الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 31 يناير 2019 - 25 جمادى الأولى 1440هـ

الثبات (1) أهمية الثبات وجوانبه (موعظة الأسبوع)

 كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

- التحذير مِن ظاهرة التراجع الديني، والخلقي، والعلمي، وغيره، في أوساط كثيرٍ مِن الناس.

(1) المقدمة: أهمية الثبات:

- المقصود بالثبات: الاستقرار والاستمرار على الحق، والازدياد منه وعدم التراجع والنقصان.

- الثبات دليل على استقامة الشخصية وسلامتها مِن التقلب والاضطراب؛ لأن شعار الثابت: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (الأنعام:153)، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَن سأله: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ؛ قَالَ: (قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ) (رواه أحمد ومسلم وغيرهما).

- الثبات دليل على سلامة المنهج: (ثبات خبيب بن عدي كان سببًا في إسلام سعيد بن عامر الجمحي - ذكر قصته باختصارٍ شديدٍ).

(2) جوانب الثبات:

للثبات على الدين جانبان: أحدهما: الثبات على ملة الإسلام. والثاني: الثبات على التزام تعاليم الإسلام.

أولًا: الثبات على ملة الإسلام (والناس فيه على نوعين):

- النوع الأول: مؤمنون ثابتون على ملة الإسلام إلى الممات، مهما كانت الفتن والمحن: قال الله -تعالى-: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران:19)، وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران:102)، وقال عن يوسف -عليه السلام-: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101)، وكان مِن دعاء نبينا -صلى الله عليه وسلم: (يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ) (رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدعوات الكبير، وحسنه الألباني).

صور مِن هؤلاء الثابتين على الملة:

- أصحاب الأخدود المؤمنين: قال الله -تعالى-: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ . النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ . وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:4-8).

- عبد الله بن حذافة السهمي -رضى الله عنه-: ذكر الإمام البيهقي -رحمه الله- قصته: "وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- جَيْشًا إِلَى الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلا، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَسَرَهُ الرُّومُ، فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ، وَأُشِرِكُكَ فِي مُلْكِي وَسُلْطَانِي؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ، وَجَمِيعَ مَا مَلَكَتْهُ الْعَرَبُ -وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: وَجَمِيعَ مَمْلَكَةِ الْعَرَبِ- عَلَى أَنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا فَعَلْتُ، قَالَ: إِذًا أَقْتُلَكَ، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَأُنْزِلَ، ثُمَّ دَعَا بِقِدْرٍ وَصَبَّ فِيهَا مَاءً، حَتَّى احْتَرَقَتْ، ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا، فَأُلْقِيَ فِيهَا وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَلَمَّا ذَهَبَ بِهِ، بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بَكَى، فَظَنَّ أَنَّهُ رَجَعَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ، فَأَبَى، قَالَ: فَمَا أَبْكَاكَ إِذًا؟ قَالَ: أَبْكَانِي أَنِّي قُلْتُ فِي نَفْسِي تُلْقَى السَّاعَةَ فِي هَذَا الْقِدْرِ فَتَذْهَبُ، فَكُنْتُ أشْتَهِي أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَعَرَةٍ فِي جَسَدِي، نَفْسٌ تُلْقَى فِي اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-! قَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّيَ عَنْكَ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي عَدُوٌّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، أُقَبِّلُ رَأْسَهُ يُخَلِّي عَنِّي وَعَنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، لا أُبَالِي فَدَنَا مِنْهُ، وَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الأُسَارَى، فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى عُمَرَ، فَأُخْبِرَ عُمَرُ خَبَرَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: حَقَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ، فَقَامَ عُمَرُ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ" (شعب الإيمان للبيهقي).

- النوع الثانيً: كفار وملحدون تركوا الثبات على ملة الإسلام التي فطرهم الله عليها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال الله: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ... ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ... ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (يوسف:103).

صور مِن هؤلاء (غير الثابتين على الملة):

- بلعام بن باعوراء: قال -تعالى- فيه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ? ذَّ?لِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف:175-176).

- عبيد الله بن جحش (هاجر مع زوجته أم حبيبة -رضى الله عنها- إلى الحبشة، فتنصر هناك وارتد عن الإسلام): روي عن أمِّ حبيبة -رضى الله عنها-: "رأيتُ في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت، فقلت: تغيرتْ والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة، إني نظرت في الدين فلم أرَ دينًا خيرًا مِن النصرانية، وكنتُ قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية. فقلت: والله! ما خير لك. وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها، وأكبّ على الخمر حتى مات" (الطبقات الكبرى لابن سعد، وتاريخ الملوك والرسل للطبري).

تنبيه مهم: هذا النوع لا يسقط فيه مَن خالط الإيمان أصول قلبه: ففي حديث أبى سفيان مع هرقل، قال: "وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ" (رواه البخاري).

ثانيًا: الثبات على التزام تعاليم الإسلام:

والناس فيه كذلك على نوعين:  

- النوع الأول: ملتزمون بتعاليم الإسلام في الجملة، لا يفرطون في الواجبات، ويتنافسون في المستحبات، ثابتون في مواجهة الفتن والمحن والمعاناة والغربة وإن خالفهم الناس، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (رواه مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ) (رواه أبو داود والترمذي الطبراني، وصححه الألباني)

- هم مستحضرون للسنن الشرعية والكونية على الدوام: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة:208)، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142)، قال -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2)، قال -تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ? وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155).

صور مِن هؤلاء الملتزمين بتعاليم الإسلام:

- إشارة مجملة إلى ثبات الأنبياء والصحابة والصالحين على مرِّ الزمان، حيث سيأتي الكلام مفصلًا في عوامل الثبات.

- النوع الثاني: غير ملتزمين ولا ثابتين على تعاليم الإسلام، فهم يضعفون في الفتن ولا يجاهدون في المحن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (رواه مسلم).

صور مِن التراجع عن التزام تعاليم الدين:

- الإشارة إلى ظاهرة التراجع الديني والأخلاقي والعلمي وغيره في أوساط المتدينين، فضلًا عن عامة المسلمين.

- الإشارة إلى بعض الصور الواقعية مِن بيْن ما لا يحصى: يحكي أحد الدعاة عن صورٍ كثيرةٍ مِن التراجع عن التزام تعاليم الإسلام: "يقول: شخص كان فقيرًا مجتهدًا في العبادة وطلب العلم، فعمل في التجارة، ومع الوقت صار غنيًّا، فأختفى مِن المسجد تمامًا؛ تقول زوجته: أصبح يسهر الليل كله في متابعة التجارة والتجار وجمع المال، وينام النهار ويجمع الصلوات، فلما كنا فقراء كنا نقوم الليل ونصوم النهار، وأما الآن... !

وآخر كان فقيرًا يكد طوال يومه ثم صار تاجرًا وفتحت عليه الدنيا، فصارت أعماله ملؤها الرياء والسمعة، وغيرهم وغيرهم كثير، وهناك صور كثيرة لا تحصى عندي وعندكم وعند الناس مِن التراجع!".

نسأل الله السلامة والعافية، وهنا يأتي السؤال الذي لابد أن يتبادر إلى الأذهان جميعًا: ما هي الأسباب التي تؤدي إلى التراجع وعدم الثبات؟

هذا هو موضوع حديثنا في المرة القادمة -إن شاء الله-: "أسباب التراجع عن الثبات".

فاللهم يا مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على طاعتك.