إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 22 يوليه 2006 - 26 جمادى الثانية 1427هـ

مواساة للناجحين في الثانوية العامة

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه تهنئة لإخواننا المتفوقين في "الثانوية العامة" الذين نجحوا، ونخص الذين حصلوا على95% فأكثر، وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من حجز أماكنهم في الكليات المسماة بكليات القمة.

ونقول لهم: إن هذه النعم الدنيوية لا ينبغي أن تورثكم عجبًا ولا غرورًا، بل ينبغي أن تزدادوا لله ذلاً وتواضعًا، وأن تشكروا الله -عز وجل- على هذه النعمة، وأعظم شكر لها: توظيفها في طاعة الله.

ولا شك أن الوجاهة الاجتماعية التي يحصل عليها المسلم أو الوظيفة المرموقة التي من المنتظر أن يشغلها -بإذن الله- من أعظم فرص خدمة الدين واستثمار ذلك في الدعوة إلى الله.

وأما إخواننا "الناجحون" فقط دون تفوق، فنحن نهنئهم -أيضًا-، ولكن واقع الحال أنك متى هنأت أحدهم؛ وجدته ينتظر منك المواساة، لا التهنئة، وعلى أية حال فنحن نشارك إخواننا ما هم فيه؛ فرحًا أو حزنًا، أو توسطاً بينهما.

وأما الراسبون؛ فنحن إذ نشاطرهم الأحزان فإننا نعتب عليهم رسوبهم الذي يستدخلون به الحزن على والديهم، ويعطون الفرصة لأعداء الدين أن ينفـِّروا الناس من الالتزام بالدين زعمًا منهم أنه يؤدي بأصحابه إلى الفشل الدنيوي.

ولا ينبغي أن يحتج علينا هؤلاء الأخوة الكرام بأن الدراسة من أمر الدنيا وهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة! حيث إن الدراسة وإن كانت من الدنيا؛ إلا أنه يمكن أن يُراد بها الدين؛ طلبًا لكفاية المسلمين أمر مهنة من المهن التي عدها العلماء من فروض الكفاية، ويراد بها بر الوالدين، وقد رد النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً عن الجهاد؛ لما علم أن له أبوين، وقال له: (فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) (متفق عليه)، كما أنها وسيلة للدعوة إلى الله، وقال قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (متفق عليه).

ولأن أعداء الدين يعتبرون كل فشل لشخص ملتزم هو فشل للالتزام ذاته، ولن ننسى السنة التي خلت فيها قائمة المتفوقين من طالبات محجبات كيف أقام العلمانيون الأفراح، ودقوا طبول النصر ربطًا بين التبرج والتفوق! ولكنهم لا ينطقون بشطر كلمة عندما تزدحم القائمة بالمحجبات كهذا العام، ولله الحمد والمنة.

وهؤلاء يخالفون قواعد البحث العلمي الذي يتشدقون به، فمن بديهيات علم الاجتماع أنك متى أردت أن تدرس تأثير عامل معين من العوامل فيجب أن تأخذ عينتين متشابهتين في كل الأمور إلا هذا العامل، ثم تقارن بين نتائج كل عينة؛ لتعرف تأثير هذا العامل.

ونحن على يقين أنه لو تمت هذه الدراسة؛ فسوف يجدون أن الالتزام عامل إيجابي في التفوق الدراسي، وهذا لأسباب منها أسباب باطنة: كالتوكل، والدعاء، والنوايا التي يستحضرها الملتزمون في دراستهم، فتمثل لهم دافعًا إضافيًّا يمتازون به عن غيرهم، ومنها أسباب ظاهرة: كابتعاد الملتزمين عن السينما والتلفزيون، والانشغال بالجنس الآخر، والمعاكسات الهاتفية، والكرة وغيرها مما يكون له أثر في تشتيت أذهان كثير من غير الملتزمين.

ولا يكاد يتفوق منهم إلا من عاش حياة هي أقرب إلى حياة الملتزمين، وهذا لا يمنع من وجود المقصرين، وإن كان وجودهم في مجتمع الملتزمين أقل من غيرهم بفضل الله -تعالى-.

ومما ينبغي أن ينتبه إليه أن الله قد نوَّع بين خلقه في أنواع العطايا، وفاضل بينهم في الأرزاق، فالمسألة ليست مجرد اجتهاد أو تقصير، بل توجد عوامل أخرى غير داخلة في قدرة العبد.

لذلك؛ ننصح أولياء الأمور أن يكونوا موضوعيين في تقدير قدرات أبنائهم، وألا يلقوا باللوم على من استفرغ وسعه في التحصيل لمجرد أن غيره قد تفوق عليه، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وليتذكر قوله -صلى الله عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ) (رواه مسلم).

ولكن -وللأسف- صار حال الكثيرين منا أنه لا يرضى في الدنيا بما دون التفوق، بينما يرضى في الدين في أن يكون في آخر الركب، (لا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ) (رواه مسلم).

مرة ثانية نشاطركم الأفراح والأحزان في هذا الأمر الدنيوي؛ داعين الله -عز وجل- ألا يتحول هذا الفرح إلى كِـبر أو عُجب أو انهماك في الدنيا، وأن ينقشع هذا الحزن، وأن يتحول إلى عمل جاد ونافع، ودراسة واقعية موضوعية لأسباب الفشل.

سائلين الله -عز وجل- أن نكون جميعًا ممن قال فيهم: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيرًا. وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا) (الانشقاق:7-9)، اللهم آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.