إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 10 يونيو 2018 - 26 رمضان 1439هـ

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (4)

ترغيبه -صلى الله عليه وسلم- للصحابة في تعلم القرآن

كتبه/ رضا الخطيب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمع حرصه -صلى الله عليه وسلم- على تربية أصحابه على تعاهد القرآن وعدم انشغال الصحابة بشيءٍ آخر غير القرآن، كان كذلك يستخدم معهم أساليب التشويق المختلفة ليستثير مشاعرَهم ويدفعهم للإقبال على القرآن والانشغال به.

عن عقبة بن عامر قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: (أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟)، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: (أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ) (رواه مسلم).

وكان يقول لهم مُهَيجًا نفوسَهم: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) (رواه البخاري)، ويقول: (الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

دعوتُه صلى الله عليه وسلم للناس بالقرآن:

ومِن مظاهر تأثر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالقرآن، وإدراكه لأهميته وأثره العظيم في النفوس، أنه كان يدعو الناس به أكثر ما كان يدعوهم بكلامِه هُوَ، فكان يُسْمعهم القرآنَ وقال له ربُه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) (التوبة:6)، وقصته مع عتبة بن ربيعة  أَحَدُ أئمة الكفر في مكة مشهورة ومعلومة.

وكان -صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه على الناس في موسم الحج قبْل الهجرة فيقول لهم: "هل مِن رجل يحملني إلى قومه؛ لأُبلِّغَ كلامَ ربي فإن قريشًا منعوني أن أُبلِّغَ كلام ربي"، وقال لأصحابه: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) (رواه البخاري)، وكان كثيرًا ما يخطب الجمعة بالقرآن، وهو مَن هو في البلاغة، ويكفي أنه قد أوتي جوامع الكلم، روى مسلم عن أم هشام بنت حارثة قالت: "وَمَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ" (رواه مسلم)

وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَبَارَكَ، وَهُوَ قَائِمٌ، فَذَكَّرَنَا بِأَيَّامِ اللَّهِ"، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ أَوْ أَبُو ذَرٍّ يَغْمِزُنِي، فَقَالَ: مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ؟! إِنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا إِلَّا الْآنَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا، قَالَ: سَأَلْتُكَ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَلَمْ تُخْبِرْنِي؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ الْيَوْمَ إِلَّا مَا لَغَوْتَ، فَذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قَالَ أُبَيٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (صَدَقَ أُبَيٌّ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). فالقرآن له أعظم الأثر في النفوس، والسلطان على القلوب، ويأخذ بالألباب والعقول.

وقال -عز وجل- في معرض الامتنان: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (العنكبوت:51).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.