إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 01 أغسطس 2018 - 19 ذو القعدة 1439هـ

حرب الاستنزاف (حرب الألف يوم!)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فحرب الاستنزاف هي حرب (الألف يوم) التي تلت هزيمة يونيو 1967م، وقد عملت مصر في الفترة مِن 1967م إلى عام 1973م في اتجاهين متكاملين:

الأول: تكثيف الجهود الدبلوماسية على الصعيد الدولي والعربي بهدف:

1- إيجاد الرأي العام الدولي المؤيد أو المتعاطف مع حق العرب في تحرير أراضيهم المغتصبة.

2- التأكيد على إيجاد حل عادل للمشكلة الفلسطينية، والمحافظة على الحقوق المشروعة لشعب فلسطين، وحقه في تقرير مصيره.

3- تنقية الأجواء العربية مِن عدم الثقة، وتصفية الخلافات وتوحيد الصف.

الثاني: إعداد الدولة للحرب من خلال:

1- دعم القوات المسلحة بكل ما تحتاجه مِن أسلحة حديثة وقوى بشرية وأموال لإعادة الثقة في الجيش المصري، والتصدي لأي محاولات إسرائيلية للعربدة في المنطقة.

2- إصلاح الجبهة الداخلية بالقضاء على مراكز القوى، وإقرار دستور دائم للبلاد في عام 1971م.

3- التنسيق المشترك عسكريًّا مع سوريا.

مصر مِن الصمود إلى التحدي:

بعد انتهاء حرب يونيو وبعد اعتقال المشير عبد الحكيم عامر ثم انتحاره -طبقًا لما أذيع رسميًّا وقتها- تقلد الفريق (محمد فوزي) القيادة، لتبدأ فترة حرب الاستنزاف، والتي مرت بثلاث مراحل:

1- مرحلة الصمود: والتي تم فيها إعادة بناء الجيش المصري، ووضع هيكله الدفاعي، وتوفيق الأوضاع الدفاعية عن الضفة الغربية لقناة السويس، واستمرت هذه المرحلة مِن يونيو 1967م إلى أغسطس 1968م، وشهدت هذه المرحلة العديد مِن المعارك التي أثبت فيها المقاتل المصري قوته وكفاءته، بعد أن شكك الكثيرون فيها بعد الهزيمة المريرة في يونيو 1967م. ومنها: معركة (رأس العش) في أول يوليو 1967م، وإغراق المدمرة الإسرائيلية (إيلات) في 21 أكتوبر 1967م.

2- مرحلة المواجهة (أو الدفاع النشط): والتي تم فيها تنشيط الجبهة بالاشتباكات المدفعية مع القوات الإسرائيلية في الخطوط الأمامية على الضفة الشرقية للقناة؛ لتقييد تحركات القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، واستمرت هذه المرحلة مِن سبتمبر 1968م إلى فبراير 1969م.

3- مرحلة التحدي (مرحلة الاستنزاف): والتي تكرر فيها كثيرًا عبور أفراد أو مجموعات مِن القوات المصرية للقناة وإغارتهم على القوات الإسرائيلية في عمق سيناء؛ لتكبيد إسرائيل خسائر في الأفراد والمعدات تدرك معها إسرائيل أن احتلالها لسيناء وبقائها فيها سيكلفها خسائر وتضحيات لابد وأن تدفعها وتتحملها، إلى جانب رفع الروح المعنوية للجيش المصري وإعداده معنويًّا لمعركة التحرير.

وقد تصاعد عبور القوات المصرية والإغارة على أهداف إسرائيلية محددة داخل سيناء المحتلة وتطورت، وتدرجت هذه العمليات حتى بلغت عبور كتيبة إلى الضفة الشرقية في أحدى هذه العمليات، وقد استمرت هذه المرحلة مِن مارس 1969م إلى أغسطس 1970م.

 تنبيه: (يقصر البعض حرب الاستنزاف على المرحلتين الثانية والثالثة فقط).

وقد جاء توقف حرب الاستنزاف بعد موافقة جمال عبد الناصر على (مبادرة روجرز) الأمريكية للسلام وتهدئة الأوضاع على جبهات القتال، وهي الفترة التي أتمت فيها القوات المسلحة المصرية بناء حائط صواريخ الدفاع الجوي لتمنع الطائرات الإسرائيلية مِن مهاجمة الضفة الغربية للقناة أو القيام بضرب عمق الأراضي المصرية، ومع تساقط الطائرات الإسرائيلية تباعًا توقفت بالفعل هجماتها على منطقة القناة بعدها.

ويؤكد الخبراء العسكريون على أن حرب الاستنزاف هي التي مهدت الطريق لنصر أكتوبر بما شهدته مِن عمل متواصل وجهد مثمر في إعادة بناء القوات المسلحة على أسسٍ علميةٍ، وبناء حائط الصواريخ، وقد شهدت هذه الفترة العديد مِن المعارك والاشتباكات الشهيرة، ومنها:

معركة (رأس العش):

في 10 يونيو 1967م -أي بعد الهزيمة مباشرة- تم تكليف قوة مِن الصاعقة بإيقاف أي تقدم للعدو قي اتجاه "بور فؤاد"، ومنع وصول القوات الإسرائيلية إليها أو احتلالها، وذلك بالتصدي لهم بالقوة في منطقة رأس العش، على بعد 16 كم جنوب بور فؤاد؛ إذ إن الاستيلاء على "بور فؤاد" يعني استيلاء إسرائيل الكامل على كل الشاطئ الشرقي للقناة بعد أن وصلت القوات الإسرائيلية إلى شرق مدينة السويس في جنوب القناة؛ مما يمكنها بعد ذلك مِن عبور القناة والاستيلاء على مدينة "بورسعيد"، وبالفعل تحركت القوات الإسرائيلية في اتجاه بور فؤاد، ووصلت إلى رأس العش في آخر ساعات نهار يوم 30 يونيو، فوجدت قوة مصرية اتخذت مواقعها الدفاعية في انتظارهم.

كانت القوة المصرية مكونة مِن ملازم حديث التخرج مِن الكلية الحربية، يعاونه ملازم آخر يقود مجموعتي مدفعين مضادين للدبابات؛ كل مجموعة مكونة مِن 10 جنود، ومعهما رقيب يقود 20 مقاتلًا مِن رجال الصاعقة مسلحين برشاشاتٍ شخصيةٍ خفيفةٍ، وعددٍ مِن صواريخ (آر. بي . جي)، تسلموها قبْل المعركة بيومين فقط، ولم يجربوها إلا مرة واحدة! وهي الصواريخ المضادة للدبابات التي كانت أهم مفاجآت المعارك في سيناء بعد ذلك خاصة في حرب أكتوبر 1973م.

اتخذت القوات الإسرائيلية تشكيل قتال على بعد 100 متر في مواجهة الموقع المصري، وبعد فترةٍ مِن الصمت جاءت مروحية إسرائيلية لاستطلاع الموقع المصري، أعقبها قدوم طائرتي ميراج إسرائيليتين مِن الشرق تجاه الموقع في علو منخفض وبسرعة عالية ثم عادا تجاه الشرق، فلم يأبه رجال القوة المصرية بذلك، وتمسكوا بموقعهم، رافضين الهرب أو الاستسلام، رغم نداءات الإسرائيليين لهم باللغة العربية عبْر ميكروفون بالاستسلام، وقبْل غروب الشمس ودخول الليل تعجل الإسرائيليون الهجوم، و بدأت الاشتباكات، ومع اقتراب أول دبابة إسرائيلية لمرمى النيران المؤثر تم تدميرها بصاروخ (آر. بي . جي)، وتعالى تكبير رجال الصاعقة فرحًا، ليحتدم القتال بيْن الطرفين حتى حلول الظلام في ليلة في الصحراء بلا قمر.

وبدأ هروب الجنود الإسرائيليين جنوبًا في اتجاه مدينة القنطرة، فتقدم بعض رجال القوة المصرية وألقوا بقنابل يدوية على المدرعات الإسرائيلية، وقد قامت المدفعية الساحلية في بورسعيد بمعاونة القوة المصرية بضرب القوات الإسرائيلية في المنطقة، وساندت القوة أيضًا بمدافعها مدمرة مصرية كانت متمركزة في ميناء بورسعيد.

ولجأ الإسرائيليون ليلًا إلى استخدام القنابل الفسفورية لإضاءة موقع القوة المصرية وكشفه، فقامت القوة بردم وتقليب كل ما أصابه الفسفور في الرمال بما فيها ملابسهم المصابة بالفسفور، وفشلت المحاولة الإسرائيلية.

وبعد ست ساعات مِن القتال المتصل -في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل- توقفت النيران الإسرائيلية، فكانت هذه المعركة بحق -كما وصفها موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها في مؤتمر صحفي بعدها- هي بداية الحرب الفعلية.

وقد استشهد مِن المصريين في هذه المعركة الخالدة 12 شهيدًا، في مقدمتهم: قائد مجموعتي المدفعين المضادين للدبابات ملازم أول -بعد ترقيته بعد الاستشهاد- محمد الجزار، واعترفت إسرائيل بمقتل خمسة مِن جنودها وجرح 30 آخرين، وبقت أمام الموقع ثلاث دبابات وثلاث عربات نصف مجنزرة محترقة، وقد تلقى قائد المجموعة المصرية رسالة عبْر اللاسلكي مِن قائد كتيبته وهو ما زال في قلب الموقع عقب انتهاء المعركة بأن الرئيس جمال عبد الناصر أمر بترقية كل المقاتلين الذين شاركوا في معركة رأس العش تقديرًا لصمودهم طوال وقت المعركة.

إغراق المدمرة الإسرائيلية (إيلات):

المدمرة (إيلات) إحدى مدمرتين بريطانيتين تم إنشاؤهما عام 1944م في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد قامت بريطانيا ببيعهما لإسرائيل بعد عام 1948م، فأطلق على المدمرة الأولى اسم (إيلات)، وهو اسم ميناء إسرائيل على خليج العقبة، وأطلق على المدمرة الثانية اسم (يافو).

حمولة المدمرة (إيلات) حوالي 2500 طن، طولها 362 قدمًا، وعرضها 35 قدمًا، عليها 50 مدفعًا بأعيرة مختلفة، منها أنابيب طوربيد، ومدافع قذائف أعماق. سرعتها 31 عقدة، وعليها 9 قوارب نجاة. يتكون طاقمها مِن 250 ضابطًا وبحارًا. وقد كانت المدمرة تحمل عند غرقها بالإضافة إلى طاقمها طلبة السنة النهائية للكلية البحرية الإسرائيلية، والذين كانوا في رحلة تدريب بحري كانت الأولى لهم والأخيرة.

قامت المدمرة إيلات ومعها أربعة لنشات حراسة في مساء ليلة 20- 21 أكتوبر بعمل مسارات دائرية على بعد 15 ميلًا بحريًّا شمال شرق مدينة (بورسعيد)، وكانت تتوغل خلال هذه المسارات لمسافة 11 ميلًا بحريًّا مِن بورسعيد بما يعني دخولها المياه الإقليمية لمصر؛ إذ أن مسافة المياه الإقليمية لأي دولة 12 ميلًا بحريًّا، ثم تعود للمياه الدولية مِن جديد في حركات استفزازية؛ إذ تعلم أن رادارات القاعدة البحرية في بورسعيد ورادارات السواحل ترصدها، وربما كانت تجس النبض تمهيدًا للقيام بعملٍ ما ضد بورسعيد، وعلى الفور تم استنفار القوات المصرية ورفع درجة استعدادها العسكري.

وقد أطالت القيادة العسكرية المصرية صبرها على استفزازات المدمرة إيلات خشية الدخول في اشتباكات بحرية كبيرة؛ إذ كانت هناك أنباء عن نقل معدات عسكرية إسرائيلية في أقصى شمال غرب سيناء (في شرق بور فؤاد)، ومصر كانت ما زالت تعيد ترتيب أوضاعها على الجبهة في القناة بعد هزيمة يونيو، ثم جاءت الأوامر في السادسة مِن صباح 21 أكتوبر برفع درجة الاستعداد لسرب الصواريخ المتمركز في قاعدة بورسعيد البحرية، والمكون مِن اللنشين: اللنش رقم (504) -وهو اللنش القائد- واللنش رقم (501).

ومع توالي البلاغات التي تحدد الهدف البحري على مسافة 11 ميلًا بحريًّا فقط مِن فنار بورسعيد، أي داخل المياه الإقليمية المصرية جاء الأمر النهائي إلى قاعدة بورسعيد البحرية مِن القيادات العليا في الساعة الواحدة إلا خمس دقائق ظهرًا بالتعامل بلنشي الصواريخ مع الهدف المعادي في حالة دخوله المياه الإقليمية، على أن يكون الاشتباك معه باللنش الأول فقط، ويكون اللنش الثاني جاهزًا عند الطلب، مع إعطاء التعليمات للمدفعية الساحلية بالاستعداد للاشتباك.

وجاء استخدام لنش الصواريخ مفاجأة غير متوقعة لم تعرف مِن قبل في مثل هذه الاشتباكات؛ فزورق الصواريخ المصري (اللنش) من نوع روسي يسمى (كومار) أنتج عام 1958م، وبيع لمصر عام 1962م، طوله 25 مترًا، ووزنه 80 طنًّا، مصنوع مِن الخشب، وله درع واق عبارة عن غرفة مِن الصلب يحتمي به طاقم الزورق، وعلى الزورق صاروخان، طول كل منهما 20 قدمًا، ووزنه طنان، منهما 500 كجم عبوة متفجرة، ومداه المؤثر 25 ميلًا بحريًّا، وسرعته 312م / الثانية، أي يقطع مسافة 11 ميلًا بحريًّا في دقيقة واحدة تقريبًا، وارتفاع طيرانه فوق سطح الماء من 100- 300 م، ويطلق مِن سطح اللنش ليصيب أي هدف على سطح الماء، فهو صاروخ (سطح - سطح).

وكان على كل لنش مِن اللنشين مجموعة مِن الرعيل الأول مِن ضباط لنشات الصواريخ مِن ضباط البحرية المصرية مع عددٍ مِن ضباط الصف والجنود كبحارة ومسئولي رادار وتجهيز الصاروخ، وتخصصات أخرى، وكان قائد كل لنش منهما قد درسا في (لينينجراد) بروسيا لمدة عام (1964- 1965م) فرقة قادة تكتيك، وتم اختيارهما لقيادة اللنشين بعد العودة، وبينما كانت الإشارات اللاسلكية المفتوحة القابلة للالتقاط مِن العدو تأتي مِن قيادة القوات البحرية في الإسكندرية إلى قيادة القاعدة البحرية في بورسعيد بعدم الاشتباك مع الهدف البحري مع استمرار المراقبة والاستعداد، كانت التعليمات واضحة عبْر تحويلة تليفونية سرية خاصة بالتعامل الفوري مع الهدف إذا دخل المياه الإقليمية وإغراقه بعد التأكد مِن جنسيته، بعد مجيء إشارة في الساعة الرابعة وخمسين دقيقة عصرًا بوجود هدف العدو في المياه الإقليمية.

بدأت وقائع المعركة في الساعة الخامسة وخمس دقائق، والشمس ما زالت في الأفق؛ ولئلا يكشف العدو اللنشين فيتعرضا للقصف بمدفعية مدمرة العدو أو طيرانه، خرج اللنشان مِن ممر الميناء الرئيسي للملاحة بسرعة بطيئة وبفاصل صغير جدًّا بينهما -في مناورة بحرية- كي يظهر اللنشين على رادار العدو كـ(بلنصين) خرجا للصيد، وتم إيقاف رادار القاعدة البحرية في بورسعيد حتى لا يؤثر على رادارات اللنشين، على ألا يستخدم لاسلكي اللنشين إلا للاستماع فقط.

وفي الساعة الخامسة وخمس وعشرين دقيقة -أي قبْل أذان المغرب بدقيقتين- وصل اللنشان إلى منطقة الإطلاق، واتخذا شكل وخط سير الإطلاق بعد رفع سرعة اللنشين لترتفع المقدمة لتأخذ زاوية الإطلاق، وتم تجهيز الصواريخ ودخول الأطقم غرفة الدرع الواقية تفاديًا للحرارة الشديدة والأبخرة الضارة التي تغطي سطح اللنش عند إطلاق الصاروخ.

وفي الخامسة وثلاثين دقيقة أطلق الصاروخ الأول مِن لنش القيادة (504)، وبعده بدقيقتين أطلق الصاروخ الثاني، فأصابا الهدف، حيث أصاب الصاروخ الأول هوائيات اللاسلكي وأجهزة الاتصال وحطمها، ودمر الصاروخ الثاني غرفة ماكينات المدمرة، فاشتعلت على سطحها النيران، فأصبحت غير قادرة على الحركة، ومالت على الماء، ولكنها ظلت طافية، وتقرر عودة اللنشين للميناء بعد إبلاغ القاعدة بما حدث، ودون حاجة لإطلاق صواريخ مِن اللنش الثاني.

وعند تشغيل رادار القاعدة بعد ساعة مِن عودة اللنشين تم رصد هدف بنفس المنطقة لم ترصده رادارات اللنشين بسبب حاجز الأمواج في ميناء بورسعيد الذي حجب الرؤية؛ فتقرر وبدون انتظار خروج اللنش الثاني (501) بمفرده لمهاجمة الهدف مِن جديدٍ؛ فاتبع اللنش نفس المسار السابق متخفيًا بحاجز أمواج الميناء حتى خرج للبحر، وأطلق صاروخين: الأول في الساعة السابعة وتسع وعشرين دقيقة، والثاني بعده بثلاث دقائق، فانفجر الأول في منتصف المدمرة فانفجر مخزن الذخيرة الرئيسي، فانشطرت المدمرة إلى نصفين وبدأت في الغرق في الماء، وأصاب الثاني جانب المدمرة إصابة مباشرة وهي تغوص، وانفجر وهو وسط طاقمها، فأحدث خسائر كبيرة، وفي الساعة الثامنة إلا عشر دقائق اختفت المدمرة تمامًا تحت الماء.

وقد قتل في المدمرة 139 ضابطًا وبحارًا إسرائيليًّا، وقامت الزوارق والطائرات الإسرائيلية بعد ذلك بانتشال القتلى والغرقى والمصابين بعد أن طلبت مِن مصر عبْر قوات الطوارئ الدولية عدم التعرض لها أثناء عملية الانتشال والإنقاذ.

قصف بالوظة ورمانة في شمال سيناء:

وهي العملية التي تمت في مساء يوم السبت 8 نوفمبر 1969م، حيث قصفت المدمرة المصرية (دمياط) منطقة تشوين أسلحة وذخيرة للعدو في منطقة (رمانة) في شمال غرب سيناء وبعمق 40 كم تقريبًا، وقصفت المدمرة المصرية ( الناصر) بطارية صواريخ (هوك) للعدو في منطقة (بالوظة) في شمال غرب سيناء وبعمق 50 كم.

وقد حققت المدمرتان أهدافهما مِن العملية، وعادتا سليمتان، رغم مطاردة الطائرات الإسرائيلية لهما في رحلة العودة، بل استطاعت المدمرة (الناصر) خلال اشتباكها مع طائرات العدو إسقاط طائرة، وإصابة أخرى.

عملية من عمليات عبور للقناة:

هذه العملية قامت بها قوة من قوات الصاعقة المتمركزة بين منطقتي (التينة) و(الكاب) في شمال قناة السويس أمام مدينة بورسعيد، بعد أن قررت القيادات العليا البدء في القيام بعمليات نشطة على الجبهة؛ بدأ الاستعداد للعملية بالاستطلاع المكثف والمراقبة لمنطقة العدو في المواجهة لمدة شهر ونصف شهر للتعرف على كل صغيرة وكبيرة عن تحركات العدو ودورياته، وتم التخطيط لتدمير كمين إسرائيلي في عمق 5 كم في شرق القناة، وفي الليل عبرت مجموعة مِن 30 جندي صاعقة يقودهم 3 ضباط، حيث هاجموا عند فجر يوم 22 نوفمبر1969م قوة كمين الإسرائيلي عند قدومها المعتاد للمنطقة فجرًا؛ فدمروا عربتين نصف مجنزرتين إسرائيليتين ودبابة، وأفلتت دبابتان، وسرعان ما حاصر الإسرائيليون القوة المصرية في طريق العودة للشاطئ الغربي.

ورغم أوامر الانسحاب الفوري، فقد قرر ثلاثة مِن الضباط ومعهم رقيب مِن قوة المجموعة البقاء للاشتباك مع القوات الإسرائيلية؛ لإتاحة فرصة الانسحاب الآمن لباقي المجموعة، فعادت القوة بسلام بعد استشهاد ضابطين مِن الثلاثة، واستشهاد الرقيب الذي كان معهم، وعاد الضابط الرابع سالمًا، وقد ساهمت المدفعية المصرية في حماية القوة بعد تنفيذها للعملية بإطلاق ستارة كثيفة مِن النيران على منطقة العدو لتحميهم، ولتمنع اشتباك العدو معهم.

اقتحام موقع نقطة "لسان بور توفيق":

وهي العملية التي قامت فيها في 9 يوليو 1969م أول كتيبة كاملة مِن الصاعقة المصرية بعبور قناة السويس في ضوء النهار، قبْل أذان المغرب بربع ساعة، وهاجمت النقطة الحصينة للعدو في لسان بور توفيق، والتي كانت تتخذ نقطة للمراقبة، وتصحيح نيران مدفعية العدو، ونقطة ملاحظة لقواته الجوية، حيث عجز العدو أمام المفاجأة عن المقاومة، وسقط منهم 40 قتيلًا، وأُسر اثنان بعد اقتحام دشمتي الموقع، وتم تدمير ثلاث دبابات كانت متمركزة في الموقع، وثلاث دبابات أخرى حاولت تدعيم الموقع مِن خارجه، وتم رفع علم مصر على قمة الموقع وحراسته بعد ذلك بالقناصة مِن شاطئ بور توفيق في الغرب، حتى اضطر العدو إلى القيام بعملية خاصة بالمدفعية والطيران لإزالة العلم مِن الموقع.

ثلاث عمليات في ميناء إيلات:  

نجحت مجموعات الضفادع البشرية المصرية في تنفيذ ثلاث عمليات تفجير مِن خلال خمسة اقتحامات ليلية لميناء إيلات الإسرائيلي على خليج العقبة في الفترة مِن نوفمبر 1969م إلى مايو 1970م (حوالي ستة أشهر). حيث كانت هناك عملية استطلاع للميناء في ليلة 8 - 9 نوفمبر 1969م، ثم عملية تفجير في ليلة السبت 15- 16 نوفمبر 1969م تم فيها زرع ألغام موقوتة في جسمي السفينتين: (هايدروما) و(داليا)، والتي انفجرت بعد ساعتين مِن زرعها.

وفي ليلة 5- 6 فبراير 1970 قامت مجموعة مِن الضفادع البشرية المصرية بزرع ألغام موقوتة في جسمي السفينتين: بيت يام (سفينة البحر) وبيت شيفع (بيت الأسد) بميناء إيلات؛ فتسبب انفجار هذه الألغام بعد ساعتين في غرق السفينة الأولى وعطب الثانية، وإعاقة الملاحة في الميناء لمدة ستة أشهر، تم فيها تقطيع السفينة الغارقة ورفعها مِن المجرى الملاحي.

وفي يوم 15 مايو 1970م قامتْ مجموعة مِن الضفادع البشرية بزرع لغمين موقتين أسفل رصيف ميناء إيلات، فتسبب انفجار الأول في عطب بجسم سفينة، وتسبب انفجار الثاني بعده بساعتين في مقتل عددٍ كبيرٍ مِن الضفادع البشرية الإسرائيلية التي تواجدت في المنطقة بعد الانفجار الأول.

وقد شهدت فترة حرب الاستنزاف عشرات العمليات العسكرية برًّا وجوًّا وبحرًا، وعبور متكرر لسيناء، ومهاجمة لمواقع العدو وتحصيناته فيها، ورفع العلم المصري على بعضها وحمايته بالمدفعية، ومهاجمة عمق العدو في مواقعه العسكرية البعيدة في سيناء، ومهاجمة مطارات العدو وموانيه، وفوق ذلك أسر العديد مِن الضباط والجنود الإسرائيليين والعودة بهم إلى غرب القناة أحياء؛ للاستفادة مما معهم مِن معلوماتٍ عسكريةٍ، ومواجهات جوية شرسة رفعت مِن كفاءة الطيارين المصريين، فكانت تدريبًا عمليًّا للقوات المصرية مع العدو فوق التدريبات التقليدية الأخرى.

هذا إلى جانب إنشاء (منظمة سيناء العربية)، وتجنيد العديد مِن العناصر الوطنية مِن البدو وأهالي سيناء فيها؛ الذين ساهموا بطرقٍ مباشرة أو غير مباشرة في العديد مِن العمليات ضد القوات الإسرائيلية في عمق سيناء، وخلف خطوط العدو الأمامية؛ مما مهد في آخر المطاف لانتصار حرب أكتوبر 1973م، وكبدت العدو الإسرائيلي خسائر فادحة، وأوقعت الفزع الدائم في قلوب الجنود الإسرائيليين في سيناء، وأقلقت مضاجع المسئولين وسكان إسرائيل، حتى إن الإسرائيليين داخل إسرائيل رقصوا فرحًا بقبول مصر لمبادرة روجرز الأمريكية لوقف إطلاق النار، ووقف حرب الاستنزاف، وهو ما قبله عبد الناصر ليتمكن الجيش المصري مِن بناء حائط الصواريخ على جبهة القناة.