إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 28 ديسمبر 2008 - 30 ذو الحجة 1429هـ

الأقصى... محله القلب!

كتبه/ سعيد صابر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن أبا قحافة لما مد يده يبايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكى أبو بكر -رضي الله عنه- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا يُبْكِيكَ) قَالَ: "لَأَنْ تَكُونَ يَدُ عَمِّكَ -يقصد أبا طالب- مَكَانَ يَدِهِ -يقصد أباه- وَيُسْلِمُ ويُقِرُّ اللَّهُ عَينَكَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ يَكُون" (رواه الحاكم وصححه، وصححه الحافظ ابن حجر في الإصابة).

وهذا شأن المؤمن الصادق يقدِّم ما قدَّم الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويؤخِّر ما أخر الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو في هذا وذاك طوع إشارة، ورهين أمر.

والله -عز وجل- يصطفي مِن خلقه ما يشاء (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (القصص:68).

ومِن ذلك:

أنه -تعالى- فضَّل بعض النبيين على بعض، وفضَّل بعض الأزمنة على بعض، وفضَّل كذلك بعض الأمكنة على بعض، وفي الحديث: (أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا) (رواه مسلم)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ) (رواه الطبراني والحاكم وابن حبان، وحسنه الألباني).

وكيف لا؟ وهي تلك البيوت التي أذِن الله أن تُرفع، ويذكر فيها اسمه؛ وناهيك بهذا رفعة وسموًّا!

وإذا كانت قلوب المؤمنين لهاتيك البقاع تحن ولبعدها تئن، بل قد تركوا قلوبهم معلقة هناك كما نطق بذلك الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يقر لهم قرار حتى يلتئم الشمل، ويجمع الشتات!

فما ظنك ببيتٍ خصَّه الله -تعالى- مِن تلك البيوت بمسرى رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأثنى عليه في كتابه وباركه، بل وبارك ما حوله، فقال -تعالى-: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء:1)؟!

ومِن بركته: أن الله اختصه محلاً لكثير مِن أنبيائه وأصفيائه، وجعله قبلتهم ومقصدهم، ومهوى أفئدتهم، حتى إن موسى -عليه السلام- ليرفع أكف الضراعة قائلاً: (رَبِّ أَمِتْنِي مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، رَمْيَةً بِحَجَرٍ) (متفق عليه).

ومِن بركته: أن الصلاة فيه لها شأن وأي شأن! قال أبو ذر -رضي الله عنه-: تَذَاكَرْنَا وَنَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّمَا أَفْضَلُ، مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِيهِ، وَلَنِعْمَ الْمُصَلَّى هُوَ، وَلَيُوشِكَنَّ أَنْ لَا يَكُونَ لِلرَّجُلِ مِثْلُ شَطَنِ فَرَسِهِ مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ يَرَى مِنْهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا) (رواه الطبراني والحاكم، وصححه الألباني).

قوله: "تَذَاكَرْنَا": هذه المذاكرة تدل في حد ذاتها على فضيلة بيت المقدس وعظيم شرفه؛ وإلا لما تحاور الأئمة الأعلام في المفاضلة بيْنه وبيْن المسجد النبوي الشريف حتى كان فصل الخطاب عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِيهِ)، وبما أن الصلاة في مسجده -عليه الصلاة والسلام- بألف صلاة؛ فالصلاة في الأقصى بـ"250 صلاة".

(شَطَنِ): الشَّطَن: الحبل.

ومِن بركته: أنه مَحَّاء للخطايا، فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

ومِن بركته: أن الله حرَّم على الرواحل ألا ترحل إلا إليه ولأخويه، ففي الحديث قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (متفق عليه).

ومِن بركته: أن حرَّم على الدجال أن يدنسه بقدميه، وفي الحديث: (وَلَا يَقْرَبُ أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ: مَسْجِدَ الْحَرَامِ, وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ, وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى, وَمَسْجِدَ الطُّورِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

أخي الكريم: كيف لا تفعم القلوب محبة وإجلالاً لبقعة جعلها الله أول القبلتين وثاني المسجدين؟!

فقد سأل أبو ذر -رضي الله عنه- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قَالَ: (المَسْجِدُ الحَرَامُ). قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟، قَالَ: (ثُمَّ المَسْجِدُ الأَقْصَى) قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ)، ثُمَّ قَالَ: (حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ فَصَلِّ، وَالأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ) (متفق عليه).

أخي... مسجد هذا شأنه كيف لا تهفو إليه بقلبك، وترعيه سمعك؟! وتهتف على إثر ذلك بما هتف به الكُمَّل مِن المؤمنين:

الأقــصـى يــنــاديــــنـــي                   تـسـمــعــه شــرايــيــنـي

أخي الحبيب:

الأقصى محله القلب... ولكن لا يحل الـ"بيت المقدس" إلا قلب قد تـَقـَدَّس مِن أدران الشرك والشك، والشهوات والشبهات؛ أما قلب قد تدنس بتلك القاذورات أو بشيءٍ منها؛ فلا تلفينه إلا وهجيراه: "ما لنا وللقدس - ما لنا ولفلسطين - ما لنا وللأقصى!"، وترجمة هذه الكلمات في قاموس الإيمان هي أن يُقال: "ما لنا وللإسلام!".

أما المؤمنون الكُمَّل فتهتف قلوبهم:

يا أقـصـى يا مـقـيـمـًا فـي خـاطـري                             وجناني وبعيدًا عن ناظري وعياني

أنــت روحي وإن كـنت لسـت أراها                             فـهــي أدنــى إلـيَّ مـِـن كــلِّ دانـــي

نسأل الله -جلَّ في علاه- أن يرزقنا وإياكم صلاة في رحابه، وشهادة على أبوابه، كما نسأله -تعالى- أن يجعل تدبير مَن أراده والإسلام والمسلمين بسوءٍ تدميره، وأن يرد كيده إلى نحره، وأن يجعل الدائرة تدور عليه.

يــا رب ديــنــك فــانــتــصــر                          واعـصـف بـكـل جـبـار أشــر

واجـعـل جـمـوع الــمـعـتــدي                         أعــجــاز نــخـــل مــنــقــعــر