إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 30 نوفمبر 2010 - 24 ذو الحجة 1431هـ

هل تم اختراق العالم الإسلامي بالفعل؟

كتبه/ ياسر عبد التواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهل فقدنا القدرة على استقراء الواقع.. كثيرًا ما أردد هذا السؤال مع نفسي.. جزيئات التاريخ يمكن أن نجمعها لنستفيد منها عبرًا للحاضر والمستقبل.. متغيرات الأحداث يمكن أن نقرأها لننسج منها مستقبلاً.. كيف نتعامل مع المستجدات وكيف نتفاهم مع الآخرين من غير أن نغلب أو نهان؟! لم نفتقر دومًا إلى التخطيط والنظرة المستقبلية؟!

الإجابة كالعادة سهلة.. لكن تطبيقها هو الصعب.. الإجابة يسيرة بأن تكون هناك مراكز بحث ودراسة؛ لتعطي توجيهات ونصائح، بل وأوامر لصناع القرار ناتجة عن تمحيص وبحث ودراسة وشورى، وبينما يخطط الآخرون ينشغل الناس عندنا بضغوط الواقع والتعامل اليومي والمجاملات الشخصية.. فيفلحون وتفجؤنا أفعالهم.

لكن هل خطط الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمستقبل الحياة للأمة؟!

أقول: لقد حقق الرسول -صلى الله عليه وسلم- الموازنة الرائعة بين الواقع وأحواله وبين المستقبل وطموحه!

ألم يخطط وهو في مكة منشغلاً بالدعوة ومعانيًا من الاضطهاد لمجتمع المدينة؛ فكانت الهجرة؟!

ألم تكن منه المراسلات والنصائح مع ملوك الأرض وقادتها وهو في المدينة، فأسلم بعضهم وبلغت دعوته للآخرين؟!

ألم يصل إلى أعدائه في كل مرة من مرات المواجهة بينه وبينهم قبل أن يصلوا إليه؟!

فكيف إذن تخاذلنا عن ذلك فكان منا هذا التراخي والتهاون؟!

بين يديّ تقرير أمريكي نشرته مجلة "يو أس نيوز أند ورلد ريبوت" الأمريكية في عددها لأسبوع 18- 25 نيسان/ أبريل 2005، واسم التقرير: "الوصول إلى كامل العالم الإسلامي".

وكما سنقتطف منه سيتضح لنا صورته من أن تلك الإستراتيجية المشار إليها إنما وضعت بغية السيطرة على عالمنا، وليست موضوعة للتعامل معه وتفهمه، يقول التقرير:

البيت الأبيض أقر إستراتيجية سرية جديدة وضع لها عنوان:Muslim World Outreach، بمعنى الوصول إلى كامل العالم الإسلامي،  وهي تنص على أن للولايات المتحدة مصلحة أمن قومي في التأثير على ما يجري ضمن الإسلام نفسه.

ولأن أمريكا "ملوثة إشعاعيًا" في العالم الإسلامي "بمعنى مكروهة يتم تجنبها- المترجم"، كما عبر أحد المسئولين عن الوضع، فإن خطة الوصول لكل العالم الإسلامي تقتضي العمل من خلال أطراف ثالثة، مثل: الدول الإسلامية المعتدلة، والمؤسسات والجماعات الإصلاحية، من أجل الترويج للقيم المشتركة كالديمقراطية وحقوق المرأة والتسامح.

وهنا يشير التقرير إلى محاولة تعديل الصورة البغيضة للأمريكان باعتبارهم قتلة ومحتلي شعوب، وأنهم في سبيل ذلك سيحسنون صورتهم، ليس بإعادة الحقوق لأهلها، وإنما -بمزيد من الغي السادر- سيستعينون بديكور يتزينون به من بعض الأعمال الخدمية للمجتمعات بغية خداع المجتمعات وتضليلها، مستعينين ببعض المخدوعين أو العملاء.

يضيف التقرير: في أربعٍ وعشرين بلدًا على الأقل، قدمت واشنطن الدعم المالي بصمت لعشرات البرامج الإذاعية والتلفزيونية الإسلامية، ولمقررات دراسية في المدارس الإسلامية، ولمراكز أبحاث إسلامية، ولورش عمل سياسية، ولبرامج أخرى تروم الترويج للإسلام المعتدل.

الحكومة الفيدرالية في واشنطن إذن سوف تنفق لترميم المساجد والمحافظة على النسخ القديمة من القرآن، وحتى لبناء المدارس الإسلامية.

وهذا لاحظته أنا كاتب هذه السطور في إحدى سفراتي إلى بعض الدول الإفريقية حيث حدث شرخ بين المسلمين بسبب تلك المساعدات الموجهة لبناء قاعات محاضرات وبعض الخدمات، حيث رفضها بعضهم باعتبارها محاولات تجميلية حتى قالوا: تسرقون من العراق وأفغانستان وتعطوننا!

ويضيف التقرير: عندما وضعوا إستراتيجيتهم للوصول للعالم الإسلامي، أخذ المسئولون الأمريكيون صفحات كاملة من دليل ألعاب الحرب الباردة، خاصة ما يتعلق بأسلوب: "فرق تسد". فقد كان من أعظم نجاحات حقبة الحرب الباردة الطريقة التي ساعدت فيها واشنطن على شق الاشتراكيين المعتدلين عن الشيوعيين المتشددين في الخارج.

أقول: وهذه محاولة أخرى مقصودة حيث يتداولون الآن تقسيم المسلمين إلى دول مارقة، ودول صديقة؛ حتى يتسنى لهم الانفراد بهم، والطريف أنهم أيضًا يطبقون هذا على الحركات الإسلامية وأفلحوا إلى حد بعيد في جعل بعضهم ينظر إلى بعض بالمنظارين المتنافرين.. هذا يرى ذاك على أنه متشدد والآخر يراه متسيبًا.. ولا ندري ما الأيام حبلى به!

يقول التقرير: ويضيف مسئول حسن الاطلاع: الحرب الباردة كانت سهلة، فقد كانت معركة ضد أيديولوجية سياسية ملحدة.

أما هذا ففيه عناصر لاهوتية، وهو ما يتعارض مع جوهر القناعة الأمريكية بأننا لا نتدخل بحرية الدين، فهل لنا الحق أن نؤثر على هذا الجدال "بين المعتدلين والجذريين في الإسلام"؟!

لكن الجواب حتى الآن يبدو بأنه نعم كما تقول "زينو باران" محللة شؤون الإرهاب في مركز نيكسون، وهي من الذين أشرفوا على وضع إستراتيجية الوصول لكامل العالم الإسلامي.

وتصرح زينو باران: "عليك فقط أن تقدم المال وأن تساعد بخلق المساحة السياسية للمسلمين المعتدلين؛ لينظموا صفوفهم ولينشروا وليذيعوا أفكارهم وليترجموا أعمالهم".

أقول: ومن تلك الصور إعطاء الضوء الأخضر لبعض الجماعات لتتحرك سياسيًا، ولكن تحت التحكم -وفق متغيرات درسوها جيدًا- بحيث يصبح الإسلاميون كحالهم في تركيا؛ ربما يصلون إلى الحكم، لكن تحت مرآهم وسمعهم، وسنكمل قراءتنا للتقرير في المقالة اللاحقة.

وأقول قبل انتهائي -حتى لا ييأس بعضنا-: هذا تخطيط بشري أقاموه وفق تصوراتهم ودراستهم، قد يفلحون أحيانًا أو يفشلون، لكنهم لم يتركوا الأمور من تحت تحكمهم.

ويبقى في النهاية علينا أن نجابه كيدهم بعمل نتقي فيه أذاهم، ونتخذ زمام المبادرة في التأثير فيهم كمثل ما يحاولون، وشتان بين فعلهم وفعلنا.

قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (الأنفال:36).

عدو عدوي صديقي:

يقول التقرير:

"وأحد الحلول التي يروج لها في هذا السياق هو تقديم دعم أمريكي خفي للإصلاحيين المرتبطين بالصوفية، أحد أفرع الإسلام المتسامحة".

ويضيف التقرير: "وهناك صراعات حادة بين الوهابيين والصوفيين على الصعيد الأيديولوجي لفتت أنظار صناع السياسة الأمريكية بشدة، وبينما لا يستطيع الرسميون الأمريكيون أن يقروا الصوفية علنًا، بسبب فصل الدين عن الدولة في الدستور الأمريكي، فإنهم يدفعون علنًا باتجاه تعزيز العلاقة مع الحركة الصوفية، وهناك بالمقابل مجموعة صوفية في واشنطن نفسها تسعى لتعزيز العلاقة مع الإدارة الأمريكية.

 وتقول مديرة هذه المجموعة، واسمها هادية مير أحمدي: "الهدف يجب أن يكون الحفاظ على تلك الأشياء التي تشكل النقيض الأيديولوجي للإسلام الجهادي".

ومن بين البنود المقترحة هنا: استخدام المعونة الأمريكية لترميم المزارات الصوفية في الخارج، والحفاظ عليها وترجمة مخطوطاتها الكلاسيكية التي تعود إلى القرون الوسطى، ودفع الحكومات لتشجيع نهضة صوفية في بلادها.

وقد اجتذبت الفكرة على ما يبدو ملك إحدى الدول الإسلامية الإفريقية، الذي جمع القيادات الصوفية المحلية بصمت، وعرض عليها ملايين الدولارات لاستخدامها في الدعوة ضد الأصولية الجهادية -على ذمة التقرير-.

وهنا التقرير يوغل في العمومية بأن الحركات الإسلامية إما أن تكون متطرفة جهادية أو تكون خانعة صوفية؛ بينما الحق بأن هناك قلة -لا نتهمها بسوء الطوية، لكننا ننصح ونوجه- تغالي في الجهاد فتسيء إلى معناه العظيم، وهناك كثرة تدرك معناه وكيف أنه بديل التغيير ومقاومة الاعتداء وهو ما تمثله الحركات الإسلامية التي تقاوم المحتلين وتقض مضاجع المعتدين.

وهناك بالمناسبة من هم من الصوفية المجاهدة التي قامت بهذا الجهد والجهاد في أماكنها، مثل: مقاومة الجيوش الأوروبية في أفريقيا، ومقاومة الطريقة التيجانية والسنوسية للعدوان الفرنسي في المغرب العربي، ثم مقاومتها للقوات الإيطالية في ليبيا، ولا ننسى دور مشايخ الطريقة النقشبندية في مقاومة القيصرية الروسية في وسط آسيا والقوقاز، ثم وقوفها أمام البلشفية الروسية في قوتها، ومثل جهاد بديع الزمان النورسي في تركيا.

وهناك بعد ذلك الصوفية الخانعة التي يظنونها بديلاً مقبولاً عن الدعوة الإسلامية وهيهات.. إنهم إن أرادوا حقًا التعامل مع العالم الإسلامي فلا يجب دفن الرؤوس في الرمال، بل يجب أن يدركوا مشاكلهم هم، وينظروا بصدق إلى الحل المناسب الذي يكون فيه إحقاق الحق؛ وهو الشيء الوحيد الذي يقبله الناس.. وليس الخداع الذي لا يثمر إلا مزيدًا من النقم عليهم بسبب غضب الناس من محاولة الاستغفال والنظر إليهم باستعلاء.

وهنا نعلق فنقول: نعرف من كثير من الصوفية وجوهًا إيجابية وزهدا ورغبة في الخير، بل لقد رأيت بعيني بعضهم وما هم عليه من الخير والعمل والعناية بالقرآن ما يجعلك تستحيي من تقصيرك في هذا..!

لكن للعجب أن ترى هؤلاء الزهاد يُستخدمون دون أن يشعروا في إيذاء الأمة ونصرة أعدائها، بل يمكنني القول بأنهم: البديل المريح للدين الذي يعجب كثيرًا أعداءنا في الداخل والخارج، فهي من وجهة نظرهم فكرة مستأنسة يشبع فيها الإنسان حاجته إلى التدين، وفي نفس الوقت يكون سلبيًا لا ينكر منكرا ولا يبني أمة.

فلقد رأينا في غلاة الصوفية -حتى المعاصرين منهم- فكرًا فيه ظلمات بعضها فوق بعض، الشرك الصراح، والكذب على نبي الأمة والقصص الخرافي والتعلق بالموتى، والطعن في ثوابت الأمة، والوقيعة في أهل الأثر، والاستهزاء بحملة السنة. فبعض الفرق الصوفية روّجت كثيرًا للبدع والخرافات، ونشرت التواكل بين كثير من المسلمين، وصرفتهم عن العمل الجاد الذي دعا إليه الدين، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها، وهم يبنون جل عبادتهم وتصوراتهم على القبور وأصحابها. وللحق مرة أخرى نقول: كان أوائل الصوفية ملتزمين بالكتاب والسنة، وقافين عند حدود الشرع، مطاردين للبدع والانحرافات في الفكر والسلوك.

وللحق مرة أخرى نقول: لقد دخل على أيدي الصوفية المتبعين للشرع  كثير من الناس في الإسلام، وتاب على أيديهم أعداد لا تحصى من العصاة، وخلفوا وراءهم ثروة من المعارف والتجارب الروحية لا ينكرها إلا مكابر؛ غير أن كثيرًا منهم غلوا بعد ذلك ، وانحرفوا عن الطريق السوي، وعرفت عن بعضهم أفكار غير إسلامية، كقولهم: بالحقيقة والشريعة، فمن نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم -بزعمهم-!

وكان لهم كلام في أن الأذواق والمواجيد تعتبر مصدرًا من مصادر الحكم الشرعي.، أي أن الإنسان يرجع في الحكم إلى ذوقه ووجدانه وقلبه..! وكان بعضهم يعيب على المحدثين؛ لأنهم يقولون: حدثنا فلان قال، وحدثنا فلان، ويقول الصوفي: حدثني قلبي عن ربي، أو يقول: إنكم تأخذون علمكم ميتًا عن ميت، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت، أي أنه متصل -بزعمه- بالسماء مباشرة.

مع أنهم هم الذين يعيشون مع الموتى ومشايخ القبور فهذا النوع من الغلو، ومثله الغلو في الناحية التربوية غلوًا يضعف شخصية المريد كقولهم: إن المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله، ومن قال لشيخه: لم؟ لا يفلح. ومن اعترض "انطرد".

هذه الاتجاهات قتلت نفسيات كثيرة من أبناء المسلمين، فسرت فيهم روح جبرية سلبية كاعتقادهم القائل: أقام العباد فيما أراد، دع الملك للمالك، واترك الخلق للخالق، يعني بذلك أن يكون موقفه سلبيًا أمام الانحراف والفساد وأمام الظلم والاستبداد، وهذا أيضًا من الغلو والانحرافات التي ظهرت عند الصوفية. ويشبههم في ذلك أولئك الذين يغالون في قضية نصح الحاكم، ويروجون لتسمية كل منحرف خارج عن الشرع منهم بأنه من ولاة الأمور، ولو ترك دين الله، وبدل الأحكام، وحارب الخير، وصد عن سبيل الله، وهو ما يشجع هؤلاء على دعمهم والترويج لهم؛ بغية تطبيق المقولة التي أوردوها في التقرير "فرق تسد".

فنحن ننصح أنفسنا وإخواننا من الصوفية وأشباههم بألا يدعوا هؤلاء يستخدمونهم في ما يغضب ربهم وما عنه سيسألون، والأيام دول، وإياكم أن تفرحوا بتسلط كافر ولا بدعمه، فقلوبهم كالذئاب، وإن ارتدوا مسوح الغنم، قال تعالى: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران:196-197).