إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 25 أبريل 2010 - 11 جمادى الأولى 1431هـ

النهضة الأوروبية والمسلمون.. مِن الاستفادة إلى محاولة الإبادة

كتبه/ أحمد خميس

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد كان للحروب الصليبية الطويلة التي خاضتها أوروبا مع العالم الإسلامي أكبر الأثر في تأثر الأوروبيين الذين كانوا غارقين في جهل وظلام العصور الوسطى في ذلك الوقت بالحضارة الإسلامية، فنشأت في أوروبا حركة ترجمة واسعة للعلوم الإسلامية المختلفة من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية، وكانت حركة الترجمة هذه هي بداية ما عرف في التاريخ الحديث باسم: "حركة الاستشراق"، وكان من نتائجها أن اطلع الأوروبيون على علوم كانت إسلامية خالصة في ذاك الوقت مثل: الجغرافيا، والفلك، والكيمياء، والجبر والهندسة بالإضافة إلى التعرف على أساليب جديدة في الزراعة، أما في الجانب الشرعي فقد تعرفوا على علوم: التفسير، والفقه، والحديث، والنحو، وأصول الفقه، والمصطلح، وغيرها من العلوم الشرعية واللغوية.

ومن أكبر الروافد التي استقت منها أوروبا نهضتها الحديثة ارتياد الطلبة الأوروبيين للمراكز الإسلامية الثقافية المهمة آنذاك مثل: قرطبة في الأندلس، وباري في جنوب إيطاليا، وباليرمو في صقلية؛ فقد كان الطلاب الطليان، والفرنسيين، والألمان، والإنجليز يقبلون على هذه المراكز الإسلامية؛ ليتعلموا العربية -"لغة العلم في ذاك الوقت"- ويحصِّلوا العلوم المختلفة، وكان من ضمن هؤلاء البابا سلفستر الثاني.

كان لحركة الترجمة وارتياد الطلبة الأوروبيين للجامعات الإسلامية أعظم الأثر في تحرير الفكر الأوروبي من أغلال الكنيسة، وعصمة البابا، وصكوك الغفران، ومحاكم التفتيش، وبدأ في أوروبا ما يعرف بعصر النهضة العلمية، وظهرت نظرية دوران الأرض حول الشمس لكوبرنيكوس، واخترع جاليليو المنظار الفلكي، وتطور البارود، واخترع غوتنبرج الطباعة بالحروف المتحركة.

من ناحية أخرى كان فتح القسطنطينية -عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية ومركز الأرثوذكس في العالم- في عام 1453م وانضمامها لدار الخلافة الإسلامية، وانطلاق الجيوش العثمانية تفتح بلاد شرق أوروبا وتضمها للخلافة الإسلامية بمثابة اللطمة القوية التي أفاقت الأوروبيين من سباتهم الطويل، وأيقنوا حينها أن المواجهة العسكرية المباشرة مع المسلمين لن تزيدهم إلا خسارًا؛ فبدءوا يفكرون في انتهاج إستراتيجية جديدة تقوم على تطويق العالم الإسلامي بحريًا، وذلك لسببين:

أولهما: البحث عن طريق تجارى للوصول إلى الهند لا يمر بديار المسلمين.

والثاني: هو التمهيد لضرب العالم الإسلامي من الداخل بعد السيطرة على أطرافه الشرقية والغربية، وفي سبيل ذلك بدأت أوروبا ما عرف في التاريخ باسم حركة: "الكشوف الجغرافية" بعد أن استفادت من ترجمة علم الجغرافيا وعرفت البوصلة والأصطرلاب، والخرائط البحرية العربية عن المحيط الهندي والتيارات البحرية، والرياح الموسمية في هذا المحيط، وكانت البرتغال بعد أن طُرِد المسلمين من الأندلس في طليعة هذه الحملات الصليبية البحرية؛ فتمكن بارثلميودياز من الوصول إلى جنوب أفريقيا مرورًا بسواحل أفريقيا الغربية، وأتم فاسكو دي جاما الرحلة إلى الهند في عام 1509م بمساعدة العالم المسلم أحمد بن ماجد -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، وعرف هذا الطريق باسم: "رأس الرجاء الصالح"، وقال فاسكو دي جاما عندما وصل إلى الهند: "الآن طوقنا رقبة الإسلام ولم يبقَ إلا جذب الحبل فيختنق".

كان اكتشاف البرتغاليين لطريق "رأس الرجاء الصالح" نقطة تحول في تاريخ الصراع الإسلامي الأوروبي؛ فقد كان لسيطرة المسلمين على طرق التجارة العالمية من أقصى الشرق الأسيوي والجنوب الأفريقي إلى الشمال الأوروبي أثره الكبير في انتعاش الاقتصاد الإسلامي، وكان الكثير من مدن العالم الإسلامي بمثابة مراكز تجارية عالمية يقصدها التجار من كل حدب وصوب، ولكن بعد اكتشاف "رِأس الرجاء الصالح" تغيرت طرق التجارة العالمية عن بلاد المسلمين إلى المحيطات الكبرى؛ فكسدت تجارة المسلمين، وضعفت الصناعة والزراعة، وهجر الناس المدن إلى الأرياف، وعاد الكثير منهم إلى البادية؛ فكسدت البضاعة وخوت الأسواق بينما بدأ في أوروبا ما يعرف باسم: "عصر الثورة التجارية".

كان من نتائج "حملة الكشوف الجغرافية" بداية التواجد الصليبي على أطراف العالم الإسلامي الغربية في الساحل الغربي الأفريقي فقد حرص البرتغاليون أثناء سيرهم على طريق رأس الرجاء الصالح على تأمين عدد من الموانئ لالتقاط الأنفاس من طول الرحلة؛ فتمكنوا من السيطرة على معظم السواحل الغربية من موريتانيا شمالاً مرورًا بالسنغال، وغينيا، وسيراليون، وساحل العاج، وغانا، ونيجريا، والكاميرون، وأنجولا وغيرهم وصولاً إلى جنوب أفريقيا وإن بقيت هذه السيطرة ساحلية فقط ولم تتوغل إلى الداخل، ثم انسدلت السيطرة البرتغالية على سواحل الشرق الأفريقي ولم يأت عام 1509م إلا وكانت جميع المدن والمراكز التجارية بساحل أفريقيا الشرقي قد خضعت للبرتغاليين من موزمبيق جنوبًا إلى الصومال شمالاً.

أما الأطراف الشرقية للعالم الإسلامي فقد كانت هي الهدف الرئيسي من تلك الرحلة وقد حط البرتغاليون رحالهم في الهند واستولوا على مدينة غوا في عام 1498م، وتمكنوا من توطيد نفوذهم في الهند ثم تطلعوا إلى الجزء الشرقي من المحيط الهندي فتوالت الحملات البرتغالية على سواحل الصين، وسيام، وإندونيسيا، وماليزيا، وتمكنوا من احتلال ملقا "ماليزيا" في عام 1511م، ووقف قائدهم "البوكرك" يخطب في جنوده قائلاً قبل هذه المعركة: "أجل خدمة لخضد شوكة الإسلام بحيث لا يقوم له قائمة بعملنا هذا، وأنا على يقين أننا إذا انتزعنا تجارة الأفاويه والبهارات من أيدي العرب؛ فإن الدمار سيحل بالقاهرة، ومكة، وستتوقف تجارة البندقية مع العرب".

أما جزر الفلبين فقد وصلتها السفن الإسبانية بقيادة "ماجلان" قادمة شرقًا من الأمريكتين -بعد أن اكتشفها كولومبس-، ولكن المسلمين تمكنوا من التصدي لهذه الحملة وقتلوا ماجلان؛ فتوالت الحملات الإسبانية على الفلبين حتى عام 1565م الذي تمكنت فيه إسبانيا من السيطرة على الجزر الشمالية والوسطى، وأجلت المسلمين إلى الجزر الجنوبية.

بدأ المد البرتغالي في الانحسار بعد أن دخل العثمانيون مصر عام 1517م في عهد السلطان سليم الأول وضموا مصر والحجاز لسلطانهم، وبذلك تمكنوا من التصدي للبرتغاليين وإجلائهم عن سواحل شرق أفريقيا، ولكن البرتغال كانت قد فتحت الطريق المغلق أمام الأوروبيين منذ قرون، ورأى الأوروبيون تدفق الذهب، والفضة، والمعادن النفيسة على الخزائن البرتغالية فسال لعابهم واستثيرت حفيظتهم؛ فاستولت إسبانيا على البرتغال في عام 1580م، وورث الإنجليز والفرنسيون، والهولنديون المستعمرات البرتغالية على طريق رأس الرجاء الصالح وصولاً إلى جنوب شرق آسيا.

كنتيجة للنهضة العلمية والتجارية بدأ في أوروبا ما يسمى بعصر الثورة الصناعية، وهي عبارة عن سلسلة من التغيرات في أساليب الصناعة أصبح الإنسان بسببها يعتمد على الآلات في الإنتاج، وهذه الآلات تدار بقوة غير بشرية: كقوة البخار ثم فيما بعد: البترول، والكهرباء، وحديثـًا الطاقة الذرية، وبدأت هذه الثورة في بريطانيا في أواخر القرن الـ18، ثم انتشرت بعد ذلك في أوروبا، وأمريكا في مطلع القرن الـ19، وكان من نتائج الثورة الصناعية تضاعف الإنتاج بطريقة مذهلة بقليل من النفقات؛ فاحتاج الأوروبيون إلى المواد الخام من جهة، وإلى أسواق جديدة لتصريف الفائض الإنتاجي الكبير من جهة أخرى؛ فبدأت الدول الأوروبية في التنافس للسيطرة على أكبر عدد ممكن من المستعمرات، ولم تعد تقنع بالسواحل والأطراف، ولكن صارت تطمع في الدخول إلى البلاد للسيطرة عليها كليًا، ونتج عن ذلك ما عرف في التاريخ باسم الاستعمار الأوروبي الحديث أو الإمبرياليزم.

كان العالم الإسلامي آنذاك يعيش أسوأ فتراته منذ بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد خيم الجهل العلمي والشرعي على كافة أنحائه بعد انتشار الصوفية والعقائد الشركية وعبادة القبور، وازدهار الخرافات والبدع من شرقه حتى غربه، وكأنه فيروس أطلق في الهواء فلم يدع بيت مدر ولا وبر إلا دخله، ويكفينا أن نعرف أن أعظم ما كان يقوم به علماء المسلمين في ذلك الوقت إذا رأوا الأساطيل الإنجليزية والفرنسية تستعد للانقضاض على بلادهم أن يهرعوا إلى جمع أنفسهم ويبدؤوا في قراءة صحيح البخاري جماعيًا ظنًا منهم أن ذلك سوف يدفع عنهم هذه الأساطيل، وهؤلاء كان حالهم أهون من آخرين كانوا يحرِّمون الجهاد، ويعتبرون احتلال الصليبيين لبلادهم قدرًا من الله، وأن أي مقاومة لهؤلاء المحتلين يعتبر اعتراضًا على قدر الله! فما ظنكم بأمة هذا حال علمائها، وكيف يكون حال الجهال إذا كان هذا حال العلماء!

لهذا لم يجد الأوروبيون أي صعوبة تذكر في الاستيلاء على بلاد المسلمين تباعًا؛ فاحتلت بريطانيا ماليزيا والهند، وسواحل الخليج العربي والجنوب العربي، ومصر، والسودان، وأوغندا، وجزءًا من: الصومال وإريتريا، وتنزانيا، ونيجيريا، وقبرص، وغانا، وبعد خروجها منتصرة من الحرب العالمية الأولى احتلت العراق، وشرق الأردن، وفلسطين، وغيرها.

أما فرنسا فقد احتلت بورما، وتايلاند، وكمبوديا، وفيتنام الشمالية والجنوبية، وأرخبيل الملايو، ولاوس، ومالي، وتشاد، والنيجر، والسنغال، ومدغشقر، وسورينام، والمغرب، والجزائر، وتونس، وغينيا، وجيبوتي، وبعد الحرب العالمية الأولى احتلت سوريا ولبنان.

واحتلت إيطاليا ليبيا وجزءًا من الصومال وإريتريا، واحتلت روسيا سيبريا، وتركستان الغربية، والأراضي الإسلامية في حوض نهر الفولغا، وشبه جزيرة القرم وبلاد القوقاز، وامتدت بنفوذها إلى شمالي إيران، واحتلت إسبانيا الريف المراكشي، وإقليم إفني، والصحراء الغربية، وإقليم مورو الإسلامي في الفلبين، واحتلت هولندا إندونيسيا، واحتلت البرتغال موزمبيق، واحتلت بلجيكا الكونغو.

أما بالنسبة لدول أوروبا الشرقية فقد ظهرت فيها الثورات المتتالية بتدعيم من أوروبا الغربية وروسيا، وحصلت على استقلالها تباعًا، وأما في تركيا فقد شاخ الأسد العثماني وبدأت أسنانه في الوقوع، ولم يعد قادرًا على الاستمرار بعد أن انفرط عقد الدول الإسلامية من حوله، وظهر على الساحة السياسية التركية حزب الاتحاد والترقي بتشجيع من الإنجليز بعد أن رأوا منه انتهاجه لسياسات علمانية قومية تدعو لنبذ الدين وقطع كل صلة لتركيا بالشرق الإسلامي، وقد تمكن مصطفي كمال أتاتورك زعيم هذا الحزب من الاستيلاء على الحكم في تركيا، وأعلن انتهاء الخلافة العثمانية في عام 1923م الموافق 1342هـ، ولأول مرة منذ 1342 عام تنحل عقدة الخلافة الإسلامية التي ربطها النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، والتي كانت تربط المسلمين في جميع أنحاء العالم، وتشعرهم أن لهم وطنًا كبيرًا عظيمًا لا تغيب عن أرجائه الشمس.

كان إلغاء الخلافة الإسلامية إعلانًا رسميًا بانتصار الجيوش الصليبية على العالم الإسلامي الذي طالما أرقت جيوشه مضاجع حكام أوروبا، ولم تجد الدول الأوروبية كبير فائدة من الاستمرار في احتلال البلاد الإسلامية عسكريًا بعد أن زرعت في هذه الدول رجالاً لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن محاربة الإسلام، وتنفير أهله منه بدعوى أنه المسئول عن التخلف الفكري والعلمي الذي يعيشه العرب، وأنهم لو أرادوا اللحاق بركب الحضارة الأوروبية فعليهم أن يتخلصوا من كل ما يربطهم بماضيهم الإسلامي، ولم تكتفِ الدول المحتلة بزرع هؤلاء الرجال، بل وأسكنتهم مراكز القيادة السياسية والعسكرية والإعلامية والتربوية؛ حتى تضمن استمرار دوران العالم الإسلامي في الفلك الذي وضعته له أوروبا.

وبدأت القوى الاستعمارية في الانسحاب من الدول الإسلامية بعد أن حولتها إلى خطوط إمداد كبيرة للمصانع الأوروبية حتى تضمن استمرار تدفق المواد الخام اللازمة لتشغيل المصانع من جهة، وتضمن أن تظل أسواق هذه الدول مفتوحة على مصراعيها أمام الفائض الإنتاجي الأوروبي من جهة أخرى؛ فعملت على تحطيم اقتصاد الدول الإسلامية بجعل كل دولة تعتمد على تصدير منتج واحد أو اثنين أو ثلاثة على أقصى تقدير حتى تظل هذه الدول في حاجة دائمة إليها فمثلاً يشكل القطن والمنسوجات القطنية 69% من صادرات مصر، ويشكل البترول الخام 99,8% من صادرات ليبيا، و69% من صادرات الجزائر، ويشكل الكاكاو 69% من صادرات غانا، ويشكل البترول والزيوت النباتية والكاكاو 78% من صادرات نيجيريا، ولو تتبعنا جميع الدول الإسلامية التي كانت تقع تحت طائلة الاستعمار لوجدنا فيها هذا الاقتصاد الأعرج.

لقد خسر المسلمون مرتين:

الأولى: يوم أن هجروا قرآنهم وسنة نبيهم -صلى الله عليه وسلم- وارتموا في أحضان الصوفية بما تحتويه من: جهل وشرك، وبدع وخرافات، وهروب من الواقع إلى حلقات الرقص.

والثانية: يوم أن تركوا شريعتهم النقية وشخصيتهم المتفردة وارتموا في أحضان أوروبا يبتغون العزة في غير ما أنزل الله!؛ فأذلهم الله.

ونحن إذ نلمس الآن الصحوة الإسلامية المباركة التي تدب في أوصال الأمة بعد أن جربت مناهج الشرق والغرب، وأدركت أن المنهج الإسلامي هو الحق أحببنا أن نقدم ملفًا كاملاً عن المسلمين حول العالم؛ للتعرف على ما تمتلكه الأمة الإسلامية من قوة وكنوز جعلتها في يوم من الأيام أقوى أمم الأرض، ونحن نؤمِن تمام الإيمان أن المستقبل للإسلام؛ لأن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- هو الذي أخبرنا بذلك فقال: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلاَمَ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، فالغلبة للإسلام بنا أو بغيرنا وكل ما نرجوه أن نكون نحن الجيل الذي يشرفه الله بنصرة الإسلام على يديه، وأن تكتحل عيوننا برؤية ما نقرأه عن تاريخ الأمة الإسلامية المجيد أمرًا واقعًا أمام عيوننا.