إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 02 سبتمبر 2018 - 22 ذو الحجة 1439هـ

التوازن في البلاغ والبناء (1)

كتبه/ نور الدين عيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

 فعلى أهل العلم والدعاة القدر الأكبر في البناء، كما أن لهم الأجر الأعظم يوم الحصاد، فدلالتهم ملاط الحمال، وأعمدة الجدران، وحصيرة البنيان، فأمانتهم أوثق، وحملهم أثقل، وإليك البيان: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب:72)، واذكر ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال:27)، فعملكم عمل مِن شرف قبلكم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (الأحزاب:45-46).

أولاً: التوازن في البلاغ:

فمما تجدر الإشارة إليه أولًا هو التوازن الداخلي عند الداعية: فختم الرسالة بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- له سمات ودلائل، منها كمال شرعته وتتميمها لما سبقها، قال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (المائدة:48-49).

وعن أبي هريرة أن النبي قال: (مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) (متفق عليه).

قال ابن الجوزي: "اعلم أن بدء الشرائع كان على التخفيف، فلا يعرف في شرع نوح وهود وصالح وإبراهيم تثقيل، ثم جاء موسى بالتشديد والإثقال، وجاء عيسى بنحوٍ مِن ذلك، وجاءت شريعة نبينا -صلى الله عليه وسلم- تنسخ تشديد أهل الكتاب، ولا تطلق في تسهيل مَن كان قبلهم، فهي على غايةٍ مِن الاعتدال مع ما تحوي مِن محاسن الآداب، وتلقيح العقول وتعليم الفطنة، وتدل على استنباط خفي المعاني، إلى غير ذلك مما لم يكن فيما تقدم" (كشف مشكل الصحيحين).

فهذه سمة الرسالة الخاتمة، فلا ينبغي للداعية أن يحمل الناس على الشطط أو التساهل، بل أمانة البلاغ إما أن ينجو بها أو يصير أهلك الخلق بتحريفه لها، فلا الضغوط تسوغ له تحريف المنهج المستأمن عليه، ولا رفض الناس له سبب لترخيص التسيب لهم، بل يبلغ بحرص عليهم، ويذكر توقيعه عن شرعه، وبلاغه عن ربه ونبيه -صلى الله عليه وسلم-، وليذكر توصيفه وموقعه، فلا هو الرب ولا المشرع، وإن تعدى أخذ بعظيم جريرته، قال الله متوعدًا: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقة:44-46)، وقال الله رب العالمين: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة:67).

هل سمعت ما قيل؟! (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ).

فإياك أن تظن أن أذى الناس مسوغ لعدم البلاغ الحق بلا تحريفٍ أو كتمانٍ (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، فوازن بيْن بلاغ الدين وعدم التفات قلبك لرضا الناس أو سخطهم.

والله أسأل أن يرفعنا ببلاغ الدين والاستعمال في طاعته.

والحمد لله رب العالمين.