إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 28 يوليه 2018 - 15 ذو القعدة 1439هـ

العدوان الإسرائيلي على الدول العربية عام (1967م)

(الذكرى الخمسون لهزيمة يونيو)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فرغم انسحاب إسرائيل مِن سيناء بعد العدوان الثلاثي على مصر، فقد كانت إسرائيل تعد العدة لحربٍ قادمةٍ مع العرب، فإسرائيل كدولةٍ مزروعةٍ غصبًا في قلب المنطقة العربية تتطلع دائمًا -خاصة في ظل الضعف والتفكك العربي- إلى توسيع حدودها، وتحقيق مكاسب تحقق لها حدودًا آمنة، وتأمينًا للملاحة في خليج العقبة وقناة السويس والبحر الأحمر، وإجبار العرب على تقبلها كعضوٍ جديدٍ في المنطقة.

لقد بدأت إسرائيل تعد العدة لحرب 1967م قبْلها بسنواتٍ، ولكن تحديد وقت المعركة جاء بعد إتمام الاستعداد، وتهيئة الرأي العام العالمي والرأي العام داخل إسرائيل للحرب، ونتائجها بعد تجربة حرب 1956م.

الأوضاع إقليميًّا ودوليًّا قبْل حرب 1967م:

شهد العالم ظهور القوتين الكبيرتين: أمريكا والاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، وظهور الصراع بينهما على السيطرة على العالم غربه وشرقه، ودخولهما في حربٍ باردةٍ، كما شهد أفول نجم إنجلترا وفرنسا خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر، وقد دخلت المنطقة العربية دائرة الصراع بيْن القوتين الكبيرتين نتيجة التقارب العربي "خاصة المصري - الروسي" مِن جهة، وازدياد درجة تلاقي المصالح الأمريكية مع المصالح الإسرائيلية مِن جهة أخرى؛ إذ أصبحت إسرائيل بعدائها للعرب تعمل في مصلحة أمريكا في مواجهة النفوذ الروسي في المنطقة.

التوافق الأمريكي الإسرائيلي على محاربة مصر:

تعد إسرائيل صنيعة الغرب في المنطقة العربية لاستنزاف قدرات الدول العربية وإثارة القلاقل التي تعرقل التقدم فيها والتنمية، وقد شاركت أمريكا الدول الأوروبية في مساعدة إسرائيل خاصة في فترة الأربعينيات، مِن مؤتمر (بلتيمور) 1943م وتأييد قيام دولة إسرائيل إلى المسارعة في الاعتراف بها عند إعلان قيامها، ثم المشاركة في الإعلان الثلاثي عام 1950م الذي تتعهد فيه الدول الثلاث -أمريكا وإنجلترا وفرنسا- بفرض حماية لحدود إسرائيل التي وصلت إليها عبْر الهدنة في رودس 1949م بعد حرب فلسطين عام 1948م، رغم أن هذه الحدود تتعدى بكثير حدود قرار التقسيم الصادر مِن الأمم المتحدة في نوفمبر 1947م.

ورغم هزيمة إنجلترا وفرنسا وإسرائيل سياسيًّا في حرب 1956م، فقد ضمنت الدول الغربية وأمريكا لإسرائيل حرية الملاحة في خليج العقبة عن طريق وجود قوات طوارئ دولية في شرم الشيخ بعد حرب 1956م، وهي القوات التي مارست مصر حقها في إعادة توزيعها مع تصاعد الأحداث قبيل حرب يونيو1967م مما عجل بنشوب الحرب، ونظرًا لتنامي قدرات مصر العسكرية وتسلحها مِن الكتلة الشرقية، وتزعم مصر للعرب، وسعيها لتحقيق وحدة عربية "خاصة في أواخر الخمسينيات"، فكانت ثورة العراق في 14-7-1958م، وخروج العراق مِن حلف بغداد، ووقوع الانقلاب العسكري في اليمن، وتدخل مصر عسكريًّا هناك، وقيام الثورة في اليمن الجنوبي ضد الاستعمار البريطاني، وتحرر الجزائر واستقلالها عن فرنسا، وتجربة الوحدة بيْن مصر وسوريا، وظهور (منظمة فتح) الفلسطينية، وبداية عملياتها العسكرية الموجهة ضد إسرائيل، حيث ساهمت هذه الأحداث ودور مصر فيها في تنامي توافق أمريكي إسرائيلي على القضاء على قوة مصر العسكرية.

ولم تكن إسرائيل لتجرؤ على توجيه ضربة ضد مصر والعرب إلا بعد الاطمئنان إلى وجود الدعم العسكري والسياسي مِن أمريكا، وإلى تواطؤ الغرب معها؛ خاصة في عهد الرئيس الأمريكي (لندن جونسون)، الذي كان متفقًا في توجهه مع المراكز الصهيونية في أمريكا؛ فإسرائيل كدولةٍ تقوم -وبدرجةٍ كبيرةٍ- على ما تحصل عليه مِن المساعدات الخارجية العسكرية والاقتصادية، خاصة في ظل ما كانت تعانيه مِن تدهورٍ اقتصاديٍ في منتصف الستينيات، وتقوم أيضًا على التأييد السياسي والدبلوماسي مِن أصدقائها الغربيين "خاصة أمريكا".

لقد رأت إسرائيل ما عليه حال الدول العربية مِن التفكك والضعف، وتيقنت مِن التأييد الغربي لها، وتأكدت مِن أن واشنطن ستقف بجانبها وستحميها مهما حدث، فقررت أن هذا هو الوقت المناسب للحرب، وقد نجحت إسرائيل في إقناع أمريكا بتزويدها بالسلاح الأمريكي المتطور، فتسلمت إسرائيل في بداية عام 1966م دبابات أمريكية، وعقدت صفقة لطائرات (سكاي هوك) في نفس العام.

وقد حرص الإعلام الإسرائيلي على تهيئة الرأي العام العالمي لصالحه بإظهار إسرائيل أمام الغرب بالدولة المحبة للعيش مع جيرانها العرب في سلام، ولكنها معرضة للخطر العربي الذي يهددها مِن كل جانب بالإفناء والاستئصال، وأنها لا تريد إلا الدفاع عن نفسها ووجودها، مستغلة في ذلك التصريحات النارية التي كان يطلقها الحكام والزعماء العرب "خاصة عبد الناصر" التي تتوعد إسرائيل بإلقائها في البحر!

حال العرب قبْل الحرب:

لم يتعلم الحكام العرب مِن حربي: 1948 و1956م مع إسرائيل، ولم يأخذوا الخطر الذي تشكله إسرائيل عليهم مأخذ الجد، وانشغلت هذه الدول بقضاياها الداخلية أكثر مِن اهتمامها بمواجهة إسرائيل، وعانت مِن التفكك والتمزق، بل والاختلاف فيما بينها، والذي وصل إلى حد الحرب الباردة بيْن بعض الأنظمة الحاكمة فيها، والتي أصابت العمل العربي بالضرر البالغ، وانعكس ذلك على العسكريين والسياسيين العرب، ففقدت الجيوش العربية التعاون والتنسيق الفعلي المطلوب فيما بينها، وشهدت اختلافًا في الإستراتيجية العسكرية بدرجةٍ لم تعد معه قادرة على حشد قدراتها، أو تكوين قوية قيادة موحدة، بل لم يكن هناك صفاء نية حول الهدف المشترك.

ولا نكون بعيدين عن الحقيقة إذا قلنا: إنه لم تكن هناك دولة عربية واحدة على استعدادٍ جادٍ وحقيقي لمهاجمة إسرائيل أو التصدي لها؛ رغم كل المناوشات والاشتباكات التي كانت تقع على الحدود مع إسرائيل، ورغم كل ما كانت تقدم عليه إسرائيل مِن انتهاكات على الحدود مع الدول العربية، ورغم تصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية انطلاقًا مِن الأراضي السوري والأردنية.

واكتفى الحكام العرب بالتصريحات التي تهدد بتدمير إسرائيل وإلقائها في البحر، والتي تعطي الفرصة للإعلام الإسرائيلي لإظهار إسرائيل كدولةٍ مهددةٍ مِن جيرانها العرب!

بوادر وقوع الحرب:

شهدت الجبهة السورية تصاعدًا في الأوضاع بسماح سوريا لعمليات المقاومة الفدائية الفلسطينية داخل إسرائيل مِن الأراضي السورية، وباحتضان سوريا لمنظمة (فتح) الفلسطينية، حيث بلغت العمليات الفدائية بيْن عامي 1965م و1967م (113) عملية داخل إسرائيل. وقد اتخذت إسرائيل ذلك ذريعة للتصعيد على الحدود السورية، وتوالت التهديدات، بل والاعتداءات الإسرائيلية على سوريا.

وعندما أبلغت روسيا سوريا في مايو 1967م بمعلوماتٍ تفيد أنها رصدت حشودًا عسكرية إسرائيلية على الحدود السورية أبلغت سوريا مصر بذلك؛ إذ ترتبط الدولتان باتفاقٍ للدفاع المشترك، فوجهت مصر إنذارًا لإسرائيل بسحب هذه الحشود، بينما نفت إسرائيل حدوث ذلك.

قامتْ مصر بإرسال اثنين مِن القادة العسكريين على الجبهة السورية؛ فلم يجدا حشودًا إسرائيلية، وتوجست إسرائيل فبدأت في حشد قواتها على الجبهة السورية، وأصبحت الحشود منظورة، وجاءت الأنباء بحشودٍ الإسرائيلية على حدود سوريا، وأكد السوفيت ذلك لعبد الناصر.

فرأى عبد الناصر التحرك لمساندة سوريا أمام أي عدوان محتمل مِن إسرائيل، فقام:

1- بنقل وحدات مِن الجيش المصري إلى سيناء، بعد استعراضاتٍ عسكريةٍ دعائيةٍ، وسحب قواته مِن اليمن.

2- سحب قوات الطوارئ الدولية مِن شرم الشيخ، ووضع قوات مصرية بدلًا منها، وجاء طلب الإخلاء للقوات الدولية؛ لئلا تتعرض للخطر إذا تدخلت مصر عسكريًّا حال اعتداء إسرائيل على سوريا.

3- إغلاق مضيق (تيران) في 22 مايو 1967م في وجه السفن الإسرائيلية، ومنع السفن غير الإسرائيلية الحاملة للبترول أو للمواد الإستراتيجية مِن التوجه إلى ميناء (إيلات) في إسرائيل، فكان هذا إغلاقًا للملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر وخليج العقبة أشبه بإعلان للحرب، ولم يكن الوضع يتحمل أن يكون مجرد مناورة سياسية يقوم بها عبد الناصر.

تنبيه هام:

يقول د."جمال علي زهران": "يؤرخ البعض لحرب يونيو 1967م بإرجاعها إلى الأحداث السريعة والمتلاحقة قي الأسابيع الثلاثة السابقة على حدوثها، والتي تبدأ بقرار عبد الناصر بطلب إعادة توزيع قوات الطوارئ الدولية في سيناء في 14 مايو 1967م، وما تلا ذلك مِن قراراتٍ بإغلاق مصر لخليج العقبة في وجه السفن الإسرائيلية في 23 مايو، ومنع السفن الأجنبية القادمة إليها بسلع إستراتيجية.

والواقع أن هذا التأريخ يشوبه عدم الدقة، فهو يعطي للإسرائيليين الحق فيما أعلنوه مِن أن حربهم في يونيو 1967م لم تكن إلا للدفاع الشرعي عن أنفسهم تجاه الجيوش العربية المحيطة بهم، على حين يعلن الطرف المصري أن هذه القرارات التي اتخذت في الأسابيع الثلاثة السابقة على الحرب كانت قرارات دفاعية بقصد الردع لإسرائيل إزاء الحشود الإسرائيلية على الحدود مع سوريا، والتهديدات المتتالية لها بالتدخل وإعلان الحرب عليها، ولكن الباحث لا تخدعه في الفترة السابقة على حرب يونيه تواتر مثل هذه الأحداث؛ ذلك أنه لا تقرر دولة ما في خلال أيام معدودة حربًا بهذا الاتساع والشمول والتخطيط!

ولذلك فإن تأصيل البدايات مِن الأهمية حتى يمكن فهم ما حدث؛ وعلى هذا فإنه يمكن القول بأن التخطيط للحرب كان يعد منذ فترة سابقة عليها، وهذا أمر منطقي، فقد بدأت التحرشات الإسرائيلية بالأطراف العربية "خاصة سوريا" في أكتوبر ونوفمبر عام 1966م، حيث وقعت معركة طائرات الميراج الإسرائيلية فوق سوريا، وترتب على ذلك عقد اتفاقية للدفاع المشترك بيْن مصر وسوريا في 4 نوفمبر 1966م لمدة خمس سنوات يتم بمقتضاها تكوين مجلس مشترك للدفاع قيادة مشتركة، ونصت على أن أي هجوم على أي منهما هو هجوم على الأخرى، ثم تعاقبت المعارك في يناير 1967م قرب بحيرة طبرية.

ثم حدثت واقعة أخرى باعتداءاتٍ إسرائيلية على سوريا بالطيران في 7 أبريل 1967م، أسقطت في هذه المعركة ست طائرات سورية، ثم توالت التهديدات الإسرائيلية لسوريا في 12 مايو بأن إسرائيل ستشن هجومًا واسع النطاق ضد سوريا، وذلك على لسان رئيس وزرائها (ليفي أشكول)، وإزاء التصعيد الإسرائيلي ضد سوريا أعلنت مصر عن وقوفها بكل الإمكانات والطاقات لدعم سوريا، وأكدت تصريحات عبد الناصر هذا المعنى" ("توازن القوى بيْن العرب وإسرائيل بين حربي 1967م - 1973م"، ص 185-188، ط مكتبة مدبولي 1989م، بتصرف يسير).

وقال: "وفي أعقاب القرارات التي اتخذها عبد الناصر -السابق الإشارة إليها- قام الملك حسين -ملك الأردن- بزيارة القاهرة لعقد اتفاقية دفاع مشترك مع مصر في 30 مايو 1967م، وانضمت العراق لهذه الاتفاقية في الرابع مِن يونيو".

وفي ضوء ذلك يبرز أن الفاعل في هذه التحرشات والتهديدات المتتالية هو الطرف الإسرائيلي، ولم يكن الأمر طبقًا لما أشاعه الإسرائيليون أنهم مهددون مِن العرب بهدف كسب التعاطف العالمي معهم.

وعلى هذا يتضح أن هناك اتجاهين رئيسيين: الأول: يرد حرب يونيو إلى مجموعة الأحداث التي بدأت مِن جانب مصر في الأسابيع الثلاثة السابقة عليها ابتداءً مِن قراراتها بطالب إعادة توزيع قوات الطوارئ الدولية في سيناء.

والاتجاه الثاني: يرد الحرب إلى بدايات التحرشات الإسرائيلية بالحدود السورية قبْل الحرب بحوالي تسعة أشهر، وكذلك أحداث العنف على الحدود الأردنية وداخل قطاع غزة، بل يعود هذا الاتجاه بالحرب إلى الفترة التي تلت حرب 1956م حيث بدأت إسرائيل تستعد لمثل هذه الحرب". أي أن إسرائيل أخذت مِن هذه القرارات المصرية ذريعة في وقتٍ كانت تعد نفسها بقوةٍ لمعركةٍ عسكريةٍ مفاجئةٍ.

حالة الجيش المصري في سيناء قبْل الحرب:

لم يكن الجيش المصري فعليًّا على استعداد للدخول في معركة في سيناء؛ إذ أن 40 % مِن قواته المسلحة تحارب في اليمن منذ عام 1962م، وتعرضت هناك لخسائر كبيرة، ولم تكن مدربة تدريبًا جيدًا كافيًا على الأسلحة السوفيتية.

لقد كانت القوات المصرية تواجِه في اليمن حرب عصابات وجبالًا، وتقاتِل قبائل متنازعة، ولا يوجد أمامها سلاح جوي في اليمن تحاربه. أما في سيناء: فالحرب ستكون في صحراء، وهي تحتاج إلى إعادة للتدريب الجيد عليها، وهي حرب مع جيش نظامي مدرب تدريبًا جيدًا، ومسلح تسليحًا متطورًا، وله سلاح طيران مزود بطائراتٍ حديثةٍ أمريكية متقدمة.

التعهد بعدم البدء بالهجوم:

اتصل الرئيس الأمريكي (جونسون ) برئيس الوزراء (كوسيجن)، وأبلغه أن أمريكا لن تسمح للطرفين (مصر أو إسرائيل) بشن هجوم على الآخر، وأن على الطرفين احترام اتفاقية الهدنة بيْن الطرفين، فأبلغت موسكو القاهرة رسالة واشنطن، وحصلت على تأكيدات مِن مصر أنها لن تبدأ بمهاجمة إسرائيل، وتم نقل هذا التأكيد لواشنطن.

الهجوم الجوي الإسرائيلي على مصر:

قامتْ إسرائيل في صباح يوم الاثنين 5 يونيو 1967م بالهجوم الجوي المكثف مِن الساعة 45 و8 صباحًا، ولمدة ثلاث ساعات متتالية على المطارات الحربية وقواعد الدفاع الجوي في سيناء والدلتا والقاهرة ووادي النيل ووسط الصعيد، نجحت خلاله في تدمير المطارات الحربية، وشلت وسائل الدفاع الجوي، بل وتم تدمير نحو80 % مِن الطائرات المصرية، وهي ما زالت على الأرض!

وقد رصد الفريق عبد المنعم رياض -الموفد مِن مصر إلى الضفة الغربية لمراقبة الأوضاع الإسرائيلية مِن (عجلون) بالضفة الغربية- إقلاع الطائرات الإسرائيلية بأعدادٍ كبيرةٍ مِن المطارات الإسرائيلية باتجاه البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وعلى ارتفاعات منخفضة، لتكون بعيدة عن رقابة الرادارات المصرية، فقام بإرسال إشارة بذلك، لكن الإشارة -على خطورتها وأهميتها- لم تصل في الوقت المناسب إلى القيادة المصرية، إذ كان التنسيق بيْن القوات غير كافٍ!

كما طلب الفريق عبد المنعم رياض مِن وزير الحربية السوري (حافظ الأسد وقتها) أن يقوم الطيران السوري باستغلال الموقف وشن هجمات سريعة على المطارات الإسرائيلية الخالية جميعها مِن الطيران الإسرائيلي الذي خرج في الجو بكثافة، وبالتالي تدمير هذه المطارات وممراتها، فلا تستطيع الطائرات الإسرائيلية عند عودتها الهبوط عليها، مما يعرضها لنفاد وقودها وللتدمير، ولم تتم الاستجابة لهذا الطلب!

وذكر أيضًا أن عبد الحكيم عامر القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية ومعه قائد القوات الجوية وبعض الضيوف قاموا في صباح يوم الهجوم بالتوجه جوًّا إلى سيناء لتفقد القوات المصرية هناك؛ مما قيَّد وسائل الدفاع الجوي عن إصدار الأوامر خلال فترة الزيارة؛ مما ساهم في إيجاد ظروف غير مواتية للدفاع عن سماء مصر! ولما لم يستطع عامر ومَن معه مِن الهبوط في سيناء، انصرف مَن كان في انتظاره مِن القادة، وترتب على هذه الأوضاع عدم القدرة على السيطرة الفعلية على الوحدات العسكرية لفترةٍ مِن بدء الحرب!

الهجوم البري على سيناء:

بعد القضاء على غالبية القوات الجوية المصرية أكملت إسرائيل هجومها بالهجوم على القواعد الجوية في الأردن وسوريا، وبدأت في الوقت نفسه هجومها البري على سيناء مِن عدة محاور مستغلة حالة الفوضى التي سادت الجيش المصري وقياداته.

ورغم الانتشار السيئ للقوات المصرية خلال المعارك البرية فقد صمد الجنود المصريون وقاتلوا قتالًا شرسًا في صحراء سيناء وبدون غطاءٍ جويٍ، ورغم استبسال الجنود المصريين في اشتباكاتهم مع القوات الإسرائيلية، فما لبث الطيران الإسرائيلي أن تدخل لينهي المعارك لصالح إسرائيل ولتلاقي القوات البرية المصرية هزيمة قاسية ومفجعة، قُتل فيها وجُرح وأُسر، وتشرد عشرات الآلاف مِن الجنود المصريين في هزيمة لم يكن لهؤلاء الجنود المصريين يد فيها، خاصة مع الانسحاب العشوائي غير المنظم للقوات المصرية في سيناء المكشوفة للطيران الإسرائيلي بتعليمات مِن قيادات الجيش التي فقدت توازنها، وفقدت القدرة على السيطرة على القوات وتوجيهها في محاور سيناء المختلفة! وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الخسائر العربية في حرب 1967م:

تعرضت الدول العربية التي هاجمتها إسرائيل في يونيو 1967م إلى هزيمةٍ فادحةٍ، تظهر واضحة مِن ثقل الخسائر التي منيت بها أمام إسرائيل؛ فقد استولت إسرائيل على قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، واستولت على مدينة القدس والضفة الغربية لنهر الأردن، واستولت على الجولان السورية حتى القنيطرة، على بعد نحو40 ميلًا مِن دمشق العاصمة، ومساحة هذه الأراضي هي 68 ألف و150 كم مربع، أي تمكنت إسرائيل مِن مضاعفة مساحة الأرض التي تشغلها ثلاث مرات في خلال أسبوع واحد؛ مما أعطى لها ميزة إستراتيجية وحرية حركة أكبر مما كانت عليه مِن قبْل.

وطبقًا لبيانات المعهد البريطاني للدراسات الإستراتيجية: فقد خسرت مصر 340 طائرة و600 دبابة، وخسرت الأردن 20 طائرة و150 دبابة، وخسرت سوريا 50 طائرة و50 دبابة، وخسرت القوات العراقية المشاركة 20 طائرة، وأعلنت إسرائيل أنها استولت على 100 دبابة سليمة، و500 قطعة مدفعية، و10000 سيارة، وغواصة واحدة، وقاعدة للصواريخ سوفيتية وجدت متروكة في سيناء.

وقد قدرت تكلفة ما دمرته إسرائيل مِن معدات بعشرة مليارات فرنك (بقيمتها في ذلك الوقت)، وقدر ثمن المعدات التي استولت عليها إسرائيل سليمة بمليار فرنك، وقد قامت إسرائيل بالتصرف في كثيرٍ منها إذ كانت أسلحة روسية تم شراؤها مِن الكتلة الشرقية لا تناسب التسليح الإسرائيلي الغربي الأمريكي.

وقد بلغ عدد القتلى المصريين نحو 15 ألف قتيل؛ بالإضافة إلى مَن أسروا أو فقدوا أثناء العودة إلى غرب قناة السويس خلال الانسحاب العشوائي للقوات المصرية بعد تفكك وحداتهم، وقد قامت إسرائيل بقتل جماعي لأعدادٍ كبيرةٍ مِن الجنود المصريين الأسرى ودفنتهم في مقابر جماعية، وقد تم كشف هذا الأمر بعد سنوات؛ هذا بالإضافة إلى مقتل نحو10 آلاف جندي عربي علي باقي الجبهات العربية، كما أسفرت الحرب عن إغلاق قناة السويس أمام الملاحة العالمية لسنواتٍ.

وقد تسببت هذه الهزيمة في فرار حوالي 200 ألف فلسطيني مِن الضفة الغربية لنهر الأردن إلى ضفته الشرقية داخل الأردن، وقد زاد ذلك مِن سوء الأوضاع في الأردن؛ إذ أن الأردن قد فقدت في هذه الحرب نصف ما كانت تملكه مِن أراضٍ زراعية؛ مما يجعلها تعجز عن إطعام هذا العدد مِن المهاجرين واللاجئين والمشردين، كذلك غادر عشرات الألوف مِن السوريين منطقة الجولان السورية التي احتلتها إسرائيل.

وقد أثَّر هذا النزوح لهذه الأعداد الكبيرة على التركيبة السكانية لهذه المناطق، مما أفقد السكان العرب فيما بعد ميزة التفوق السكاني في هذه المناطق المحتلة؛ مما شجع إسرائيل فيما بعد على إعلان ضم ما ضمته مِن هذه المناطق المحتلة لدولة إسرائيل.

أما خسائر إسرائيل فبلغ قتلاها في هذه الحرب 676 قتيلًا، و2500 جريحًا، بحسب المصادر الإسرائيلية.

وإذا كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة أجبرت إسرائيل عام 1956م على الانسحاب مِن الأراضي المصرية التي احتلتها خلال العدوان الثلاثي بأغلبية 74 صوتًا ضد صوتين فقط، وبضغطٍ أمريكي فقد فشلت الجمعية العامة في تكرار ذلك في ظل التعاطف والتأييد السياسي الأمريكي لإسرائيل، وللتعجرف الإسرائيلي بعد انتصارها في الحرب.

وقفة أمام تلك الهزيمة المروعة:

أخطأت القيادة المصرية عندما ركنت إلى ضغط أمريكا وروسيا على العرب وإسرائيل لمنع وقوع حرب بيْن الطرفين، فظنت القيادة المصرية أن هذا يعطيها الوقت للمناورة السياسية خاصة في ظل الدعاية الإعلامية الكبيرة التي قامتْ بها مصر عن استعدادها لدخول الحرب، وقدرتها على الانتصار فيها.

لقد تصورت القيادة المصرية أن إسرائيل قطعة شطرنج لا يمكن أن تتحرك مِن تلقاء نفسها، وفاتها أن إسرائيل تحركت مِن نفسها بعد أن أطمأنت إلى اكتمال الفرصة المتاحة وتمام استعدادها لها داخليًّا ودوليًّا، واطمأنت إلى ما ستحصل عليه -إذا تحركت- مِن التأييد الأمريكي المادي والدبلوماسي، لالتقاء مصالحهما في المنطقة.

كانت القوات في سيناء غير كافية للحرب، وغير مدربة جيدًا على أرض المعركة أو على ما معها مِن سلاحٍ، ومعظم أسلحتها دفاعية، خاصة وأن مَن يعد لحربٍ هجوميةٍ لا يجعل قواته وأسلحته في أماكن ثابتة يمكن رصدها وضربها.

كانت مصر تتمتع بسلاحٍ جويٍ قوي، ولكن القيادة أخطأت في حقه، حيث كان هناك إهمالًا في توزيع الطائرات وانتشارها، وافتقارًا إلى الدوريات الجوية بالدرجة الكافية، لتلافي أي هجوم جوي مباغت وإجهاضه، في وقتٍ كانت احتمالات الحرب أو الهجوم الإسرائيلي قائمة.

إن السلاح الجوي المصري لم يُعط الفرصة للدخول في المعركة وإظهار مقدرته فيها؛ إذ غاب عن المعركة مِن أولها، وفقدت مصر سلاحها الجوي في وقتٍ قصيرٍ جدًّا، وضاعت ثمار جهود مضنية في إعداده، وخسرت مصر الملايين التي أنفقتها على سلاحها الجوي الذي كان يعتبر محط فخرها وزهرة قواتها المسلحة، وبالرغم مِن أن كثيرًا مِن الطائرات المصرية قد دُمِّرت وهي على أرض المطارات المصرية، وبعضها كان طياروه على متنها، وبالرغم مِن أن المطارات المصرية بعد ضربها لم تعد صالحة للاستخدام عمليًّا طوال الحرب، فإن الطائرات المصرية قامت بـ133 طلعة جوية، تُعد في حد ذاتها عملًا بطوليًّا بالنسبة للأوضاع التي كانت قائمة.

كان عبد الحكيم عامر وراء سوء قيادة الجيش، وأحد أسباب الهزيمة, وقد كان هناك صراعًا خفيًّا بيْن ناصر وعامر للسيطرة على الجيش رغم ما كان بينهما مِن صداقةٍ حميمةٍ، وقد أصدر عامر بوصفه نائب القائد الأعلى للقوات المصرية ظهر يوم الثلاثاء 6 يونيو أمرًا بالانسحاب العام لجميع القوات المصرية مِن سيناء إلى غرب القناة، وقد اتخذ هذا القرار دون أن يستشير رئيس الأركان الفريق محمد فوزي، ودون إبلاغ القرار لعبد الناصر.

وكان عبد الناصر قد اجتمع مع وزير خارجية الجزائر الذي حضر إلى مصر، وطلب منه عبد الناصر أن يصطحب معه إلى الجزائر طيارين حربيين مصريين ليعودوا إلى مصر مِن الجزائر بمقاتلاتٍ جزائرية مِن طائرات (ميج) يدخلون بها المعركة لمساندة جنود الجيش المصري الذي سيقوم بالدفاع عن المضايق والممرات الإستراتيجية في سيناء، فتتوفر له الحماية الجوية، ويكون له بذلك غطاءً جويًّا يمكنه معه التصدي للهجوم البري والجوي الإسرائيلي، فكان قرار الانسحاب غير المدروس والذي تم تنفيذه بصورة عشوائية إذ لم يتم وصوله إلى القوات المنتشرة في سيناء بطريقة التسلسل القيادي، بل تم إبلاغه بطريقة غير منظمة، فلم تعلم بعض القيادات بقرار الانسحاب إلا مِن خلال الوحدات المنسحبة!

ولم يصحب صدور القرار تطبيق خطة واضحة ومؤمنة للانسحاب، بالرغم مِن وجود خططٍ معدة مسبقًا لاحتمالات الانسحاب والارتداد لدى هيئة العمليات بالجيش، ولكن عامر لم يلتفت إليها! ونتيجة للفوضى والانسحاب العشوائي تكبدت مصر خسائر كبيرة في القوات والمعدات، واستمرارًا لحالة التخبط أصدر عامر -أيضًا- قرارًا بأن يكون الانسحاب مِن سيناء بدون المعدات الثقيلة، بما يعني تركها سليمة للإسرائيليين ليستولوا عليها، بل وينتفعوا بها.

وطوال أيام المعركة الست ظلت القوات الإسرائيلية تتقدم في سيناء بلا مقاومة جادة، حتى وصلت إلى شاطئ قناة السويس الشرقي، وأسرت في طريقها الكثير مِن الجنود المصرين، ومنهم مَن قُتلوا بعد أسرهم قتلًا جماعيًّا.