إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 09 سبتمبر 2018 - 29 ذو الحجة 1439هـ

مِن معالم النصر في حدث الهجرة

كتبه/ حسني المصري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعندما يقرأ المرء سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ويتأمل في حدث الهجرة، ويقرأ تلك التفاصيل التي ربما تغيب عمَن يقرأ قراءة عابرة، يدرك حينها المتأمل ترابط الأحداث منذ لحظة البعثة النبوية في غار حراء، وأن هذه الرسالة سوف تصل للغاية التي أرادها الله -عز وجل-، وأن هذا الدين سيعم أرجاء الكون، ورايته ستعلو فوق كل هامات الأرض، فالقوة التي لا تقف أمامها قوة هي قوة الله الملك والمالك لكل مَن ملك، القاهر فوق عباده، الغالب لمَن يظن في لحظة انتشائه أنه غلب.

وتتابع الأحداث منذ البعثة وحتى حدث الهجرة يؤكد للعالمين هذه الحقائق، وإن أنكرها مَن أنكرها أو أراد تعويقها بمحاولاتٍ مستمرة ودؤوبة، وبذلٍ للجهد والوقت والمال، وتشويه وتزييف واستهزاء، وتضييق وإيذاء وحصار، وحتى قتل وسجن وتعذيب للمستضعفين.

والرسالة تشق طريقها فتنير قلوب المؤمنين حتى تهون عليهم أنفسهم وحياتهم، ولا يحيدون، وكيف ينكص على عقبيه مَن أبصر النور بعد الظلمة، وتنسم الحرية بعد العبودية، وأدرك الحق بعد الباطل؟!

ولم يجد المشركون بدًّا فسلطانهم أوشك على الزوال، وزيفهم سينكشف، وباطلهم سيزهق؛ فقرروا أسوأ قرار في التاريخ؛ أن يتخلصوا مِن صاحب الدعوة، فتموت الرسالة!

فاجتمعوا ويا لشؤم اجتماعهم! وغدروا ويا لفحش غدرهم! وذهبوا إلى بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منتشين بفرحة النصر الآتية بعد لحظاتٍ... هكذا أوعدهم الشيطان! كانت خطتهم محكمة، دبروا أمرهم، وجمعوا رجالهم، وسلوا سيوفهم.

وفي الوقت الذي ظنوا فيه أنهم أحكموا قبضتهم وانتصروا في قضيتهم وعاد لهم سلطانهم؛ خاب سعيهم، وانتهى أمرهم، ونكست أعلامهم وراياتهم إلى الأبد، وتلك كانت البداية لذلك.

فقد غاب عنهم أن في مقابلة خطتهم، خطة أخرى يدبرها الله القوي العزيز لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، فهزموا ساعة تصوروا أنهم انتصروا، وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن بيْن الصناديد المغاوير لم يمسه غبار، خرج في طريق الهجرة لتكون تلك الخطوات هي أولى خطوات العودة إلى مكة "البلد الحرام"، لكنها عودة مزهوة برايات الانتصار لا انتصار أمة على أمة في معارك الحياة الأرضية، لكنه انتصار التوحيد على الشرك، والإيمان على الكفر، والحق الظاهر على الباطل المخذول.

إذن لم تكن الهجرة فرارًا بقدر ما كانت انتصارًا، ولم تكن هروبًا، ولكنها كانت استعدادًا، ولم تكن نهاية لمرحلةٍ بقدر ما كانت بداية لمرحلة أعظم في بناء أمة تحمل الحق لتنشره فتُسعد به الخلق؛ أمة لديها مِن نور الرسالة وهداية الدعوة ما لو أخذت به؛ لكانت أسعد الأمم، وما لو قامت به بيْن الناس لسعدت به البشرية أمنًا وسلمًا، وأمانًا واطمئنانًا، وسعادة ورضا.

والحمد لله رب العالمين.