إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 16 أغسطس 2018 - 5 ذو الحجة 1439هـ

الضوابط الإلهية لتولي المناصب القيادية (1)

كتبه/ عبد العاطي خنيسة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكر الله -سبحانه- مِن قصة ابنتي شعيب مع موسى -عليه السلام-: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص:26).

وجاءت الآية ضمن قصة موسى -عليه السلام- مع شعيب الذي كان عاجزًا عن العمل، فخرجت ابنتاه للسقيا -سقاية البعير والأغنام-، ولكثرة الرعاء حول البئر طال انتظار الفتاتين؛ إلا أن شهامة موسى -عليه السلام- وما يحمله مِن مقومات شخصية حملتاه على المبادرة مِن غير أن ينتظر سؤالهما للسقيا، وبقوته اخترق صفوف الرجال وسقا لهما، فلما سقى لهما وقضى حاجتهما فرجعا إلى الأب فقصا عليه مِن شأن موسى، وما حباه الله مِن قوةٍ بدنية، وسمات أخلاقية، وأمانة في حفظ المال والعرض، (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ).

- صاحب المؤسسة وصاحب القرار: شعيب -عليه السلام-.

- الأجير الذي يتولى إدارة المؤسسة ورعاية البنات: موسى -عليه السلام-.

- الجامع للاستخبارات والبيانات: ابنتا شعيب.

- معايير اختيار مدير المؤسسة: القوة والأمانة.

ومِن قصة يوسف -عليه السلام- وهو يعرض نفسه على الملك: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف:55)، لتولي وزارة الخزانة وهو المزكى مِن قِبَل الخالق لا مِن قِبَل المخلوق بالعلم والخبرة وحفظ الأمانة (حَفِيظٌ عَلِيمٌ)؛ حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني.

وأرى السر في عرض نفسه على الملك لعلمه بطغيان الملك مع رغبة الملك في صلاح البلاد، فتلاقت رغبة يوسف مع رغبة الملك في الصلاح.

ولما أطلعه الله على الخطر الداهم الذي أوشك أن يدهم مصر فيأكل الأخضر واليابس فطلبه مِن أجل مصلحة رأى أنه لا يقوم بها أحد سواه، وأنه في حالة تولي غيره المسئولية سيفسد في الأرض.

والمعني هنا هو مؤهلات يوسف -عليه السلام- لتولي وزارة الخزانة، وهي حفظه بما يتولى مِن مؤسسات، وعلمه وخبرته بإدارتها، وهما شرطا القوة والأمانة.

ولما برع يوسف -عليه السلام- في هذه المهمة براعة فائقة؛ أعطاه الملك رتبة "مكين أمين"، قال -تعالى-: )قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) (يوسف:54).

فكم مِن الأخيار عندنا لديهم رغبة يوسف، وعندهم مِن القوة والأمانة، ولكن حيل بينهم وبينها!

فكم وزير لدينا يستحق هذه الرتبة (مَكِينٌ أَمِينٌ)؟!

القوة والأمانة جناحا طائرٍ يطير بهما كل مدير ناجح، وكل وزير ناجح، وكل رئيس مؤسسة ناجح؛ فكم مِن ناجح صعد إلى السماء بأجنحةٍ كرتونية واهمًا نفسه أو غيره أنه يمتلك مقومات الاختيار "القوة والأمانة"، وسرعان ما تحطمت تلك الأجنحة، وهوى بنفسه وغيره في البرك والمستنقعات وكانت فتنة!