إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 28 ديسمبر 2008 - 30 ذو الحجة 1429هـ

تاريخ فلسطين و"بيت المقدس" في العصور الإسلامية

كتبه/ أحمد عبد الحميد عنوز

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن لـ"فلسطين" مكانة كبيرة عند المسلمين، تُوجت بـ"رحلة الإسراء والمعراج" لنبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، ومِن يومها يحتل ذكر "بيت المقدس" مكانة خاصة في تاريخ المسلمين؛ لا سيما مع ما حدث بعد ذلك مِن جعل قبلة المسلمين الأولى في الصلاة إلى بيت المقدس قبْل أن تحول إلى المسجد الحرام، ليُذكر المسجد الأقصى دائمًا؛ فهو أولى القبلتين، وثالث المساجد التي لا تـُشد الرحال إلا إليها، يسبقه في ذلك الفضل: "المسجد الحرام"، و"المسجد النبوي".

وقد اهتم النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك بإرسال الرسل إلى ملوك الروم لدعوتهم إلى الإسلام، وأنفذ الجيوش لملاقاة الروم؛ تصعيدًا لاهتمام المسلمين بهذه القضية، حيث حشد ثلاثة آلاف مجاهد للخروج إلى "مؤتة"، ثم بعد ذلك جهـَّز الجيش لغزوة "تبوك" برغم الشدة التي كانت تمر بالمسلمين حينها؛ حتى سُمي الجيش بـ"جيش العسرة!"، ثم عقد النبي -صلى الله عليه وسلم- اللواء لأسامة بن زيد -رضي الله عنهما- للسير إلى الشام، وتحديدًا إلى تخوم البلقاء والداروم مِن أرض فلسطين.

كل هذا لتتحرك هذه المعاني الإيمانية في قلوب الموحدين لاستنقاذ بيت المقدس وتطهيره مِن أيدي الرومان الوثنيين، حتى إن أبا بكر -رضي الله عنه- أنفذ جيش أسامة -رضي الله عنه- برغم وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما تركته مِن أثرٍ مؤلمٍ في نفوس المسلمين، والذي زاده ما لاقاه المسلمون مِن فتنة الرِّدة التي ما إن انتهتْ -بفضل الله- على يد الصديق -رضي الله عنه- حتى عاود الكرة مرة أخرى لتحرير بيت المقدس وبلاد الشام ليجيش ما يقارب اثني عشر ألفًا مِن المسلمين تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان -رضي الله عنهم-.

وهم الذين فتح الله على أيديهم، ونصرهم على عدوهم في مواقع عدة: عند دمشق، وأجنادين، واليرموك، وعددٍ مِن مدن فلسطين التي فتحها المسلمون -بفضل الله-، ومنها: مدن نابلس، وغزة، ورفح، وعكا، والرملة، واللد؛ ليصبح الطريق مفتوحًا إلى بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حيث أمـَّر أبا عبيدة على الجيش، فوزع جنده، وحاصروا القدس أربعة أشهر حتى استسلم أهلها، وطلبوا الصلح شريطة أن يحضر الفاروق -رضي الله عنه- بنفسه ليبرم معهم الصلح ليكون ضمانًا أكيدًا لهم على الوفاء به؛ فاستجاب الفاروق بالفعل لذلك، وكتب لهم الوثيقة العمرية، وتسلم مفاتيح المدينة، ثم كان أول ما فعله هو التوجه إلى مكان "بيت المقدس" الذي خرَّبه الرومان نكاية في اليهود.

فسَأل عمر -رضي الله عنه- عن موضع الصخرة؛ فدلَّه على مكانها "كعب الأحبار" -وكان يهوديًّا فأسلم، وكان مِن جملة جيش المسلمين في فتح بيت المقدس-، فتولى عمر -رضي الله عنه- والمسلمون تنظيف الصخرة وموضع المسجد حولها مما تراكم فيه مِن القذر، وتوجَّه نحو موضع محراب داود -عليه السلام-، فكبَّر فيه، وصلى وسجد لله رب العالمين، ثم أقام عمر -رضي الله عنه- المسجد بعد ذلك في هذا الموضع، ويعد هذا مِن جملة المرات التي أُعيد فيها بناء المسجد الأقصى بعد تخريبه على يد أعداء الله مِن الوثنيين.

فظلت "القدس" في حوزة المسلمين يرعاها الأمويون ثم العباسيون، ثم وقعت الانحرافات في أمراء الدولة العباسية، فجرتْ سنة الله بمعاقبة المسلمين بوقوع القدس مرة أخرى في أيدي الصليبيين عام 492هـ - 1099م، حيث ذاق المسلمون السوء والبأساء جزاء تفريطهم في أمر ربهم.

ثم حدثت الصحوة الإسلامية مرة أخرى على أيدي الأيوبيين في القرن السادس الهجري ففتح الله على يد "صلاح الدين الأيوبي" -رحمه الله- في نهاية الأمر في عام 583هـ - 1187م، وحرر المسجد الأقصى وبلاد فلسطين، وطهرت مِن دنس عُبَّاد الصليب.

وظلتْ فلسطين تنعم بنور الإسلام، ويأمن فيها اليهود والنصارى على أنفسهم وأموالهم في فترات حكم الأيوبيين ثم المماليك ثم العثمانيين، إلى أن دبَّ الضعف في المسلمين مرة أخرى.

ومِن جهة أخرى: كانت تعمل أيدي اليهود والنصارى في الخفاء لحرب المسلمين إلى أن وقعتْ فلسطين "والقدس هذه المرة" على أيدي البريطانيين، ثم اليهود بعد ذلك -كما هو معروف في التاريخ الحديث-؛ ليظل المسجد الأقصى وفلسطين بانتظار صحوة إسلامية على أيدي رجالٍ بحق؛ تحركهم قلوب تحرقها لوعة الشوق إلى الصلاة في المسجد الأقصى، وألم الحسرة على انتهاك حرمات الله -عز وجل-، وما ذلك على الله ببعيدٍ.