الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 10 يونيو 2018 - 26 رمضان 1439هـ

حتى نفوز برمضان (14)

رمضان... شهر الصبر

كتبه/ جمال متولي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صَوْمُ الدَّهْرِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وقال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:153).

قال بعض العلماء: إن الصبر في الآية مقصود به الصيام؛ فارتباط الصبر بالصيام ارتباط وثيق؛ إذ أن عبادة الصوم في أصلها صبر على الإمساك عن الطعام والشراب والشهوات، وسائر عبادات رمضان وأخلاقيات الصيام لا يمكن القيام بها مِن غير الصبر، فالصوم صبر، وقيام الليل يحتاج لصبر النفس على القيام خاصة لو كان قيامًا على الهدي النبوي الشريف، وتلاوة القرآن الكريم تحتاج إلى الصبر، وكذا سائر الطاعات.

وأيضًا عبادات الانتهاء عن المحرمات تحتاج إلى الصبر؛ فغض البصر يحتاج للصبر، وحبس اللسان عن اللغو يحتاج إلى الصبر، وكظم الغيظ مع مَن يجهل على الصائم يحتاج إلى الصبر، وحبس النفس عن الانطلاق عمومًا في العبث وسائر الأفعال وتضييع الأوقات فيما لا طائل مِن ورائه أخرويًّا ودنيويًّا؛ كل ذلك يحتاج إلى الصبر. 

ومِن هنا كان الصيام، وخاصة في شهر رمضان تربيةً للقلب والنفس لتحقيق الصبر بأنواعه في سائر حياة العبد:

صبره عن كل حرام ومكروه، بحبس نفسه وضبطها وكبحها عن عدم الاغترار والافتتان به.

صبره على طاعة الله -تعالى- بحمل نفسه على القيام بها وإتيانها وفعل مستحبّاتها وتحمل مشقتها.

صبره على ابتلاء الله -تعالى- له وقضائه فيه واستقباله بنفسٍ راضيةٍ مطمئنةٍ محتسبة الأجر مِن الله.

صبره على أذى الناس حال دعوتهم للدين ونهيهم عن المنكر عمومًا، وخصوصًا أصحاب الحقوق منهم: كالوالدين، والأزواج، والأرحام، والجيران، والأولاد، واحتساب الأجر علي آذاهم له؛ إذ أن عبادة الصبر مِن عبادات القلب التي يجب ألا تفارق المؤمن، وكان الصبر أساس الفوز برحمة الله -تعالى- وجنته، قال -تعالى-: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:35).

والصبر خير مُعين للعبد على جميع عوائق الإقبال على الله -تعالى-، والتعلق بمعالي الأمور دينًا ودنيا، والتحرر الصادق مِن أسر الشهوات وهوى النفس المنحرف لا يمكن إلا بعبادة الصبر والتحمل في سبيل الله -تعالى-؛ لذلك قال الله -تعالى- مبشرًا أهل الصبر: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10).

فالمؤمن الصابر هادئ النفس مطمئن القلب في سرائه وضرائه، كما في الحديث الشريف عن صهيب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم).

نسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا مِن عباده الصابرين. اللهم آمين.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.