إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 22 نوفمبر 2008 - 24 ذو القعدة 1429هـ

بناء الكعبة والزيادات في المسجد الحرام

كتبه/ محمد سرحان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الكعبة المشرفة بيت الله الحرام -زادها الله تشريفًا وتعظيمًا- لها مكانة عظيمة في قلب كل مسلم، فما من مسلم إلا ويشتاق للنظر إليها، ويحنُ قلبُه إليها، وتهوي القلوب إليها؛ استجابة لدعوة إبراهيم -عليه السلام-، وهي قبلته التي يتوجه إليها في كل صلاة -فرضًا أو نفلاً-، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عند قدومه المدينة يود التوجه إليها: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة:144).

وهي أول مسجد وضع للناس يعبدون اللهَ فيه (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ)(آل عمران:96).

 

وقد اختلف في أول من بنى الكعبة، فقيل: الملائكة، وقيل: آدم -عليه السلام- وجدد بناءها إبراهيم -عليه السلام- بعد أن هدمت بسبب الطوفان على قوم نوح -عليه السلام-، وقيل: إن أول من بناها هو إبراهيم بمساعدة ولده إسماعيل -عليهما السلام-.

قال الله -تعالى-: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) (الحج:26).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "بوأه الله مكانه أي: أرشده إليه ودله عليه، وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وغيره أنه أرشد إليه بوحي من الله -عز وجل-، وتقع الكعبة حيال البيت المعمور بحيث إنه لو سقط؛ لسقط عليها".اهـ. "البداية والنهاية 1/153" باختصار.

ولما بين الله -عز وجل- لإبراهيم -عليه السلام- مكان البيت شرع في بنائه مع ولده إسماعيل -عليه السلام-، حتى إذا بلغ الركن قال إبراهيم لإسماعيل: "يا بني ابغني حجرًا أجعله علمًا للناس فجاءه بحجر فلم يرضه، وقال: ابغني غيره فذهب فجاء وقد وضع الركن -الحجر الأسود- موضعه، فقال إسماعيل: من جاءك بهذا؟ قال: من لم يكلني إليك". "تفسير القرطبي 1/507".

والحجر الأسود حجر من الجنة، قال -صلى الله عليه وسلم-: (نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

ورفعا البناء وهما يدعوان الله: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم) (البقرة:127)، ولما ارتفع البناء عن قامته -عليه السلام-؛ وضع له ولده إسماعيل حجرًا؛ ليرتفع عليه لما تعالى البناء، فغاصت رجله في هذا الحجر فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة، وهو مقام إبراهيم المذكور في قوله -تعالى-: (فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) (آل عمران:97)(1).

وظلت الكعبة على هذا البناء حتى كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخامسة والثلاثين من عمره، و"كانت الكعبة قد تعرضت للعوادي التي أدهت بنيانها وصدَّعت جدرانها، وكان قد جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام فأوشكت منه الكعبة على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصًا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طيبًا فلا يدخلون فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي، فأخذ المعول وقال: اللهم لا نريد إلا الخير ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني" "الرحيق المختوم ص:79"


 

.

"وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوًا من ستة أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها من الأرض مترين؛ لئلا يدخلها إلا من أرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعًا سقفوه على ستة أعمدة" "الرحيق المختوم ص:79".

وفي "الصحيحين" عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ؛ لَفَعَلْتُ)، وفي رواية: (لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ -أَوْ قَالَ: بِكُفْرٍ-؛ لأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالأَرْضِ، وَلأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ).

وقد وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- الحجر الأسود بيده في مكانه لما كادت قريش أن تقتتل على من يضعه، فرضوا بأن يحكموا أول داخل عليهم؛ فكان الداخل هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، فوضع الحجر على ردائه وأمر كل قبيلة أن تحمل من طرف، ثم أخذه ووضعه بنفسه في مكانه، وكانت بيوت قريش تحيط بالكعبة على دائرة المطاف وقد جعلوا بين كل بيتين أو ثلاثة ممرًا ومنفذًا يدخل الناس منه إلى المسجد، ثم كان الأمر كذلك إلى عهد عمر -رضي الله عنه- فبدأ بتوسعة المسجد الحرام، وكان ذلك سنة سبعة عشر للهجرة النبوية.

ثم تلا ذلك توسعة وزيادة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-؛ حيث جعل فيها رواقًا مسقوفًا وذلك في سنة ست وعشرين للهجرة، حتى جاء عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- بعد ما بويع له؛ فنقض الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم -عليه السلام-، وأدخل فيها الحجر على ما أشار إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- حسبما أخبرته خالته عائشة -رضي الله عنها-، ووسع في المسجد مكان ذلك سنة 66هـ.

"فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة، إذ ذاك فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه، فأمر بردها إلى ما كانت عليه فنقضوا الحائط الشامي، وأخرجوا منها الحجر ثم سدوا الحائط وردموا الأحجار في جوف الكعبة فارتفع بابها الشرقي، وسدوا الغربي بالكلية كما هو مشاهد إلى اليوم، ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، ندموا على ما فعلوا، وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك.

ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور، استشار الإمام مالك بن أنس، في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير، فقال له: إني أخشى أن يتخذها الملوك لعبة -يعني: كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد- فاستقر الأمر على ما هي عليه اليوم". "البداية والنهاية 1/155-156".

وفي عهد عبد الملك بن مروان أضاف مساحات أخرى للحرم وجدد بناءه، وأقام فيه أعمدة من الرخام؛ فكان أول من جعل في البيت أعمدة وذلك سنة 91هـ، ثم أضاف أبو جعفر المنصور مساحات أخرى للمسجد وبعض الأروقة سنة 139هـ، ثم زاد الخليفة المهدي العباسي في المسجد من الجهتين الشمالية والشرقية سنة 160هـ، ثم أمر سنة 164هـ بتوسعة الحرم من الجهة الجنوبية.


سنة 1297 هـ

 

وفي عام 284هـ زاد الخليفة المعتضد بالله العباسي في مساحة المسجد وأضاف بابًا جديدًا يعرف باسم: "باب الزيادة"، وزاد الخليفة المقتدر بالله العباسي في مساحة المسجد سنة 306هـ.

وفي عام 604هـ شب حريق هدم جانبًا من المسجد الحرام، ثم جاء سيل أطفأ النيران أو أوقف من انتشارها، واهتم حاكم مصر السلطان فرج بن برقوق بذلك فأمر بإصلاح الموقع المتهدم وأعاد بنائه على أفضل صورة، وفي عام 979هـ قام السلطان سليم العثماني بتجديد عمارة المسجد كاملاً.

وفي عام 1375هـ بدأ بتوسعة المسجد الحرام والذي تعرف بالتوسعة السعودية الأولى، وذلك في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود -رحمه الله-.

ثم كانت التوسعة الكبيرة في عهد الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله-، لتوسعة المسجد الحرام أقصى توسعة ممكنة؛ وذلك لرفع طاقته الاستيعابية إلى أكبر حد ممكن، وقد بلغ مساحة الإضافة 76000 متر مربع.

وأخيرًا التوسعة التي يجري العمل فيها حتى كتابة هذه السطور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وكان هذا الحجر ملصقًا بحائط الكعبة إلى أيام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فأخره عن البيت قليلاً، لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت.