إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 27 سبتمبر 2018 - 17 محرم 1440هـ

وظيفة الدعاة إلى الله

كتبه/ شريف طه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: (أَسْلِمْ)، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ) (رواه البخاري).

تأمل في فرحه -صلى الله عليه وسلم- بإسلام صبي؛ لأن الله -تعالى- أنقذه به مِن النار! لن يكون جنديًا يحارب معه، لن يدفع له مالًا، لن يستكثر به في جملة الأتباع في الدنيا، لا شيء مِن ذلك سوى أن الله أنقذه مِن النار! هذه وظيفة الدعاة ومشروع الدعوة الحقيقي؛ هداية الناس إلى الله -تعالى-، والأنبياء وأتباعهم لا يملكون في هذا المشروع سوى البلاغ والتذكير.

(وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ) (نوح:7)، هكذا يلخِّص نوح -عليه السلام- الغرض مِن دعوته، فالداعية لا يريد على دعوته أجرًا ولا مالًا، ولا مجدًا دنيويًّا ولا رئاسة، شعارهم في ذلك: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) (هود:29)، بل هو يبذل جهده ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا؛ ليغفر الله -تعالى- للناس ويرحمهم.

وجلى الله -تعالى- لنبيه وظيفته بكل وضوح، فقال له: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى:52)، أي: تدل وترشد، وأما هداية التوفيق فلا يقدر عليها إلا الله -تعالى-، كما قال -تبارك وتعالى-: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص:56).

وحصر وظيفته في البلاغ والتذكير، فقال -تعالى-: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية:21-22)، أي: لستَ بمستول عليهم وعلى قلوبهم، كقوله -تعالى-: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (ق:45)، والجهاد في سبيل الله الذي فرض في المرحلة المدنية ليس منافيًا لهذه الآيات؛ فإن الغرض مِن الجهاد بنوعيه: (الدفع والطلب)، ليس إكراه الناس على الدخول في الإسلام، بل محاربة مَن يحولون بيْن الناس ورؤية الإيمان، ويفرضون عليهم الكفر والطغيان؛ فتشقى حياتهم وآخرتهم، وهو مِن أعظم الظلم الذي جاء الجهاد لدفعه عن الناس.

والداعية إذا أدرك ذلك لم يفت في عضده قلة الاستجابة، أو انحراف الاكثرية وسلوكهم طريق الغواية، أو يأسه مِن هداية قومه، وقد حدثنا القرآن والسُّنة عن قلة مَن استجاب للأنبياء، حتى إنه يوجد مِن الانبياء مَن لم يتبعه رجل واحد!

مشروع الدعوة الحقيقي هو مشروع هداية وليس مشروع سلطة، بل السلطة مجرد وسيلة لكي تكون العبودية في أتم صورها، وهي مِنَّة مِن الله يَمنّ بها على مَن يشاء مِن عباده، والخطر الحقيقي هو ما أصاب بعض الدعوات التي عكست الأمر فصار مشروعها الحقيقي هو السلطة، وصارت هداية الناس وسيلة للتسلط على رقاب الخلق!