إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 26 أغسطس 2018 - 15 ذو الحجة 1439هـ

الضوابط الإلهية لتولي المناصب القيادية (2)

كتبه/ عبد العاطي خنيسة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

القوة والأمانة:

القوة بكل ما تعنيه الكلمة:

أولًا: القوة البدنية التي تمكنه مِن إدارة المؤسسة.

ثانيًا: القوة على النفس مِن الحلم والصبر، والأناة وضبط النفس، وعدم التأثر في اتخاذ القرارات بالانفعالات النفسية أو الأهواء الشخصية، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ -أي ليس الذي يصرع الناس بقوته البدنية- إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ) (متفق عليه).

ثالثًا: القوة على الغير لكفاءته ومهاراته التي تستلزمها المؤسسة التي يديرها مِن خبراتٍ إدارية وعملية تؤهله للقيام بالمسئولية.

الأمانة:

الأمانة هي الجناح الآخر الذي سقط وضعف عند كثيرٍ مِن الخلق، وندر أصحابه في هذا الزمان ولم يتوصل إلى أصحابه إلا بالبحث والتنقيب (أخفياء) كالباحث عن اللآلئ في الصحراء، وتنبه لذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: (إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) (رواه البخاري).

الأمانة بمفهومها الواسع:

- الأمانة في حفظ الممتلكات والأموال والأعراض.

- الأمانة في حفظ الأقوال والأخبار والبيانات.

- الأمانة في النصح والإرشاد والدلالة.

- الأمانة في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وفق معايير المفاضلة (مِن إتقان العمل والقوة إلى جانب الصلاح والتقوى).

والساعة التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث عند ضياع الأمانة هي: انتظار ساعة الفشل والضياع، وإهدار الأموال وانهيار المؤسسات وانتهاك الحرمات، وفسر النبي أن ضياع الأمانة هو إسناد الأمر إلى غير أهله، وهو الخلل في معايير الاختيار: (القوة والأمانة).

وهو عين ما نعانيه في كثيرٍ مِن المصالح والمؤسسات عندما يُسند الأمر إلى غير أهله، ثم نبكي ونتباكى على فشل المؤسسات وخسارتها، وإهدار الملايين وضياع المليارات مِن قوت المساكين! وتطالعنا الصحف ليلًا ونهارًا بفشل إدارات وتعثر مؤسسات وانهيار أخرى واختلاس وارتشاء وزراء ورؤساء مصالح بالملايين، والأمر يرجع في البداية كله إلى أن هناك خللًا في معايير اختيار المناصب القيادية.

- الأمر الذي حدا بكثيرٍ مِن الخبراء والمهتمين بمكافحة الفساد إلى إعادة النظر في القوانين والتشريعات ووضع إستراتيجيات لمكافحة الفساد وإنشاء مفوضية لمكافحة الفساد، ومطالبة البرلمان بتشريع قوانين لمكافحة الفساد، ثم نفاجأ بفساد بعض النواب المشرعين.

- وآخرون ينادون بضرورة تدريس نظريات ومظاهر الفساد الإداري في المعاهد والجامعات، وعمل دورات تثقيفية في الشفافية والنزاهة.

- وآخرون ينادون بضرورة تكثيف الجهات الرقابية على المؤسسات؛ فليعلم هؤلاء لو أتينا بمائة رقيب يراقب، بل ألف رقيب دون اختيار الأمناء في قيادة وإدارة المؤسسات، فنحن واهمون بانتظار صلاح البلاد والعباد.

- الأمر أيسر مِن ذلك بكثيرٍ، وهو تطبيق الضوابط الإلهية (القوة والأمانة) لتولي المناصب القيادية، وذلك بصناعة الأمناء قبْل صناعة الخبراء.

وإليكم هذه القصة: "ثري سعودي يملك مؤسسة كبيرة أتى بخبيرٍ أجنبي لإدارتها، وكان يعمل تحت يده عشرة مساعدين سعوديين، وبعد نماء المؤسسة وتوسعها أراد هذا الخبير أن يترك عمله ويعود إلى وطنه، وأخبر صاحب المؤسسة أن لديه عشرة مساعدين يستطيع أي واحد منهم أن يدير هذه المؤسسة، فأسند إليه الاختيار وجمعهم جميعًا للاختيار، وكان كل واحد منهم على شغف أن يكون هو مدير المؤسسة وأعطى كل واحد منهم شالية للزرع وبذور لنبات واحد، وقال لهم: إن استطاع واحد منكم أن يأتيني بعد شهرين بأفضل نبتة للزرع فهو مدير المؤسسة، فاستغرب الجميع! ما علاقة الزرع بإدارة المؤسسة؟!  

وما كان عليهم إلا أن يستجيبوا لطلبه، فأخذ كل واحد منهم يتعهد الزرع والنبتة حتى أتى الميعاد المحدد لاختيار أفضل نبتة فيكون صاحبها هو مدير المؤسسة؛ إلا أن أحدهم لم تنبت نبتته بعد تعهده لها وبذل كل المحاولات لإنباتها؛ إلا أنه فوض أمره وأتى بالشالية خالية تمامًا مِن النبتة فنظر الرجل (الخبير الأجنبي) للعشر شاليات، وقال: مدير المؤسسة هو صاحب الشالية الخالية مِن النبت، فصاح الآخرون اعتراضًا: لماذا؟! قال: لأن النبتة التي أعطيتها إياكم كلها فاسدة، وأنتم غيرتم النباتات وهو كان أمينًا لم يغيرها، فهو أفضل مدير للمؤسسة!".

فهلا فعلنا مثل فعل هذا في اختيار قادة مؤسساتنا؟!

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) (هود:88).

والله مِن وراء القصد.