إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 31 يوليه 2018 - 18 ذو القعدة 1439هـ

المنزلق الخطير!

كتبه/ عصام زهران

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن أول خُطبة خَطبها عُثمان بن عفّان -رضي الله عنه- أُرتُج عليه، فقال: "أيّها النّاس، إنّ أوّل كلَّ مَرْكبٍ صَعب، وإن أَعِش تَأتِكُم الخُطْب على وَجْهِها، وسيجعلُ الله بعد عسرٍ يسرًا -إن شاء الله-".

- وقال الجاحظ: "صعد عثمان بن عفان -رضى الله عنه- المنبر فارتج عليه، فقال: "إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالًا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمامٍ خطيبٍ".

- ولما قدم يزيد بن أبي سفيان الشام واليًا عليها لأبي بكر، خطب الناس فارتج عليه، فعاد إلى الحمد لله ثم ارتج عليه، فعاد إلى الحمد لله ثم ارتج عليه، فقال: "يا أهل الشام عسى الله أن يجعل مِن بعد عسرٍ يسرًا، ومِن بعد عي بيانًا، وأنتم إلى إمامٍ فاعل أحوج منكم إلى إمام قائل، ثم نزل فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه".

- وخطب معاوية بن أبي سفيان لما ولي فحصر فقال: "أيها الناس، إني كنت أعددت مقالًا أقوم به فيكم فحجبت عنه، فإن الله (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (الأنفال:24)، كما قال في كتابه، وأنتم إلى إمام عدل أحوج منكم إلى إمام خطيب، وإني آمركم بما أمر الله به ورسوله، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه ورسوله، وأستغفر الله لي ولكم".

لقد بلغت مقولة: "تكلم حتى أراك" إلى منتهى التطرف لدى البعض؛ فالواعظ أصبح أرقى وأفضل مِن العالمِ! وأصبح المتحدث الرسمي في أي مؤسسة بمثابة الرئيس، وصارت الأفضلية منحصرة في الفصحاء الذين ينتقون أفضل وأجمل العبارات التي تلهب مشاعر الجماهير، وغض الطرف عن ذوي الالباب والحكمة "العلماء"!

عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: (أَلَا إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُرْفَعَ الْأَشْرَارُ، وَتُوضَعَ الْأَخْيَارُ، أَلَا إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْقَوْلُ، وَيُخْزَنَ الْعَمَلُ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني، وقال: وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لَا يقال بمجرد الرأي).  

وعن أبي أمية الجمحي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نَفْسُ محمدٍ بيدِهِ! لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَظْهَرَ الفُحْشُ والبُخْلُ، ويُخَوَّنَ الأَمِينُ، ويُؤْتَمَنَ الخَائِنُ، ويَهْلِكَ الوُعُولُ، وتَظْهَرَ التَّحُوتُ. قالوا: يا رسولَ اللهِ! وما الوُعُولُ وما التَّحُوتُ؟ قال: الوُعُولُ: وجُوهُ الناسِ وأَشْرَافُهُمْ، والتَّحُوتُ: الذينَ كَانُوا تَحْتَ أَقْدَامِ الناسِ لا يُعْلَمُ بِهمْ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: صحيح لغيره).

لقد غدا المفروض مرفوضًا، والمعطوب مطلوبًا، والمأمون مرهوبًا، والمبغوض محبوبًا، والرخيص ثمينًا، وظهرت السنوات الخداعات.

الدعاة الجدد يشار إليهم بالبنان، والعلماء لا يعرفهم العوام!

وإنك لترى صورة أخرى مِن تغير الذوق العلمي والطرب السماعي لدي الكثير، فالنّشاذ الصوتي واللحن الخفي يَطربُ ويَستلذُ له مَن لا علم له بقواعد اللغة، والنسق التجويدي.

 فالغناء والتطريب والعبث بالمدود والزيادة في الحركات، أو التأوهات، لا شك أنه أمرٌ مذموم، ولما سُئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن القراءة بالألحان؟ قال: "هي بدعة".

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر في أشراط الساعة: (نَشْواً يَتَّخِذُونَ القُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أحَدَهُمُ لِيُغَنِّيَهُمْ وإنْ كانَ أقَلَّهُمْ فِقْهاً) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني)، فيجب أن نفرق بيْن تحسين القراءة وتجميل الصوت، وبين تقليد أهل الأغاني.

وقال الشعبي -رحمه الله-: "لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلًا، والجهل علمًا".

ليـس الخـلائـقُ كـلـُهـم أكـفـــــــاءُ                  لا يستوي الجهّال والعـــلـمــــــاءُ

لا يستـوي نبـعٌ تـرقرقٍ مـائُــــــهُ                   يروي الأنامَ وصخـرة صـمــــــّاءُ

دومـًا يموت الجاهلـون بجهـلهــم                   والعالـمـون بعلمـهـم أحـيـــــــــاءُ

فـالعالـمون العامـلـون بعـلمـهـــم                   بـاقـون مـا بقيت هنـاك سـمـــــاءُ

لـلـه طـوعـًا أوقـفـوا أبدانـهــــــم                   ولِــنـشـر ديـن الله هـم أُمـنـــــــاءُ

فهُمُ المصابيح التي نـُبـصـر بهـا                    إن داهـمـتــنـا لـيلـة ظـلـمــــــــاءُ