الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
السبت 11 يناير 2020 - 16 جمادى الأولى 1441هـ

نبوءات أول السنة... ما زال الهراء مستمرًا!

كتبه/ علاء الدين عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فكنت صغيرًا نسبيًّا في السن حينما كنت أعتقد أن ممارسة أعمال السحر والتنجيم، وادعاء التنبؤ بالمستقبل ونحو هذا، لم يعد لها وجود في مجتمعات المسلمين، وأن هذه الأمور كان يقوم بها فقط مجموعة من حثالات البشر في عهود بائدة، سادها الظلام والجهل.

فكيف لمسلم حنيف أن يمارس السحر أو يرضاه، والله -سبحانه- يقول: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) (البقرة:102)؟!

وكيف لامرأة ترى نفسها مسلمة ثم بعد ذلك تطاوعها قدماها أن تذهب إلى عراف أو كاهن، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)؟ وكيف لمصدق بالقرآن أن يدعي أن هناك مَن يستطيع معرفة الغيب وكشف مكان المفقود أو ماذا سيحدث في الغد، والله -تعالى- يقول: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل:65)؟!

ثم كبرتُ قليلًا واتسعت مداركي أكثر فتغيرت هذه القناعة، فقد كنت أقول لنفسي: إن هذه الفعال الشنيعة ما زالت موجودة حتى يومنا -للأسف- ولكن يقارفها سرًّا بعض الشرائح المهمشة من المجتمع، وذلك تحت وطأة فقرهم المدقع وقلة العلم فيهم، وتفشي الجهل الديني؛ مما أدَّى إلى أن يتعلقوا بمثل هذه المنكرات ويمارسونها جيلًا فجيلًا.

لقد كنت مخطئًا في الحالتين.

فكلما تقدم بي العمر، رأيت كيف أن هذه الضلالات ما زالت معششة في عقول وقلوب كثير من أبناء أمة الإسلام؛ غنيهم وفقيرهم، وأميهم ومتعلمهم -بخلاف العلم الشرعي-؛ فلا الأمر محصور في طبقة اجتماعية بعينها ولا درجة تعليمية معينة، ولا مَن يمارسه يراه أمرًا شائنًا يستسر به عن أعين الناس حياءً منهم لارتكابه محرمًا.

يحدث هذا في بلاد الإسلام وفي عصر يفترض فيه أنه عصر التكنولوجيا والتنوير الثقافي.

وكانت قد ذكرتني بهذا الأمر المخزي الموضة السنوية التي تحدث في كل نهاية عام ميلادي وبداية آخر، حيث تستضيف البرامج الإعلامية ضيوفًا مِن المنجمين ومَن يدعون قدرتهم على معرفة ما سيحدث في العام الجديد ويتنبؤون به وينصحون الناس بالواجب فعله بناءً على هذا التنبؤات المزعومة؛ هذا يحدث في بلادنا وفي كل العالم، ويشاهده ملايين المشاهدين؛ كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً، ولو توقفنا عند هذا الحد لكان مصيبة، ولكن المصيبة تكون أكبر حينما يتم عرض هذا الهراء على أنه مِن الدِّين أو لا يتعارض معه على الأقل، وحينما تقدم هذه الضلالات في إطار زائف من العلم، على أنه "علم التنجيم"، هكذا يسمونه ليخيل ضلالهم على المساكين القابعين خلف الشاشات، وهذا اللقب المستفز من شدة المتناقض يوحي إليك بأحوالنا في المستقبل لو سرنا بهذه الوتيرة، وكيف أنه مِن الممكن أن تقرأ عنوانًا لكتاب مثلًا سماه مؤلفه: "الظلم الحلال!"، أو "النصب القانوني!"، أو "المذبحة الرحيمة!"، أو "المسيح الدجال: نبراس الإيمان!".

ولن تعدم طبعًا في خِضَم هذا الضلال المبين أن يتم تقديم ضيف هذه البرنامج على أنه (الشيخ) فلان، أو (الحاجة) فلانة، أو خبير قراءة الكف أو أخصائية قراءة الفنجان، أو العرافة الغامضة أو العنقاء الأسطورية.

المهم أن تحصل لك حالة الانبهار، وأن تستثار فيك روح الفضول ولو على حساب دينك واحترام عقلك، ولا تسألني: كيف تتاح هذه الساعات الإعلامية على الهواء مباشرة لمثل هذه الأمور المقطوع بحرمتها وحمقها؟!

ولا تسألني: لماذا لا نسمع حسًّا للتنويرين العرب والعلمانيين أصحاب المقولة العبقرية: "الناس طلعت القمر وأنتم تعلِّمون الناس كيف يتطهرون بعد دخول الخلاء!".

لن تجدهم يحسنون أن يكونوا على القمر مع رواد الفضاء، وربما لا يحسنون الأخرى كذلك، ولكن مِن الواضح أنهم لا يحرِّكون ساكنًا أمام مشهد المنجمين والمنجمات، وقارئي الكف والفنجان!

سيتكلم الخارقون هؤلاء بكلام فخم مموه لا تستطيع تحديد أوله ولا آخره، ويطلقون تعبيرات موهمة وغامضة، ويغرقونك بالكثير من التنبؤات والوعود والتحذيرات، والعبارات الفضفاضة التي تحوي المعنى وعكسه، أو تنطبق على نصف البشر وتخطئ نصفهم الآخر في اليوم الواحد، الصريح فيه قليل متوقع، وأكثره مبهم يحتمل ألف تأويل.

وسيربطون -كعادة المنجمين منذ القدم- بين أحوال الناس وبين حركة الكواكب والأفلاك، كأنه ليس لهذا الكون رب يدبر أحواله -أستغفر الله-، بل مؤدى كلامهم أن الخالق -سبحانه- قد أوكل أمر الخلائق لهذه الأجرام فهي تتحكم بمقاديرهم!

وبطبيعة الحال: سيتحدث (الشيخ) و(الحاجة)، والخبير، والأخصائية، والعرافة، بكل هذا الضلال ثم يختمون كلامهم مطأطئي الرأس قائلين: "بإذن الله، والله أعلم".

ولأجل مشاهدات أكثر قد يشتبك مدعو هذا الضلال بأوضاع سياسية واجتماعية معينة، جاذبة للاهتمام في بلدٍ معينٍ نحو نجاة فلان من محاولات أعدائه لإسقاطه، أو حدوث مشكلات في البلد الفلاني، ولا تنسَ الصيف الساخن الذي ينتظر الأعداء، ولكن هل يخلو أحد من وجود مناوئين؟! أو تخلو بلد من حدوث مشكلات؟! وهل يكون الصيف إلا ساخنًا؟!

هم كذبوا سابقًا، ولا يزالون يكذبون علينا وينمِّقون الأكاذيب على ضعاف العقول، ولا يزال الناس يتابعونهم، ولا يتحاكمون إلى دين ولا عقل سوي ولا منطق سديد، ولا يحاسبونهم حتى على أكاذيبهم في السنوات السابقة؛ فأي الناس يتذكر ذلك من الأساس؟!  

أيها القارئ الكريم...

احمِ نفسك بنور العلم والإيمان من ظلمات الضلال والزيف.

واحم مجتمعك بنشر الحق فيه قبل أن يسوده الظلام والضلال.

واحم أولادك قبل أن يأتي أحدهم يصور لهم الدجال الأعور على أنه نبراس الإيمان، مطأطًأ رأسه وخاتمًا حديثه بقوله: "بإذن الله - والله أعلم!".