الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
السبت 24 نوفمبر 2018 - 16 ربيع الأول 1440هـ

قرآنيات!

كتبه/ خالد آل رحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه بعض التغريدات كتبتها تحت عنوان: "قرآنيات"، تحدثتُ فيها عن كيفية تعامل السلف مع القرآن، وكيف أنهم كانوا يقفون عنده موقفًا مهيبًا، واضعين أمام أعينهم قول الله -تعالى-: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر:21).

فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- صلى صلاة الفجر، فافتتح سورة يوسف فقرأها حتى بلغ: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف:84)، بكى حتى انقطع فركع، وكان عمر يمر بالآية مِن ورده بالليل فيبكي حتى يسقط ويبقي في البيت حتى يُعاد!

ويوم اليمامة أخذ الراية سالم مولى أبي حذيفة، فقال المسلمون: "يا سالم إنا نخاف أن نؤتى مِن قِبَلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم مِن قِبَلي".  

وقرأ قارئ عند مالك بن دينار: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) (الزلزلة:1)، فجعل مالك ينتفض وأهل المجلس يبكون ويصرخون حتى انتهى إلى هذه الآية: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة:7-8)، فجُعل مالك يبكي ويشهق حتى غُشي عليه فحُمل مِن بين القوم صريعًا.

 وقرُئ على أبي الجهير مسعود الضرير قوله -تعالى-: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا . أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) (الفرقان:23-24)، فصرخ صرخة انكب لوجهه ثم جعل يخور كما يخور الثور، ثم هدأ فنظروا إليه فإذا هو قد مات.      

 وسُمع الفضيل ذات ليلة وهو يقرأ سورة محمد ويبكي ويردد هذه الآية: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد:31)، وجعل يقول: "وتبلو أخبارنا"، ويردد: "وتبلو أخبارنا... إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا، إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا!" ويبكي.

وقال ابن عياش: "صليت خلف فضيل بن عياض وإلى جانبه علي ابنه، فقرأ الفضيل: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (التكاثر:1)، فلما بلغ: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) (التكاثر:6)، سقط علي مغشيًّا عليه، وبقي فضيل لا يقدر تجاوز الآية ثم صلى بنا صلاة خائف. فقلت في نفسي: يا نفس ما عندك مِن الخوف ما عند فضيل وابنه؟!

وقال أبي: استأذنت على سفيان الثوري في نحر الظهيرة فأذنت لي امرأة، فدخلت عليه وهو يبكي، ويقول: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف:80)، فيقول: "بلى يا رب، بلى  يا رب" وينتحب.

جعلنا الله مِن أهل القرآن وخاصته.