إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 12 يونيو 2018 - 28 رمضان 1439هـ

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (5)

كتبه/ رضا الخطيب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على تعليم أصحابه ألفاظ القرآن ومعانيه، فقد قال له ربُه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل:44)، وجعل القرآنُ مِن مهامه -صلى الله عليه وسلم-: "تعليم الكتاب والحكمة"، وهذا في أربع آيات مِن القرآن العظيم، ولا ريب أن هذا التعليم فوق (التحفيظ) بدليل أنه معطوف على تلاوة الآيات عليهم: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (آل عمران:164)، فالتعليم أخص مِن التلاوة.

إن هذا التعلم والتعليم هو الذي عَبَّرتْ عنه بعضُ الأحاديث بـ(التدارس)، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ).

ومعنى تدارس القرآن: التعرف على ألفاظه ومبانيه، وعلى مفاهيمه ومعانيه، وما يرشد إليه مِن العِبَر، وما يدل عليه مِن الأحكام والآداب.

وقيل مدارسة القرآن: القراءة والفهم، والتدبر والتبيُّن لسنن الله في النفس والآفاق، ومعرفة الوصايا والأحكام، وأنواع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه.

ويقول ابن تيمية -رحمه الله-: "يجب أن يُعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله -تعالى-: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا منه -صلى الله عليه وسلم- عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها مِن العلم والعمل؛ قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا"؛ ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة. وقال أنس -رضي الله عنه-: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلَّ في أعيننا، وذلك أن الله -تعالى- قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (ص:29)، وقال: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) (النساء:82)، وقال: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) (المؤمنون:68)، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن! وكذلك قال -تعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف:2)، وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومِن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه: فهم معانيه دون مجرد ألفاظه؛ فالقرآن أولى بذلك، ولهذا كان النزاع بيْن الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جدًّا".

فإذا طرأ ما يمنع رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- مِن مباشرة ذلك بنفسه؛ وكَّل بعض أصحابه للقيام بهذه المهمة، ومِن هذا ما ورد عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "كان إذا قَدِمَ مهاجرٌ على رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- دفعه إلى رجل منّا يُعلمه القرآنَ"، وعن أبي موسى -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، فأمرهما أن يُعَلِما الناسَ القرآنَ".

ومِن هنا نقول بأنه -صلى الله عليه وسلم- كان حريصًا على تعليم أصحابه القرآن؛ لفظًا ومعنى.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.