوية هي أوضاع النازحين الجدد أغلبهم جاء إلى المخيم مشيا على الأقدام ليس معه شيء يتقوت به في الطريق، وقد لا يكون يعرف الطريق، يصلون منهكين.<#pic:24#>

 أول شيء تفعله معهم الأمم المتحدة هو تصويرهم وتسجيل الأسماء وإعطاء البطاقات لكل أسرة. رأيت ما تعطيه لهم الأمم المتحدة دقيق الذرة وهو يسمى هنا "ميز"، وشيء يشبه الفول يحتاج إلى الطهي، وشيء آخر لا أعرفه. باختصار طعام ردئ جدا لا يقبل الإنسان العادي أن يأكله.

قابلنا أسرة أتت الآن مكونة من الأب والأم وثلاثة أطفال منهم طفل رضيع شكلهم ضعفاء جدا سألنا الأب: "منذ متى خرجتم من "الصومال"؟" قال: "خرجنا منذ أسبوعين من "كيسمايو" وجئنا إلى هنا سيرا على الأقدام" لم يكن معهم إلا جركن به بعض الماء كان هذا كل زادهم في هذه الرحلة الصعبة جاءوا منهكين سجلوا أسماءهم أخذوا هذا الطعام المتواضع وانصرفوا يبحثون عن مأوى في هذا المخيم.

مأساة أخرى:<#pic:25#>

وأثناء سيرنا في المخيم للبحث عن النازحين الجدد ومعرفة أحوالهم قابلنا رجل كبير في السن يمشى وحده ويحمل جوال به كيلو دقيق تقريبا استوقفناه لنتكلم معه قال: "فقدت كل أسرتي ماتوا جميعا" لم يخبرنا أماتوا في "الصومال"؟ أم ماتوا في الطريق؟ واضح أنه مشى مسافة طويلة هذا الرجل نظره ضعيف جدا وهو أقرب إلى الهيكل العظمى ذهب إلى مكتب الأمم المتحدة كان يحلم بالطعام وعلاج عينيه لم يعطوه إلا هذا الكيلو من الدقيق سألنا: "ماذا أفعل بالدقيق؟! وكيف أأكله؟!" أعطيناه مبلغ بسيط من المال ليشترى طعام جاهز -هناك بعض اللاجئين القدامى يبيعون بعض الأطعمة- وتركناه يبحث عن مأوى.

النساء والأطفال:

توغلنا داخل المخيمات لفت نظري ملابس الأطفال الصغار؛ بعضهم يستر الجزء العلوي فقط، وبعضهم يستر الجزء السفلى فقط، نادرا ما ترى طفلا يرتدى كامل ملابسه. والأطفال في غاية النحافة أذرعهم وأرجلهم نحيفة جدا، بعضهم يلهو ويلعب وأغلبهم يبكون.

أما النساء فقلما تجد امرأة في المخيمات تستر كامل جسدها ليس تبرجا ولكنهم لا يجدون ما يستترون به، والنساء يملئون المياه من الحنفيات التي وضعتها الأمم المتحدة في أماكن متفرقة من المخيمات، والزحام شديد جدا على هذه الحنفيات، وكلما سرنا في مكان تجمع حولنا الرجال والنساء والأطفال ظنا منهم أننا سنوزع عليهم أي شيء لكن لم يكن معنا شئ نعطيه لهم  لأن خطتنا كانت دراسة الوضع أولا وتحديد كيفية التوزيع بعد ذلك.

لاحظنا أن الخيام التي يعيشون فيها لا تحميهم من شمس ولا ريح ولا مطر عبارة عن فروع الشجر المغطاة بالأكياس والكرتون. وسعداء الحظ منهم حصل على خيمة بلاستيكية من الأمم المتحدة صغيرة جدا تكفى بالكاد شخصين.<#pic:26#>

أما أماكن قضاء الحاجة فهي الخلاء الفسيح المحيط بالمخيمات، وهناك بعض الحمامات عبارة عن غرفة ضيقة جدا من الصفيح ليس فيها أي ماء بالطبع، <#pic:27#> وهو عبارة عن حفرة كبيرة تضيق من الأعلى قريبة الشبه من الحمامات البلدية ولكنها فوق البئر مباشرة وهي لا تصلح للاستخدام الآدمي.

من أعجب ما رأيت:

وأثناء السير نادانا رجل قال: "تعالوا انظروا..." وكان أعجب ما رأيت طفلة صغيرة عمرها 5 سنوات عبارة عن هيكل عظمى جلد على عظم القفص الصدري في غاية الوضوح، <#pic:28#> العينين شاحبتين وفي الداخل بشكل غريب، وزنها لا يتعدى الثلاثة كيلوجرامات بحال من الأحوال مشهد تبكى له القلوب والعيون إذا لمسها أحد لا تتحمل وتبكى بكاء شديد كان يتمنى أبوها أن تعالجها الأمم المتحدة في المستشفى لكن من الواضح أن ليس لها مكان فالحالات التي تشبه حالتها كثيرة جدا، رحماك بنا يا رب.

دار في ذهني ماذا سنقول لله عز وجل إذا سألنا عنها يوم القيامة اسمها نظيفة ووضع أسرتها في غاية السوء كان وقت الإفطار قد اقترب وكانت أمها تشعل النار وتطبخ أحببت أن أرى ما في داخل هذه الحلة السوداء الصغيرة كان فيها ماء يغلى به طماطم مقطعة قطع صغيرة هذا هو إفطار هذه الأسرة لم نتمالك أنفسنا وانصرفنا كان يجب علينا العودة إلى الفندق في مدينة جاريسا حتى ندرك الإفطار لكن لم يرغب احد منا في مغادرة المخيم.

مخيم "دجحلى":

انتقلنا بعد ذلك إلى المخيم الثاني في هذه المنطقة فهي مقسمة إلى 3 مخيمات:

الأول: اسمه "ايفو" والثاني: "دجحلى"  والثالث: "حجر دير". والأمم المتحدة غير منظمة في ترتيب اللاجئين في المخيمات، ولا ترتيب أماكن تواجدهم. قابلنا في الطريق نازحين جدد يكادون يموتون عطشا.

وصلنا إلى مخيم "دجحلى" شاهدنا نفس المشاهد وشاهدنا مجموعة من النازحين يبنون مسجدا بأخشاب الأشجار، وساعدناهم ببعض الأموال، وشاهدنا مسجدا آخر مبنى أيضا من فروع الشجر فأعطينا القائمين عليه مصاحف -كانت معنا أرسلها الإخوة من جمعية "تبليغ الإسلام"- وفرحوا بالمصاحف فرحا شديدا.<#pic:29#>

بعد ذلك قابلنا الأطفال الذين يحفظون في الكتاب في المخيم، وكانوا يحفظون الكثير من القرآن وتشعر بجهود العاملين في الدعوة في هذه المخيمات، وأغلبهم من النازحين القدامى، والأطفال يكتبون الآيات على الألواح، وتناولنا طعام الإفطار في المخيمات ثم رجعنا إلى الفندق في "جاريسا" ووصلنا في حدود العاشرة مساءا.

ولحديثنا بقية....