إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 11 أبريل 2010 - 26 ربيع الثاني 1431هـ

لم يحررها... ولكنها حررته!

كتبه/ أحمد شكري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أجمع الراصدون لنشأة الصحوة الإسلامية الراهنة على أن مِن أعظم أسبابها "نكسة 67"؛ فأما العلمانيون فيذكرون ذلك على سبيل الغمز للصحوة بأنها رد فعل سلبي لليأس والإحباط الناشئ مِن الشعور بالهزيمة!

بينما يعتبرها المتدينون -المؤمنون- رحمة مِن الله -تعالى-؛ حيث إنه -تعالى- لرحمته بهذه الأمة يسلـِّط عليها أعداءها -إذا هي بعدت عن شرعه-؛ لتفيق مِن غفلتها، كما يفعل الطبيب الرحيم بالمريض حين يُغمى عليه؛ فيضربه عدة ضربات متتالية محدثًا له ألمًا شديدًا حتى يكون هذا الألم سببًا في إفاقته مِن تلك الغيبوبة.

وهكذا على مدار التاريخ كان ضياع "القدس" هو هذا الألم الشديد الذي يقدره الله -تعالى- على عباده؛ ليفيقوا مِن غفلتهم، ويراجعوا دينهم.

فكما كانت "القدس" مكافأة للمؤمنين الموحدين المجاهدين "كإبراهيم" -عليه السلام- لما دعا إلى التوحيد، وصبر على أذى أبيه وقومه، قال الله -تعالى- له: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:71).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول -تعالى- مخبرًا عن إبراهيم -عليه السلام-، أنه سلَّمه الله مِن نار قومه، وأخرجه مِن بيْن أظهرهم مهاجرًا إلى بلاد الشام، إلى الأرض المقدسة منها" (تفسير ابن كثير 5/ 353).

وداود -عليه السلام- الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ) (رواه مسلم)، وفي رواية قال عنه: (كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، ومَن كان معه مِن جنود طالوت الذين ثبتوا أمام الفتن وترفَّعوا على الشهوات؛ قال الله -تعالى- عنهم: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ . تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (البقرة: 249-252).

وكذلك رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- لما صبر على أذى قومه؛ أنعم الله -تعالى- عليه بنعمة الإسراء إلى المسجد الأقصى ليصلي فيه.

وكذلك أصحابه مِن بعده لما تمسكوا بهديه -صلى الله عليه وسلم-؛ فتح الله عليهم هذه المدينة المقدسة.

أقول: كما كانت "القدس" مكافأة للمؤمنين الموحدين المجاهدين، كان الحرمان منها عقوبة للجبناء "أتباع الشهوات" الذين يخافون مِن غير الله، كأولئك الذين قالوا: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة:24)؛ فقال الله -تعالى- لهم: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ) (المائدة:26).

وكذلك أمة الإسلام فقد ضاعتْ منها "القدس" بالاحتلال الصليبي لها، ويذكر أحد المحللين أن لذلك أربعة أسباب:

الأول: الرافضة العبيديين حيث كانت الدولة العبيدية -الفاطمية- تحكم شمال أفريقيا، والشام، والحجاز.

الثاني: انتشار الصوفية.

الثالث: التعصب المذهبي لدرجة أنه كانت الصلاة تقام في الحرم أربع مرات حتى لا يصلي أتباع المذاهب خلف إمام مِن غير مذهبهم!

الرابع: انتشار المجون والفواحش.

والمقصود أن الأمة لما أوغلتْ في البعد عن دينها قدَّر الله -تعالى- أن تضيع "القدس" منها فترة مِن الزمن؛ حتى تفيق وتراجع دينها.

وبالفعل لما عاد المسلمون إلى دينهم ورفعوا راية الجهاد عادتْ إليهم "القدس".

ومما يذكره المؤرخون أنَّ "نور الدين محمود بن زنكي" -الملقب بالشهيد- كان عظيم الاهتمام بالكتاتيب، وكان يمرُّ عليها بنفسه، بل كان أحيانًا يأمر الأطفال بالدعاء للمجاهدين.

فالغرض أن ضياع القدس كان بمثابة الشرارة لإنقاذ الأمة مِن الضياع؛ ولذلك فإن "شباب الصحوة" قد تحرر مِن التبعية للغرب، وتحرر مِن ظلام الجهل والبدع، وتحرر مِن أسر الشهوات... كل ذلك لما ضاعت "القدس"، ومنيت الأمة بالهزيمة عام 67!

والآن... ومع استعار الأزمة، ومسارعة اليهود لإتمام مخططات التهويد، وتمهيدهم لهدم المسجد الأقصى -لا قدَّر الله-؛ تتسارع خطى قطاع عريض مِن الأمة نحو العودة إلى الدين.

وكذلك يجعل الله -تعالى- الرحيم الكريم مِن وراء كل محنة منحة، ومِن وراء كل بلية عطية، وقد أفاق بعض الشباب -ممن جرفتهم الدنيا- على ما يحدث في القدس، وإذا بالدموع تنهمر مِن عينيه، وإذا به يعود إلى المسجد؛ يريد أن يراجع القرآن، ويشارك إخوانه في الدعوة إلى الله -تعالى- ونصرة الدين، وبذلك حررته "القدس" مِن أسر الدنيا.

بل إن بعض الغافلين الساهين اللاهين قد أفاقوا مِن غفلتهم؛ غيْرَة أن يكون اليهود يضحون كل هذه التضحيات مِن أجل عقائدهم الباطلة، ونحن لا نبذل حتى أقل القليل مِن أجل عقيدتنا الحقـَّة!

فيا شباب الإسلام... إن لم تحرروا القدس فدعوها تحرركم.

نعم... تحرركم مِن الانشغال بالتوافه: "كالكرة - والفن العفن!".

دعوها تحرركم... مِن الأنانية والأثرة.

دعوها تحرركم... مِن الخضوع للشهوات.

أسأل الله العلي القدير أن يردنا إلى دينه ردًّا جميلًا.

اللهم إنا نعوذ برضاك مِن سخطك، ونعوذ بمعافاتك مِن عقوبتك، ونعوذ بك منك، لا نحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيت على نفسك، والحمد لله رب العالمين.