إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 - 1 محرم 1440هـ

حرب العاشر مِن رمضان 1393هـ (السادس مِن أكتوبر 1973م)

كتبه/ علاء بكر  

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد دفعت الأحداث مصر دفعًا إلى خوض حربٍ ضد العدو الإسرائيلي لاستعادة سيناء المحتلة، فكانت عظمة هذه الحرب أنها كانت بعد سرعة استعادة الجيش المصري لعافيته وقدرته على التعامل مع العدو المتفوق عليه في إمكانياته العسكرية والمنتشي بنصره الكاسح، والذي لم يمضِ عليه إلا نحو 6 سنوات، وكانت روعة هذه الحرب أنها جاءت مِن ضربة شاملة مفاجئة لم يتوقعها العدو أو يتنبأ بها رغم كل ما لديه مِن وسائل الاستطلاع والإنذار، وكل ما يتفاخر به مِن أجهزة المخابرات "الموساد، والمخابرات الحربية" التي تمتد أذرعها إلى كل مكان.

التطورات السياسية بعد هزيمة 1967م:

انتهت حرب يونيو 1967م بقرار وقف إطلاق النار الذي أصدره مجلس الأمن، وتم عقد مؤتمر عربي مصغر في 10-17 يوليو 1967م اشترك فيه الرئيس عبد الناصر والملك حسين، ورؤساء سوريا والعراق والجزائر والسودان لدراسة الموقف العربي، ولم يتخذ فيه أي قرارات.

ولتحديد الخطوات الواجب اتخاذها حيال الموقف كان عقد مؤتمر القمة العربي الرابع في نهاية أغسطس 1967م في العاصمة السودانية الخرطوم، والذي لم يسلم مِن الخلافات العربية رغم صعوبة الوضع؛ إذ غادره ممثل سوريا في اليوم التالي للافتتاح، ومال البعض إلى بحث الحل السلمي للقضية.

وقرر المؤتمر في نهايته:

- اللاءات الثلاث: "لا اعتراف بإسرائيل، ولا صلح معها، ولا تفاوض".

- دعم السعودية والكويت وليبيا المادي لدول المواجهة حتى يمكنها إعداد قواتها للقتال مِن جديدٍ.

ونظرًا للظروف الصعبة التي تمر بالأمة العربية تم التصالح بيْن مصر والسعودية حول المسألة اليمنية بالاتفاق على خروج القوات المصرية كاملة مِن اليمن، وترك الشعب اليمني ليقرر مصيره بنفسه، وأعلن عبد الناصر أن مصر مهددة بأزمةٍ اقتصادية في عقب فقدها عائدات بترول سيناء وعائدات قناة السويس، وحاجتها إلى إعادة بناء قواتها المسلحة.

وفي 22 نوفمبر 1967م صدر قرار مجلس الأمن رقم 242، والذي تقدمت به بريطانيا ووافق عليه مجلس الأمن بالإجماع، وحاولت فيه الدبلوماسية البريطانية وضع صيغة تجمع بيْن المواقف المتناقضة التي سادت الأمم المتحدة، وتضمن موافقة الجميع عليها.

وقد أكد القرار على:

1- انسحاب القوات الإسرائيلية مِن الأراضي العربية التي احتلتها -وفي النسخة الانجليزية مِن القرار: (أراضي احتلتها)- في يونيو1967م.

2- إنهاء حالة الحرب في المنطقة، والاعتراف بسيادة كل دولة ووحدة أراضيها، وحقها في العيش في سلام داخل حدود آمنة معترف بها، خالية مِن التهديد أو أعمال القوة.

3- التأكيد على الحاجة إلى:

- ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية في المنطقة.

- التوصل إلى تسويةٍ عادلةٍ لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

- ضمان عدم انتهاك أراضي كل دول المنطقة واستقلالها السياسي، عن طريق اتخاذ إجراءات تتضمن إنشاء مناطق منزوعة السلاح.

وقد قبلت مصر قرار 242 وكذلك الأردن ولبنان، بينما أعلنت العراق والجزائر والمنظمات الفلسطينية رفضها التام للقرار، ورفضت إسرائيل القرار لتمسكها بالاحتفاظ بالأراضي التي تضمن بها أمنها بزعمها؛ لذا قامت الأمم المتحدة بتعيين مندوب لها في المنطقة، وهو الدكتور (يارنج) سفير السويد -بوصفها بلدًا محايدًا- في الاتحاد السوفيتي لتقريب وجهات النظر بيْن الطرفين: العربي والإسرائيلي. ورغم مساندة أمريكا وروسيا لجهوده إلا أن اتصالاته لم تصل إلى حلٍّ؛ بسبب التعنت الإسرائيلي.

حرب الاستنزاف:

ومع عناد وغرور إسرائيل النابعين مِن فرط الشعور بالنصر الكبير في حرب يونيو، بدأت مصر حرب الاستنزاف على التوازي مع أعمال رجال المقاومة الفلسطينية (الفدائيين) داخل إسرائيل والأراضي المحتلة.

وكان هذا إعلانًا وتأكيدًا على:

1- أن مصر بدأت تمتص آثار الصدمة التي حلت بها في يونيو 1967م.

2- أن مصر تسعى إلى تدمير الاستحكامات التي أقامها ويقيمها العدو على الضفة الشرقية مِن القناة، وإلحاق أكبر قدرٍ ممكن مِن الخسائر في أفراده ومعداته، حتى يترك العناد وينصاع لقرارات الأمم المتحدة.

3- أن جيش مصر يهيئ أفراده ويكسبهم خبرة التعامل مع العدو بظروفه الجديدة؛ أي بدء الاستعداد للحرب القادمة مع العدو.

 4- أن جيش مصر يحيي الأمل لدى الشعب المصري خاصة "والشعوب العربية عامة" في القدرة على استعادة الأرض.

تهجير سكان مدن القناة:

وأمام التفوق الجوي لسلاح الطيران الإسرائيلي وهجماته المتكررة على منشآت وسكان مدن القناة خاصة السويس، وعدم قدرة سلاح الطيران المصري ودفاعاته الجوية على حماية المدنيين في مدن القناة مِن هذه الهجمات، تم تهجير ما يقرب مِن مليون مواطن مِن سكان مدن القناة وتوزيعهم في معظم مدن مصر وقراها المختلفة؛ لتخفيف الضغط النفسي وآثاره المعنوية على القوات المسلحة.

موقف الاتحاد السوفيتي:

تردد الاتحاد السوفيتي –وهو المصدر الرئيسي الذي يمد مصر بالسلاح منذ عام 1958م- في تعويض مصر وتزويدها بكل ما هو جديد في ترسانته الحربية مِن سلاحٍ؛ إذ رأى أن ذلك يدخله في مواجهة عسكرية مع أمريكا التي تقف بقوة خلف إسرائيل، كما أن هذا السلاح يحتاج إلى تدريبٍ طويلٍ يخشى خلاله أن تتسرب معلومات تكنولوجية عن هذه الأسلحة يعتبرها الاتحاد السوفيتي سرًّا حتى عن دول شرق أوروبا والدول الصديقة؛ فجعل إمداد مصر محصورًا في الأسلحة الدفاعية، ومنها: أعداد مِن كتائب الصواريخ (سام 2)، ومِن كتائب صواريخ (سام 3) تعمل عليها أطقم روسية لحين إتمام تدريب العناصر المصرية عليها، وطائرات الميراج 21، إلى جانب تواجد وحدة روسية (سام 6) للدفاع عن السد العالي، ذلك في الوقت الذي كانت أمريكا تمد إسرائيل بكل ما تحتاجه مِن ترسانة أسلحتها الجديدة المتقدمة والحديثة.

وقد شهدت هذه الفترة حصول السوفيت على امتيازاتٍ واسعةٍ في المواني والمطارات المصرية، وزيادة أعداد المستشارين الروس في القوات المسلحة المصرية.

وقف إطلاق النار:

بدأ الطيران المصري يستعيد كثيرًا مِن قدراته القتالية، كما أعادت مصر بناء قواعد صواريخ متقدمة على الجبهة في منتصف 1970م؛ مما عجل بموافقة إسرائيل على مبادرة (روجرز) وزير خارجية أمريكا الثانية بوقف مؤقت لإطلاق النار بعد موافقة مصر عليه، والذي بدأ فعليًّا في ليلة 7/ 8 أغسطس 1970م، مع إعادة المباحثات التي يجريها (يارنج) بيْن الطرفين: العربي والإسرائيلي مِن جديدٍ، والتي ما لبثت الحكومة الإسرائيلية أن انسحبت منها بعد ذلك تحت ضغوطٍ داخليةٍ، متعللـة بتحريك مصر لبطاريات صواريخها في الجبهة إلى الأمام أثناء الهدنة.

السادات يتولى المسئولية:

بتولي "السادات" رئاسة مصر بعد وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970م تم تجديد فترة إيقاف إطلاق النار (مبادرة روجرز) المرة تلو المرة، رغم عدم استجابة إسرائيل لجهود المبعوث الدولي (يارنج)، الذي تقدم بمبادرة للتسوية السلمية للنزاع، وافقت عليها مصر؛ رغبة في حل القضية ورفضتها إسرائيل كالعادة؛ لعدم رغبتها في القيام بأي انسحابٍ مِن الأراضي التي احتلتها في 1967م.

وفي 7 مارس 1971م رفضت مصر مد وقف إطلاق النار، مع الحاجة لتقوية القوات المصرية في مواجهة التفوق الكمي والنوعي العسكري الإسرائيلي، ولم يقدِّم الاتحاد السوفيتي ما يتناسب حجمه مع مطالب مصر مِن السلاح، مع قصر ما يمد به مصر على النواحي الدفاعية، وبما هو دون المستوي المطلوب مِن الناحية التكنولوجية في مواجهة التقدم التكنولوجي لإسرائيل.

وبدا واضحًا خلال عام 1972م اتفاق القوتين الكبيرتين: أمريكا وروسيا على بقاء الموقف في الشرق الأوسط مجمدًا على ما هو عليه، بما اتفق على تسميته بحالة: "اللا سلم، واللا حرب"، وهو ما ظهر جليًّا في البيان الختامي لمؤتمر القمة الأمريكي الروسي في مايو 1972م، والذي لم يشر إلى مشكلة الشرق الأوسط إلا بشكلٍ عابرٍ.

وبات واضحًا أن موقف الاتحاد السوفيتي أصبح مبنيًّا على:

1- الإبقاء على حالة اللا سلم واللا حرب في المنطقة.

2- الاحتفاظ بتوازن القوى في المنطقة بما يحقق ذلك.

3- اعتبار الحل السلمي بيْن الطرفين هو الحل الأمثل لمشكلة الشرق الأوسط، والترويج لذلك.

4- التلويح لمصر بأن الحرب مع إسرائيل أمر صعب للغاية، وأن خسائره المنتظرة في الجانب المصري ستكون مريرة.

ولم يكن مِن السادات إلا أن قرر في يوليو 1972م الاستغناء عن كل الخبراء السوفيت الموجودين في مصر، والاستغناء كذلك عن القوة العسكرية الروسية التي كانت تعمل على بعض معدات الصواريخ المصرية أرض/ جو من مارس 1970م، بما يعني انفراد مصر بقرار الحرب مع إسرائيل وتحمل تبعاته وحدها.

إعصار أكتوبر يفاجئ إسرائيل:

في 6 أكتوبر 1973م قامت القوات المصرية والسورية معًا بهجومهما المفاجئ على إسرائيل في سيناء والجولان؛ مما ترتب عليه هزيمة قاسية لإسرائيل، وهي أول هزيمة حقيقية لها منيت فيها بخسائر فادحةٍ، حيث بلغ القتلى والجرحى في حرب أكتوبر عشرة آلاف إسرائيلي، ولم يخلو بيت مِن بيوت إسرائيل مِن قتيلٍ أو جريح أو مفقود؛ بالإضافة إلى تدمير نحو ألف دبابة ومائتي طائرة، وخسائر مادية بنحو 7 بلايين دولار، وأظهرت الحرب بوضوح عجز الجيش الإسرائيلي عن مواجهة القوات المصرية في سيناء.

وكانت الهزيمة صدمة قوية داخل إسرائيل، ترتب عليها إنهاء (جولدا مائير) -رئيسة وزراء إسرائيل وقتها- لحياتها السياسية، وتوجيه اللوم الشديد رسميًّا للقيادات العسكرية، ولأجهزة المخابرات الإسرائيلية للمسؤولية عن الهزيمة.

سلاح البترول العربي في المعركة:

أظهرت حرب أكتوبر مقدرة العرب على استخدام البترول كسلاحٍ فعالٍ، حيث تم وقف ضخ البترول العربي للدول الغربية تضامنًا مع مصر وسوريا في حربهما؛ مما أثر تأثيرًا بالغًا على الدول الأوروبية، ففي ألمانيا الغربية تعطل العمل في عددٍ مِن أكبر مصانعها، وفي الدنمارك ألغيت مناورات عسكرية كانت مقررة في النصف الثاني مِن ديسمبر 1973م، وفي فرنسا أعلنت شركة (ستروين) إغلاق مصانعهما لمدة أسبوعين؛ مما أدى إلى بقاء 40 ألف عامل بلا عمل خلال هذه الفترة، وامتد أثر نقص الضخ للبترول العربي على أمريكا وأوروبا واليابان طوال شتاء هذا العام.

بدء الحرب:

استعد الجيش المصري استعدادًا جيدًا للحرب مِن خلال التدريبات الشاقة على مدار 6 أعوام، قامت فيها القيادات العسكرية التي تولت المسؤولية في مصر بجهودٍ عظيمةٍ للإعداد للمعركة الحتمية المرتقبة لتحرير سيناء، بدءًا مِن الفريق أول "محمد فوزي" وزير الحربية بعد هزيمة يونيو، إلى الفريق "سعد الدين الشاذلي" رئيس الأركان ومهندس حرب أكتوبر.

أنشأت إسرائيل سلسلة قوية مِن الحصون، وشبكة متكاملة مِن المنشآت الدفاعية على طول الشاطئ الشرقي لقناة السويس بطول 160 كم مِن بور فؤاد شمالًا إلى رأس مسلة على خليج السويس، وبعمق 30- 35 كم شرقًا، بما يغطي مساحة مِن الدفاعات مساحتها نحو 5000 كم مربع، تضم ملاجئ محصنة، وحقول ألغام مضادة للأفراد، ومواقع تجمع للقوات المدرعة، ومواقع للمدفعية، وقواعد صواريخ مضادة للطائرات، ومدفعية مضادة للطائرات، و240 موقعًا للمدفعية بعيدة ومتوسطة المدى؛ بالإضافة إلى بناء شبكة طرق كبيرة بطول 750 كم، ومد خطوط أنابيب للمياه، وقد أطلق على هذه التحصينات: (خط بارليف) نسبة إلى الجنرال بارليف صاحب الفكرة.

ويُضاف إلى ذلك: وجود ممر قناة السويس الملاحي الذي يعد بمفرده عائقًا ومانعًا مائيًّا طبيعيًّا تحتمي خلفه القوات الإسرائيلية شرق القناة، وقد قام الإسرائيليون ببناء ساترٍ ترابي ضخم على طول الضفة الشرقية للقناة بارتفاع 20- 25 م؛ لإخفاء التحركات الإسرائيلية، وإعاقة أي عبور للأفراد أوالمركبات البرمائية، حيث أقيم بميلٍ حادٍّ يصعب على الأفراد تسلقه.

خطة العبور للعائق المائي:

تولى الفريق "سعد الدين الشاذلي" رئاسة أركان القوات المسلحة بتكليفٍ مِن "السادات"؛ لما عُرف عنه مِن حرفيته الحربية العالية، فوضع خطة عبور القناة وتحطيم خط بارليف، وقد تم تكريمه بمنح اسمه قلادة النيل في 2012م في الذكرى 39 لنصر أكتوبر.

وقد قام اللواء "عبد الغني الجمسي" -رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة وقتها- بعمل دراسةٍ دقيقةٍ للموقف على الجبهتين: المصرية والسورية؛ لتحديد أنسب وقتٍ لبدء العمليات الحربية على الجبهتين معًا، أعدها وقدمها مكتوبة، فيما عرف باسم: (كشكول الجمسي).

تم التخطيط للحرب بضربةٍ جويةٍ مفاجئةٍ وشاملة لكل الأهداف الهامة في عمق سيناء، مع تمهيدٍ للعبور في نفس الوقت بقصفٍ مدفعيٍ مكثفٍ على طول الجبهة، يتم خلاله عبور 2500 مِن القوارب المطاطية، تضم موجاتها الأولى قوات مشاة مدعمة بأسلحة خفيفة مضادة للدبابات، وصواريخ الكتف المضادة للطائرات والدبابات، وتزويد الجنود بحبال لتسلق الساتر الترابي، وبحبالٍ أخرى غليظة؛ لجر المدافع الثقيلة التي يتعذر حملها بواسطة الأفراد لثقلها، مع تكليف قواتٍ مِن الصاعقة بالتوجه إلى عمق سيناء وإعداد كمائن، وزرع ألغام مضادة على الطرق المتوقع قدوم دبابات العدو ومدرعاته الاحتياطية منها للتدخل في المعارك التي ستدور أثناء الاستيلاء على الحصون والنقط القوية في خط بارليف، كما عُهد إلى القوات البحرية بحماية الجانب الأيسر للقوات المصرية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب المشاركة في قصف الأهداف الهامة للعدو في الساحل الشمالي، وحماية جنوب القوات المصرية على البحر الأحمر.

وقد نجحت القوات المصرية في تنفيذ هذه الخطة في وقتٍ وجيزٍ، ورفع الأعلام المصرية على الشاطئ الشرقي للقناة، وقد أعلن في البيان السابع مِن القيادة العامة للقوات المسلحة في مساء نفس اليوم عن عبور مانع قناة السويس إلى الشاطئ الشرقي للقناة على طول خط المواجهة، واقتحام خط بارليف والدخول في اشتباكاتٍ مع العدو داخل سيناء لتحرير باقي الأرض.

اقتحام القناة وخط بارليف:

عَبَر الجنود المصريون القناة بقواربهم المطاطية في موجاتٍ متتابعةٍ بعد أن ساروا بقواربهم مسافة طويلة مِن أماكن تمركز وحداتهم على بعد كيلومترات مِن حافة القناة، واعتلوا الساتر الترابي لخط بارليف تحت غطاءٍ مِن القصف المدفعي المركز لأكثر مِن 2000 مدفع أطلقت أكثر مِن 10500 دانة مدفعية على مواقع وتحصينات ودشم وبطول 160 كم، في واحدة مِن أكبر عمليات التمهيد النيراني في التاريخ، أجبرت قوات العدو على الاحتماء بالملاجئ داخل المواقع والحصون؛ مما ساهم في تسهيل عملية العبور، وحصار حصون خط بارليف.

انتهت القصفة الأولى للمدفعية الساعة 20و2 ظهرًا، وبعمقٍ وصل إلى 5و1 كم خلف الساتر الترابي، في الوقت التي قصفت فيه 220 طائرة مصرية مركز قيادة العدو وبعض مناطق الشئون الإدارية، وقواعده الجوية ومطاراته الحربية في عمق سيناء؛ لإرباك قيادات العدو وطيرانه، وقصفت مواقع الصواريخ المضادة للطائرات والمدفعيات بعيدة المدى، فنجحت بكفاءةٍ في تدمير مركز القيادة الرئيسي لقوات العدو وشل قدراته.

وقد بلغ عدد الذين عبروا في الدقائق الأولى 8000 مقاتل، ازدادوا إلى 14000 مقاتل بعد ساعة ونصف ساعة، وازدادوا إلى 33000 مقاتل بعد خمس ساعات، وقد قام سلاح المهندسين العسكريين بتشغيل طلمبات جذبت المياه مِن القناة، وأحدثت عشرات الثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف، وقامت وحدات الكباري بتركيب الكباري مِن الصفة الغربية إلى الضفة الشرقية للقناة أمام الثغرات التي تم فتحها، حيث اندفعت الدبابات والعربات المجنزرة والمعدات الثقيلة على الكباري للعبور إلى الشاطئ الشرقي للقناة، كما قامت مجموعة مِن القوات الخاصة بتعطيل الأجهزة المخصصة لإشعال مياه القناة بالنابالم الحارق عند عبور المصريين للقناة، وقد حاولت قوات العدو ضرب الكباري والمعديات على امتداد القناة، ولكن قوات الدفاع الجوي المصرية تصدت لها بقوةٍ ومنعتها مِن تحقيق هدفها.

كما قامت القوات البحرية بقصف أهدافٍ هامة في شمال سيناء مِن البحر الأبيض، ومِن جنوب سيناء مِن البحر الأحمر، كما قامت باعتراض السفن الإسرائيلية، ووقف إمدادات البترول لإسرائيل، وقامت قوات خاصة مِن الصاعقة والمظلات بالتقدم خلف خطوط العدو في عمق سيناء؛ لتعطيل أي تقدم أو هجوم مضادٍّ مِن احتياطات العدو يعرقل عبور وتقدم القوات المصرية التي ما زالت تعبر القناة، وقد قامت تلك القوات بمهامها على خير وجهٍ، حيث دمرت الكثير مِن دبابات ومدرعات العدو.

وفي صباح 7 أكتوبر بدأ الطيران الإسرائيلي -بعد أن زالت عنه الصدمة- في مهاجمة قواعد الصواريخ المصرية ومناطق الكباري والمعابر على القناة، وفشلت هجماته بعد تكبد خسائر فادحة، وفي صباح 8 أكتوبر كرر هجماته على رؤوس الكباري في شرق القناة شمال الإسماعيلية، وفشلت الهجمات مع تكبده لخسائر فادحة، وفي هذا اليوم أنهت القوات المصرية تدمير وتصفية جميع النقاط القوية للعدو، وثبتت أقدامها على الضفة الشرقية للقناة، وبدأت تتقدم في عمق سيناء، واستكملت تحرير مدينة القنطرة شرق، ورفع الأعلام المصرية على أبنيتها بعد تطهيرها مِن قوات العدو.

ومع الفشل في اختراق الدفاعات المصرية وسقوط خط بارليف والمواقع الحصينة في شرق القناة وبدء الدخول في عمق سيناء اضطرت (جولدا مائير) إلى طلب النجدة السريعة مِن أمريكا لإنقاذ إسرائيل، وبالفعل قامت أمريكا بإنشاء أكبر جسر جوي في التاريخ؛ لتعويض إسرائيل عن كل ما فقدته مِن دبابات ومعدات، وتزويدها بأحدث ما في الترسانة الأمريكية مِن سلاحٍ.

صد الهجوم الإسرائيلي المضاد:

استمر تفوق القوات المصرية والسورية يومي 7 و8 أكتوبر واكتسابهما للأرض، وفي 8 أكتوبر بدأ الهجوم الإسرائيلي المضاد في داخل سيناء، والذي جاء متأخرًا عما كانت توقعته القيادة المصرية؛ لذا تم صده، بل وتدمير نحو 250 دبابة إسرائيلية، وكرر العدو هجومه المضاد يوم 9 أكتوبر، فتم للمرة الثانية تدمير عدد كبير مِن دباباته، ولم يكن في قدرة إسرائيل مواصلة القتال على الجبهتين: المصرية والسورية بكفاءةٍ في وقتٍ واحدٍ، فجاء فشل الهجوم المضاد على القوات المصرية، ثم الهدوء النسبي على الجبهة المصرية حيث أرادت إسرائيل تركيز هجومها المضاد على القوات السورية لاستعادة ما فقدته في الجولان.

تطوير الهجوم المصري شرق القناة:

طورت مصر هجومها شرق القناة في يوم 14 أكتوبر -لجذب مزيدٍ مِن القوات الإسرائيلية للجبهة المصرية وبالتالي تخفيف الضغط على الجبهة السورية- فشنت هجماتٍ جويةٍ ضد أهداف العدو في عمق سيناء، وقصفت مواقعه بالمدفعية.

وقد شهد يوم 14 أكتوبر واحدة مِن أكبر وأشرس وأطول المعارك الجوية تصدى فيها الطيران المصري للعشرات مِن الطائرات الإسرائيلية التي حاولت مهاجمة المطارات المصرية في شمال الدلتا، وأسقط للعدو عددًا كبيرًا مِن طائراته (الفانتوم)، ويُعد هذا اليوم مِن أمجد أيام القوات الجوية؛ لما قدمته في هذه المعركة مِن بطولةٍ فائقةٍ.

صد الهجوم الإسرائيلي المضاد الثاني:

حيث هاجمت القوات الإسرائيلية القوات المصرية بمختلف أسلحتها في الفترة مِن 15 إلى 17 أكتوبر، فتصدت لها القوات المصرية، وكبدتها خسائر فادحة.

ثغرة الدفرسوار:  

ركزت القوات الإسرائيلية جهودها على اختراق دفاعات القوات المصرية ودفع قواتها باتجاه غرب القناة، واستطاعت بمساعدة أجهزة التجسس الأمريكية مِن اكتشاف مسافة خالية بيْن الجيشين الثاني الميداني والثالث جنوب الإسماعيلية عند منطقة (الدفرسوار) نشأت نتيجة تحركات تطوير الهجوم المصري، فأحدثت فيها ثغرة هاجمت ما فيها مِن مواقع للدفاع الجوي فدمرتها؛ مما أتاح لها التحرك بحرية، وتم دفع قوات إسرائيلية صغيرة غرب القناة في منطقةٍ خاليةٍ مِن القوات التي كانت قد تحركت شرقًا للمشاركة في عملية تطوير الهجوم.

ومع قرب صدور قرار مِن مجلس الأمن لوقف إطلاق النار سارعت إسرائيل بالدفع بأعدادٍ كبيرةٍ مِن قواتها في الثغرة غرب القناة، ولتحقيق نجاحٍ يفسد على مصر انتصارها تحركت شمالًا؛ للاستيلاء على مدينة الإسماعيلية فتم التصدي لها، فاضطرت إلى وقف الهجوم وأصبحت قواتها محاصرة، فاتجهت جنوبًا في محاولة للاستيلاء على مدينة السويس في 24 أكتوبر، ولكنها فشلت في مواجهة المقاومة الشعبية في المدينة، ثم عاودت الهجوم وسرعان ما أجبرت على الانسحاب مِن بعض المناطق التي دخلتها في المدينة.

ورغم صدور قرار وقف إطلاق النار، وتظاهر إسرائيل بقبوله؛ فإنها عاودت الهجوم على السويس في 28 أكتوبر ففشلت مِن جديدٍ، وأصبحت القوات الإسرائيلية في الثغرة تحت حصار القوات المصرية مع توقف إطلاق النار، لتبدأ مفاوضات ما بعد الحرب، ومباحثات فض الاشتباك بيْن الطرفين.