الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 05 يناير 2021 - 21 جمادى الأولى 1442هـ

تائه في الطريق!

كتبه/ محمود دراز

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن المرء الذي لا يعرف طريقه الذي فُرض عليه أن يسلكه منذ أن خرج إلى الدنيا مولودًا ضعيفًا فاتحًا للثدي فاه، مثله كمثل المسافر الذي توجَّه إلى بلد لم يكن يقصدها، فتعامل معها دون هدف ولا رغبة؛ لأنها فُرضت عليه؛ فلا هو أحبها فعاش فيها، ولا تعامل معها، فأنتج وربح منها، فكان تائهًا كالذي غرق في ظلمات البحر تضربه الأمواج حتى يستقر في القاع ثم يطفو على سطح الماء جيفة تأكلها الأسماك!

فالتسليم والانقياد لأوامر الله هو الهدف والفوز العظيم، وقد ضربت لنا الدنيا بمناصبها وزينتها أن لا بكاء عليها؛ فهي حياة شكلية زائلة، وليست على الحقيقة الدائمة فعلى مَن ظَلَم أن يرد المظالم إلى أهلها، ومَن قطع رحمه عليه أن يصله قبل النهاية، وعلينا تطهير قلوبنا لبعضنا فلا تجعل قلبك ترسًا يأكل بعضه حتى لا يتوقف في لحظة، فتهلك؛ لأن مرورالحياة بسرعتها لشواهد ذُكرت.

فالأيام تسير نحو النهاية "القيامة" بسرعة نَصِفُهَا كالبرق، فمنا يقول: "كنت هنا من أسبوع وكأنه الآن!"؛ فهذا الأمر حدَّث عنه الصادق المصدوق رسول اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واصفًا إياها بمحق البركة مع كثرة موت الشباب والعلماء ،وطبعًا الفتن التي تعيش معنا ليل نهار، والأمراض التي تدور حول العالم (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُو) (المدثر:31)، فكل هذه الأوصاف جُعلت لنا تحذيرًا وإنذارًا حتى يرجع كل منا إلى الله ورد المظالم إلى أهلها، فلقد كرمنا الله بنعمة العقل حتى نعقل الأمور، ونكون فُطناء؛ لأن الله ما أراد لخلقه إلا الرحمة لا العذاب، كما قال أحد آل العلم في قول: "إنا لله وإنا إليه راجعون" واصفًا لام المِلكية بالكون وما فيه كله لله، فهل هناك أحد يريد خراب ملكه وضره؟! بالطبع لا، ولله المثل الأعلى.

يا مَن على قيد الحياة... فرصة قائمة للرجوع إلى الحق ورد المظالم إلى أهلها، ففي وقت الغرغرة انقضى وقتك في الحياة، وانتهت المهلة كي تتوب، والقرآن وصف أوضاع الخلق وقت الموت بقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون:99-100).

أيها التائه... ما زالت الفرصة قائمة للرجوع إلى الحق؛ فلا تؤجِّل توبتك، ولا تغتر بملذات الحياة، ولا تغتر بصحتك؛ فالدنيا ممر إلى المستقر.

فحياتك الدائمة في الآخرة، فاعمل لأجلها، قال -تعالى- في سورة العنكبوت: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنبكوت:64)؛ لذا ينبغي على العاقل الفَطِن أن يعي الخطورة، ولا يجعل حياته بالأعمال الصالحة مهجورة!