الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14 محرم 1440هـ

المقاومة الفلسطينية المسلحة (مِن هزيمة 1967م إلى غزو إسرائيل للبنان 1982م)

كتبه/ علاء بكر  

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلم تظهر الدعوة إلى إقامة كيانٍ وطنيٍ فلسطيني للفلسطينيين على أي جزءٍ مِن أرض فلسطين التاريخية إلا بعد حرب يونيو 1967م، التي ترتب عليها استيلاء اليهود على كل فلسطين؛ إذ كان إعلان قيام دولة إسرائيل في 15 مايو 1948م وراء وقوع حرب 1948م التي انتهت باستيلاء اليهود على 80% مِن أرض فلسطين، وضم الضفة الغربية للأردن، ووضع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية.

وخلال الفترة مِن حرب 1948م حتى حرب يونيو 1967م كان تحرير فلسطين هدفًا عربيًّا، حيث تم تناول القضية الفلسطينية في الإطار العام للصراع العربي الإسرائيلي، وعليه فلم يكن مطروحًا إقامة كيان وطني فلسطيني (دولة فلسطينية) عبْر نضالٍ فلسطينيٍ، رغم أن الضفة الغربية وغزة كانتا في يد العرب، ففي ظل غلبة التيار القومي العربي وقتها لم يكن هناك أي تفكير في إدارة الصراع مع إسرائيل مِن خلال تجزئة النضال لاستعادة فلسطين عبْر إجراءاتٍ مِن نوع إيجاد وطن فلسطيني (دولة فلسطينية) عبْر نضال وطني فلسطيني يتمركز على ما تبقى مِن أرض فلسطين التاريخية بعد حرب 1948م، أي الضفة الغربية وقطاع غزة.

لقد دخلت القضية الفلسطينية في إطار الإدارة العربية للصراع مع إسرائيل خاصة مع وبعد حرب 1948م، وهي الفترة التي شهدت صعود الحركة القومية العربية، والتي تبلورت بصورةٍ رسميةٍ مع ظهور جامعة الدول العربية، التي قررت دخول الجيوش العربية حرب فلسطين عام 1948م عقب إعلان قيام دولة إسرائيل؛ في هذه الفترة صار تطلع الفلسطينيين إلى العرب لاسترداد حقوقهم المسلوبة مع التطلع لتحقيق وحدة عربية، أي أن تحرير فلسطين مسؤولية يقع عاتقها على العرب في إطار الحركة القومية العربية، وكان هذا النهج وراء استقطاب الغالبية مِن الفلسطينيين مِن السياسيين والقادة لتبني شعار الوحدة العربية كطريقٍ لتحرير فلسطين.  

ورغم ظهور حركة وطنية فلسطينية قادت النضال خلال الانتداب البريطاني على فلسطين في مواجهة الهجرة الجماعية اليهودية والدعم البريطاني لها لإقامة وطن قومي لليهود، لكنها كانت حركة سياسية تقليدية مكونة مِن الوجهاء وكبار الشخصيات؛ مما جعل أفق نضالها محدودًا بالعمل ذي الطابع السياسي مِن خلال تقديم عرائض ومطالب واحتجاجات، وعدم اللجوء إلى استخدام القوة والعنف، رغم الحاجة وقتها إلى القوة في مواجهة الخطر الصهيوني والدعم البريطاني له، ورغم تجاوز النضال الشعبي لهذا النهج وتطور النضال إلى ثورةٍ شعبيةٍ مؤثرة متمثلة في الثورة الشعبية الفلسطينية مِن عام 1936م إلى عام 1939م؛ إلا أن تدخل الحكومات العربية المحافظة بالضغط على قادة الحركة الوطنية الفلسطينية لإيقاف الثورة أدخل القضية وقتها في طريق مسدود، وأغلق باب النضال الفلسطيني المسلح، والذي كان يجب أن يدعم وينمى لا أن يمانع ويوقف.

وعندما اتجه العمل العربي في مؤتمر القمة العربي عام 1964م إلى إبراز الشخصية الفلسطينية تم ذلك بشكل فوقي مِن خلال تكليف ممثل فلسطين في جامعة الدول العربية بإجراء مشاورات حول إقامة كيان فلسطيني، وتم إنشاء كيان سياسي أطلق عليه اسم (منظمة التحرير الفلسطينية)، والتي ظهرت رسميًّا عام 1965م برئاسة (أحمد الشقيري)، وهي تعد إحياءً جديدًا للعمل السياسي الفلسطيني بعد تعثر استمرار حكومة عموم فلسطين التي ظهرتْ مِن خلال الجامعة العربية، في ظل نظرة العرب القومية التي انحصرت تصوراتها الاستراتيجية بشأن الصراع العربي الإسرائيلي في مفهوم الحرب النظامية، ولم يكن هناك ما يدل على أن قيام منظمة التحرير الفلسطينية ينطوي على تغيير في هذه الاستراتيجية السائدة في إطار مرحلة العمل القومي العربي الذي صاحبه غياب العمل الفلسطيني المستقل؛ إذ اندمج العمل الفلسطيني في تيارات العمل القومي الرئيسية مِن ناصرية وبعثية وحركة القوميين العرب.

تبني العمل الفلسطيني المسلح:

كان قيام قوات (العاصفة) التابعة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) بأول عملية فدائية ضد إسرائيل في الأول مِن يناير 1965م إيذانًا ببدء انطلاق العمل الفلسطيني المسلح الذي طال انتظاره، والذي يعني حدوث تحول نوعي في مواجهة إسرائيل، وهو التحول الذي ازداد ونمى بعد هزيمة 1967م، التي جعلتْ استمرار هذه الحركة الوطنية الفلسطينية المسلحة المستقلة مقبولة ومطلوبة، أي نقل الصراع إلى أرضيته الصحيحة، حرب تحرير فلسطينية شعبية يدعمها العرب ماديًّا ومعنويًّا.

نشأة حركة فتح:

تشكلت (منظمة فتح الفلسطينية) أواخر الخمسينيات في الكويت مِن عناصر فلسطينية تعمل هناك، كما أصدرت صحيفة ثورية في بيروت باسم (فلسطيننا)، وفي أول عام 1965م بدأت منظمة (فتح) عملياتها الفدائية ضد إسرائيل، وبعد هزيمة 1967م وتغير الأوضاع تولى (ياسر عرفات) قيادة (منظمة التحرير الفلسطينية) بعد تقديم (أحمد الشقيري) استقالته في 1969م.

تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية:

أعلن قيام المنظمة خلال المؤتمر الفلسطيني الأول الذي انعقد في القدس في 28 مايو 1964م، بحضور وفود تمثِّل الجامعة العربية وكثير مِن الدول العربية، وافتتحه الملك حسين حيث ألقى خطابًا، وتم إنشاء الدوائر والمكاتب للمنظمة في عواصم الدول العربية وبعض الدول الأخرى، وإنشاء محطة إذاعية في القاهرة باسم (صوت فلسطين: صوت منظمة التحرير الفلسطينية)، وإنشاء مركز أبحاث في بيروت للعمل على إثراء الفكر الفلسطيني، والتعريف بالحق العربي وحقيقة الكيان الصهيوني، والبدء في تشكيل قوات فلسطينية وتدريبها وتسلحها، وإنشاء الصندوق القومي الفلسطيني.

وقد تم شنّ عمليات فدائية ضد العدو الإسرائيلي مِن وقتٍ لآخر، تلاه مهاجمة العدو الإسرائيلي لقواعد المنظمة، وعقدت المنظمة دورات للمجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة وغزة، وبيْن عامي: 1965م و1971م قامت المنظمة بنشاطها الفدائي مِن الأردن، لكنها أجبرت على مغادرة الأردن عام 1971م، فواصلت نشاطها مِن جنوب لبنان، حتى أجبرت على الخروج من لبنان عام 1982م.

وفي عام 1974م قررت الحكومات العربية أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وفي نفس العام اعترفت الأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا للشعب الفلسطيني، وحصلت المنظمة على مركز المراقب في منظمة الأمم المتحدة.

وفي عام 1982م قامتْ إسرائيل باجتياح لبنان تحت سمع العالَم وبصره، وأجبرت منظمة التحرير على الخروج مِن جنوب لبنان وبيروت، ومِن ذلك الحين لم تتمكن المنظمة مِن العودة إلى جنوب لبنان، وفي 1983م تم أيضًا إبعاد رجال المقاومة التابعين لياسر عرفات مِن شمال لبنان نتيجة مساندة سوريا لبعض المعارضين مِن داخل المنظمة.

هيكل المنظمة:

تضم المنظمة: المنظمات الفدائية والشعبية، واتحادات الأطباء، والعمال، والمحامين والمدرسين، وغيرهم، وتهيمن عليها حركة (فتح) باعتبارها أكبر المنظمات الفدائية.

وتتألف الإدارات الرئيسية للمنظمة مِن: اللجنة التنفيذية، واللجنة المركزية، والمجلس الوطني الفلسطيني.

اللجنة التنفيذية: أعلى سلطة تنفيذية للمنظمة، وهي الهيئة الرئيسية لصنع القرار، وتتكون مِن ممثلين للمنظمات الرئيسية وبعض الأعضاء المستقلين.

ومهامها: تمثيل الشعب الفلسطيني والإشراف على تشكيلات المنظمة، وإصدار اللوائح والتعليمات، واتخاذ القرارات الخاصة بتنظيم أعمال المنظمة، وتنفيذ السياسة المالية وإعداد الميزانية.

وأنشأت اللجنة التنفيذية في عام 1968م دوائر عديدة، منها: "الدائرة العسكرية - دائرة الشئون السياسية والإعلامية - دائرة الصندوق القومي الفلسطيني - دائرة البحوث والمؤسسات المتخصصة - ودائرة الشئون الإدارية"، ولكل دائرة منها مدير عام، هو أحد أعضاء اللجنة التنفيذية، ومعه عدد مِن الموظفين.

اللجنة المركزية: تضم ممثلين لكافة المنظمات الفدائية، وتعد هيئة استشارية للجنة التنفيذية.

المجلس الوطني الفلسطيني: ويعد البرلمان بالنسبة للشعب الفلسطيني، ويتألف مِن 180 عضوًا.

العمل المسلح بعد يونيو 1967م:

عندما عجزت المقاومة الفلسطينية عن إقامة قواعد رئيسية للعمل المسلح داخل الأراضي الفلسطينية عقب حرب يونيو 1967م سعت لبناء هذه القواعد في دول الطوق التي تحيط بإسرائيل، ولها حدود مشتركة تسمح بالنشاط الفلسطيني ضد إسرائيل، وهي: "الأردن ولبنان وسوريا"، ولكن أخطاء قيادة المنظمة سرعان ما ساهمتْ في توتر العلاقات مع تلك الدول بدرجاتٍ متفاوتةٍ لم تستطع معها الاستمرار في احتضان هذا الكفاح المسلح؛ إذ ظهر تناقض بيْن متطلبات الوجود الفلسطيني ونشاطه المسلح وبيْن أنظمة الحكم في هذه الدول.

ففي الأردن:

لم يكن باستطاعة المقاومة الفلسطينية المسلحة إقامة قواعد لها تشنّ منها هجماتها على إسرائيل في الضفة الغربية في ظل السيطرة العسكرية الإسرائيلية المحكمة عليها بعد الاحتلال، فكان اللجوء إلى إقامة قواعد آمنة قريبة في الضفة الشرقية للأردن تبدأ منها العمليات الفدائية، ويكون الرجوع إليها بعدها، وتكون مراكز للتدريب والإعداد، وكان اختيار الضفة الشرقية للأردن لأمورٍ، منها:

- وجود أعداد كبيرة مِن الفلسطينيين النازحين في الضفة الشرقية مِن الأراضي المحتلة.

- وجود أطول حدود مشتركة مع إسرائيل، بطول 600 كم؛ مما يصعب على إسرائيل تأمينها والسيطرة عليها بالكامل.

- جاءت هزيمة 1967م وراء تصاعد حركة المقاومة الفلسطينية، ولم يتصدَ النظام الأردني لهذا النشاط في أول الأمر.

معركة الكرامة:

تكررت التهديدات والهجمات الإسرائيلية على الأردن منذ بداية 1968م، وبلغت ذروتها بهجوم إسرائيلي عسكري كبير على مخيم الكرامة الفلسطيني، والذي يعد أول قاعدة للمقاومة الفلسطينية في الأردن، ولكن حركة المقاومة تصدت ببسالةٍ للقوات الإسرائيلية، والتي بلغت نحو 150 ألف جندي، ومنعتها مِن تحقيق هدفها؛ مما نبَّه إلى فاعلية الحرب الشعبية ضد إسرائيل، وأزال الشعور باليأس والاستسلام بعد هزيمة 1967م، وسُميت هذه المعركة تاريخيًّا باسم: (معركة الكرامة).

تصفية المقاومة في الأردن:

تطورت المقاومة الفلسطينية في الأردن فتوسعت قواعدها وزاد عمقها الاستراتيجي، وازدادت أعداد الفدائيين مِن مئات إلى آلاف، وزاد التأييد العربي لها، مما أتاح لها حرية حركة أكبر، ومع تزايد هجمات الطيران الإسرائيلي على الأردن ردًّا على تسلل الفدائيين منها إلى إسرائيل، قامت السلطات الأردنية بإخلاء المناطق المعرضة للخطر على طول خط وقف إطلاق النار مع إسرائيل، ومع تزايد التصعيد الإسرائيلي للهجمات ازداد التوتر بيْن المقاومة والنظام الأردني، وتدهورت العلاقات بيْن الطرفين إلى حدِّ الصدام الدموي، حيث سعت السلطات الأردنية إلى بسط سيطرتها على حدودها، وأرغمت المقاومة الفلسطينية على اتخاذ موقف الدفاع، ليبدأ القتال بيْن الطرفين الذي بلغ ذروته في الفترة مِن 16 إلى 25 سبتمبر(أيلول) 1970م، ففقدت المقاومة قدرًا كبيرًا مِن قوتها وأسلحتها، فيما عرف تاريخيًّا باسم: (أيلول الأسود)، ولم يتوقف القتال إلا بالتدخل العربي وضغوط عبد الناصر، والعديد مِن الزعماء العرب الذين اجتمعوا في قمة عربية غير رسمية في القاهرة، تم فيها التوقيع على (اتفاق القاهرة) في 27 سبتمبر 1970م، والذي أعقبه مباشرة وفاة عبد الناصر في مساء 28 سبتمبر 1970م، بعد نهاية المؤتمر العربي وتوديع عبد الناصر لآخر المغادرين للقاهرة (أمير الكويت).

وبمقتضى الاتفاق تم إقرار وجود العمل الفدائي في الأردن مع الإقرار بحق الحكومة الأردنية في الإشراف على الأمن الداخلي؛ مما أثر على سيطرة المقاومة على المناطق التي كانت تعمل بها، مما قلل مِن هيبتها فيها، ولم تكن (اتفاقية القاهرة) إلا هدنة مؤقتة، إذ قامت حكومة (وصفي التل) الأردنية في بداية 1971م باتخاذ إجراءات لتصفية المقاومة في الأردن، ثم قصفت مناطق تمركز المقاومة في أوائل يونيو 1971م، أعقب القصف هجوم شامل في 13 يوليو، ترتب عليه إنهاء الوجود العلني للمقاومة الفلسطينية في الأردن.

وفي لبنان:

بدأ تزايد التواجد الفدائي الفلسطيني في جنوب لبنان عام 1968 عبْر خطوط وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

ومما ساعد على ذلك:

- الإجراءات المكثفة التي اتخذتها إسرائيل لمنع العمليات الفدائية على طول الجبهة الأردنية.

- وجود أعداد كبيرة مِن الفلسطينيين النازحين إلى لبنان.

- مناسبة جنوب لبنان لشن عمليات فدائية ضد إسرائيل.

- تعد العمليات مِن جنوب لبنان موجهة ضد شمال إسرائيل الذي يتميز بوجود الكثافة السكانية، والجزء الأساسي مِن الصناعة الإسرائيلية.

- عدم وجود عراقيل أو تهديدات ذات خطورة بالنسبة للمقاومة الفلسطينية في لبنان.

- ومع تصاعد أعمال المقاومة ضد إسرائيل مِن جنوب لبنان، قامت إسرائيل باعتداءاتٍ متكررةٍ على الجنوب؛ للضغط على القوى اللبنانية لمناهضة العمل الفدائي.

- سعت السلطات اللبنانية إلى تقييد العمل الفدائي في جنوب لبنان؛ مما أظهر التوتر بيْن الطرفين، وأدى إلى حدوث صداماتٍ مسلحةٍ، ومِن خلال وساطة مصرية تم توقيع (اتفاقية القاهرة) في 3 نوفمبر 1969م، والتي أعطت العمل الفدائي حق الوجود في منطقة العرقوب الجنوبية، مع إيجاد تنسيق مع الجيش اللبناني، مع عدم تدخل أفراد المقاومة في شؤون لبنان، وإعطاء السلطات اللبنانية مدنية وعسكرية صلاحيتها في جميع المناطق اللبنانية، مع إعطاء الفلسطينيين في المخيمات حرية التنقل والمشاركة في الثورة الفلسطينية.

ونتيجة لتصفية أعمال المقاومة الفلسطينية في الأردن، زادت العمليات مِن جنوب لبنان، الذي صار المنفذ الرئيسي للمقاومة، وزادت العمليات الانتقامية الإسرائيلية، ونظرًا لحاجة المقاومة في نشاطها للسرية، ونظرًا لالتزامها بالتنسيق مع السلطات اللبنانية الذي يقيد مِن نشاطها، ونظرًا لعدم قدرة النظام اللبناني على مواجهة إسرائيل تم الاتفاق -لتخيف التوتر- على تجميد العمل الفدائي في جنوب لبنان، وإخلاء مدن وقرى الجنوب مِن الفدائيين، وبقاء عناصر المقاومة خارج مدن وقرى الجنوب، مع تغيير بعض القواعد الفدائية لضرورات أمنية.

وفي مايو1973م حاول الجيش اللبناني إنهاء سيطرة المقاومة على المخيمات الفلسطينية المحيطة ببيروت؛ مما تسبب في صدامٍ بيْن الطرفين، تم إيقافه بوساطة عربية، وصدر بيان مشترك في 17 مايو 1973م، وأعلن الطرفان الالتزام به، وفي أواخر يوليو 1974 م وقعتْ اشتباكات مسلحة بيْن المقاومة واليمين اللبناني (حزب الكتائب) في شرق بيروت، تم تطويقها سريعًا.

مع دخول لبنان عام 1975م في حربٍ أهليةٍ بيْن القوى الوطنية والتقدمية المطالبة بتعديلاتٍ جذريةٍ في النظام السياسي اللبناني -وهي قوى تتعاطف مع المقاومة- وبيْن القوى اليمينية (الكتائب) -المعادية للمقاومة -، ومع تصاعد الأمور وتحول المقاومة إلى طرفٍ فيها، أكدت المقاومة أنه لا توجد لها مشكلة مع السلطة اللبنانية، وأنها حريصة على استقرار لبنان وأمنه، ورغم ما وقع مِن مخالفاتٍ جعلت المقاومة طرفًا في أزمة الحرب الأهلية، وأدت إلى إضعافها، لكنها لم تمنع استمرار بقاء المقاومة في لبنان.

وفي صيف 1982م جاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان لينهي تواجد المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان وبيروت لبنان.

وفي سوريا:

 أظهر حزب البعث -بتوجهه القومي العربي- منذ انفراده بالسلطة في سوريا في عام 1964م تعاطفه مع حركة (فتح)، وتشككه مِن منظمة (التحرير الفلسطينية)؛ لكونها نتاج القمة العربية، ومع سماح سوريا للعمل الفدائي الفلسطيني مِن أراضيها تعرضت للاعتداءات الإسرائيلية، والتي تصاعدت في الشهور السابقة لحرب يونيو 1967م، وبعد هزيمة 1967م تبنت سوريا والجزائر والعراق مِن خلال حزب البعث الذي وصل للسلطة في العراق في يوليو 1968م رفض أي حل سلمي مع إسرائيل، والإصرار على حرب تحرير؛ لذا قاطعت سوريا مؤتمر القمة العربي في الخرطوم في أغسطس 1967م، ورفضت قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 1967م، ورغم ذلك فقد ساد الهدوء خطوط وقف إطلاق النار بيْن سوريا وإسرائيل رغم احتلال إسرائيل الجولان السورية في حرب 1967م وتماديها في بناء المستوطنات فيها.

وأعطى امتناع الفدائيين الفلسطينيين عن استخدام الأراضي السورية في القيام بعملياتٍ ضد إسرائيل انطباعًا بأن هناك اتفاقًا سياسيًّا بيْن المقاومة وسوريا يقوم على مساندة النظام السوري للمقاومة سياسيًّا، والسماح لها بتكوين قواعد إمداد خلفية داخل سوريا، على ألا تقوم المقاومة بعملياتٍ مِن الحدود السورية، بما يجنب الجيش السوري حالة الاستنفار الدائم، ويساعد على إعادة بنائه بعد هزيمة 1967م، ويبعد مخاطر الدخول في حرب مع إسرائيل لم يستعد لها، خاصة في ظل التهديدات والتحركات الإسرائيلية على الحدود السورية.

سعى النظام السوري إلى إقامة منظمة فدائية ترتبط به وتحد مِن نشاط المنظمات الفلسطينية الأخرى في سوريا؛ فكوَّن منظمة (الطلائع) التي تتكون مِن كوادر فلسطينية في سوريا والأردن والضفة الغربية وغزة والكويت تنتمي لحزب البعث، ولها جناح عسكري عرف باسم (الصاعقة).

وفي 1968م انضمت إليها جبهة التحرير الفلسطينية ومنظمة الجليل الأعلى الشعبية، فيما عرف باسم: (منظمة طلائع حرب التحرير الشعبية قوات الصاعقة)، التي تتبنى مواقف واتجاهات حزب البعث السوري؛ مما أضعف وجود حركة (فتح) في سوريا، ولكن تجنبت حركة فتح المواجهة مع النظام السوري مقابل التأييد السياسي السوري للمقاومة داخل سوريا، والتأييد السوري العسكري للمقاومة خارج سوريا.

وقد اتخذت منظمة فتح مِن منظمة (الصاعقة) حليفًا لها في صراعها مع الجبهة الشعبية الفلسطينية، وهو الصراع الذي أثَّر كثيرًا على الكفاح الفلسطيني، وقد قدمت سوريا الدعم المادي للمقاومة في مواجهة الجيش الأردني، ولكن الجيش الأردني نجح في النهاية في القضاء على المقاومة في الأردن.

وصول الأسد للسلطة:

وبعد وصول (حافظ الأسد) للسلطة في سوريا في 16 نوفمبر 1970م مال النظام السوري إلى إيجاد تسوية سلمية للصراع مع إسرائيل، وشارك مع مصر والسودان وليبيا في (اتحاد الجمهوريات العربية) في أوائل 1971م، ورغم الموقف الإيجابي السوري الرسمي تجاه المقاومة فقد أبدى النظام السوري تحفظًا في علاقته بها ففرض قيوده على نشاطها على الحدود السورية بعد تصفية المقاومة في الأردن. ورغم التأييد السوري للمقاومة في لبنان، لكنه كان تأييدًا مقيدًا بألا يتسبب في استفزاز إسرائيل.

التدخل السوري في لبنان:

 مع نشوب الحرب الأهلية في لبنان 1975م ظهر تعاون سياسي وعسكري بيْن سوريا ومنظمة التحرير، ولكن مع نجاح المقاومة في لبنان والحركة الوطنية اللبنانية في مواجهتهما لحركة (الكتائب) اليمينية في لبنان -خاصة مع تفكك وضعف الجيش اللبناني- تدخل النظام السوري عسكريًّا في لبنان ضد المقاومة والحركة الوطنية اللبنانية، لتشهد الأراضي اللبنانية أول اقتتال بيْن القوات السورية والمقاومة في يونيو 1976م، وقد فسَّر البعض هذا التحول السوري -مِن تحالف مع المقاومة الفلسطينية إلى مواجهة- على أنه محاولة سورية لتحجيم المقاومة وإدراجها في التصور السوري لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، بعد ظهور خلاف بيْن الطرفين حول أفق هذه التسوية، وفسَّره البعض على أنه جاء ليمنع تقسيم لبنان، إذ خشي النظام السوري مِن لجوء القوى اليمينية في بيروت وجبل لبنان إلى إقامة دولة نصرانية؛ مما يؤثر على وضع جنوب لبنان والجولان، فساند القوى اليمينية ضد المقاومة والقوى الوطنية اللبنانية لذلك، مع التأكيد دوليًّا على أن تدخله ليس سعيًا وراء تحسين مركزه العسكري في مواجهة إسرائيل.

وقد أدت الحرب الأهلية في لبنان والتدخل السوري فيها إلى إضعاف المقاومة، والتي كانت قد شهدت تقدمًا كبيرًا بعد حرب أكتوبر 1973م؛ تمثل في الاعتراف عربيًّا بمنظمة التحرير ممثلًا للشعب الفلسطيني، وإلقاء رئيسها (ياسر عرفات) كلمة فلسطين أمام الأمم المتحدة؛ إذ تحولت المقاومة إلى طرفٍ في الحرب الأهلية، ودخلت في مواجهة مع سوريا، بل تأثرت العلاقات الداخلية للمقاومة، إذ أيد بعض قوات العاصفة وجيش التحرير الفلسطيني في سوريا (قوات حطين) التدخل السوري في لبنان، وشاركت القوات السورية فيه؛ مما أدى إلى وقوع انقسامٍ في صفوف الصاعقة وقوات حطين مِن جهة، وحدوث تقارب بيْن منظمة فتح ومنظمات الرفض الفلسطينية في مواجهة التدخل السوري مِن جهةٍ أخرى.

وقد تسبب الانقسام العميق داخل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين -إحدى منظمات الرفض- إلى الصدام المسلح بيْن أفراد الجبهة، امتد إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان، والذي ظل قائمًا حتى أبريل 1977م، حيث تم التوصل إلى اتفاق بوقف القتال بيْن الطرفين، واحتفاظ الجناح الذي يمثله (أحمد جبريل) -الأمين العام للجبهة والمؤيد للتدخل السوري- باسم (الجبهة الشعبية القيادة العامة)، بينما يحمل الجناح الآخر الذي يمثله (أبو العباس) -الرافض للتدخل- اسم: (جبهة التحرير الفلسطينية).

وقد شهدت الفترة التالية الانحسار الكامل للعمل الفلسطيني المسلح، وانتهت العلاقات السورية ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى القطيعة بينهما عام 1983م.