إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 19 أغسطس 2018 - 8 ذو الحجة 1439هـ

عِبَرٌ من التاريخ... أما هذا فقد قضى ما عليه

كتبه/ رجب صابر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فتاريخ أمتنا حافل بالمواقف العظيمة في الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومِن هذه المواقف ما ثبت عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ" قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ -وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ- فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا المُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ، فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلاَةِ"، فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ، فَقَالَ أَبَا سَعِيدٍ: "قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ"، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لاَ أَعْلَمُ، فَقَالَ: "إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ" (متفق عليه).

وعن أبي سعيد الخدري قال: "أَخْرَجَ مَرْوَانُ الْمِنْبَرَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُخْرَجُ بِهِ، وَبَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُبْدَأُ بِهَا، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٍ فَقَالَ: يَا مَرْوَانُ خَالَفْتَ السُّنَّةَ، أَخْرَجْتَ الْمِنْبَرَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، وَلَمْ يَكُ يُخْرَجُ بِهِ فِي يَوْمِ عِيدٍ، وَبَدَأْتَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُبْدَأُ بِهَا قَالَ: فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَالَ: فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِيَدِهِ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) (رواه مسلم وأحمد واللفظ له).

فانظر كيف وقع إنكار المنكر على الأمير مروان، فمرة وقع الإنكار مِن أبي سعيد الخدري، ومرة وقع مِن رجل، وأقره أبو سعيد! وإذا قضى هذا الرجل ما عليه فلا يضره أنه ذُكِرَ مبهما: "فلان بن فلان!"، فأيًّا مَن كان فإن الله يعلمه.

وتأمل كيف كان صدعهم بالحق ونصحهم لهذا الأمير وسط هذا الجمع الكبير، ففي الحديث الأول أن أبا سعيد أنكر باليد واللسان، وفي الحديث الثاني أن الرجل أنكر باللسان.

ويا عجبًا لأحوال المسلمين اليوم كيف كثرت فيهم المنكرات وقلَّ منهم مَن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في أمور هي مِن المستطاع؟!

فمَن مِنَّا قضى ما عليه؟!

اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهديين.

وكم في التاريخ من عِبَرٍ، فاعتبروا يا أولي الأبصار.