إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 - 15 محرم 1440هـ

(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)

كتبه/ خالد آل رحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فقد قال الله -تعالى-: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة:40).

فتوقفتُ عند هذه الآية كثيرًا أتدبرها وبحثتُ عن سبب نزولها، وفي أي سورة نزلت، ومتى نزلت؟ فإذا بي أجد عجبًا؛ فهذه الآية العظيمة أُنزلت في شوال مِن العام التاسع للهجرة أثناء غزوة تبوك (العسرة) في سورة براءة.

وهنا تساءلتُ: لماذا الله -تعالى- يذكِّر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الأمر بعد مرور هذه السنوات؟!

فوجدتُ أن الله -تعالى- يخبر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه حتى لو لم تنصروه، فقد نصرته سابقًا وهو مستضعف وحيدًا، ليس معه إلا صاحبه، بل وكنت معه المعية الخاصة، ونصرة الله له مستمرة سواء نصرتموه أم لا؟

قال ابن عاشور: "لأنّ نفي أن يكون قعودهم عن النفير مُضرًّا بالله ورسولِه  يثير في نفس السامع سؤالًا عن حصول النصر بدون نصير، فبيّن بأنّ الله ينصره كما نصره حين كان ثاني اثنين لا جيش معه، فالذي نصره حين كان ثاني اثنين قدير على نصره وهو في جيش عظيم، فتبيّن أنّ تقدير قعودهم عن النفير لا يضرّ الله شيئًا".

قال البغوي: "وهذا إعلام مِن الله -عز وجل- أنه المتكفل بنصر رسوله وإعزاز دينه، أعانوه أو لم يعينوه، وأنه قد نصره عند قلة الأولياء، وكثرة الأعداء".

وربما يتساءل أحدهم: أنه -صلى الله عليه وسلم- قد مات فكيف ننصره ميتًا؟!

والجواب: أن نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- حيًّا واجبة على كل مسلم، كما أن نصرة سنته الصحيحة ميتًا واجبة على كل مسلم، فنصرة سنتة هي نصرة له في قبره.

ولذلك كان السلف يحافظون ويقدرون السُّنة، ويدافعون عنها بكل ما يملكون.

عن منصور الكلبي أن دحية خرج مِن المزة إلى قدر قرية عقبة مِن الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال في رمضان ثم أفطر وأفطر معه أناس، وكره الفطر آخرون، فلما رجع إلى قريته قال: "والله لقد رأيتُ اليوم أمرًا ما كنتُ أظن أن أراه: إن قومًا رغبوا عن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه"، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: "اللهم اقبضني إليك!".

وقال يحيى بن يحيى التميمي: "سمعتُ أبا يوسف عند وفاته يقول: كل ما أفتيت به بعد فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسُّنة"، وفي لفظ: "إلا ما وافق القرآن واجتمع عليه المسلمون".

وقال المروذي: "قال لي أحمد بن حنبل: ما كتبتُ حديثًا إلا قد عملتُ به حتي مرَّ بي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت".

وقال البربهاري: "إذا سمعتَ الرجل يطعن على الآثار، أو يرد الآثار أو يريد غير الآثار؛ فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع".

وقد حذر -تعالى- مِن مخالفة سنته -صلى الله عليه وسلم-، فقال -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الأحزاب:36)، وقال -تعالى-: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا . فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) (المزمل:15-16).

قال المفسرون: "إنا أرسلنا إليكم يا أهل مكة محمدًا، رسولًا شاهدًا عليكم بما صدر منكم مِن الكفر والعصيان، كما أرسلنا موسى رسولًا إلى الطاغية فرعون، فكذَّب فرعون بموسى ولم يؤمن برسالته وعصى أمره، فأهلكناه إهلاكًا شديدًا. وفي هذا تحذير مِن معصية الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ خشية أن يصيب العاصي مثل ما أصاب فرعون وقومه".

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.