إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 09 يونيو 2018 - 25 رمضان 1439هـ

موقف العرب تجاهَ قضيةِ القدس مريبٌ!

كتبه/ رجب أبو بسيسة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإني لأتساءل: هل هذه إرهاصات ما يتردد حول صفقة القرن؟!

أم يأسٌ وإحباط؟

أم القضية أصبحت مكلِّفة؟

أم انشغالٌ بأحوالِهم الداخليةِ وأزماتِهم؟

أم كل ما سبق؟!

يجب أن تعودَ قضيةُ "القدس" في المقدمة؛ وإلا فضياع الأقصى يعني أنَّ الجميعَ سيُباعُ في سوق النخاسين "حكامًا ومحكومين"، ولن تبقى دُولٌ ولا عُروشٌ ولا كراسِي، ولا غنيمة ولا مغنم! خصوصا مع أطماعِ اليهودِ في مصرَ والحجاز والشام، وهذا لا يخفى على أحدٍ!

الانشغالُ عن قضيةِ القدس أمرٌ لا يُبَرَّرُ أبدًا، ومِن العجيب أنك تجدُ كل الدول العربية تفتحُ على شعوبها أبوابًا مِن الفِتنِ والانحلالِ بِدعوى الانفتاحِ على العالَم، حتى وصلنا إلى درجةٍ ذابت فيها الشخصيةُ العربيةُ أمام الحضارة الغربية، ووصل مِن انْبِهَارِهَا بها أَنَّهَا أصبحت تَرَاهَا النموذجَ الكاملَ!

ويا ليتنا أَخَذْنا مِن الغربِ مَوَاطِنَ القوة، لكن لِلأَسف أخذنا التَّرَفَ وتَقْلِيدَ الفسق والانفتاح على الشهواتِ والملذات، حتى أصبح أهمُّ ما عندَ بعضِ مثقفي العَرب والنخبةِ -كما يحلو لهم أنْ يُسَمُّوا أنفسَهم!-: التخلُّصَ مِن كلِ ما يُعِيقُ التطابقَ والمماثلةَ والتبعيَّةَ، والسعي في رِكابِ الغربِ واليهودِ حتى لو كان على حسابِ ثَوَابِتِ الدين!

وأصبحَ بعضُنا اليومَ أَضَرَّ على قضايَانا وشريعتِنا مِن عَدوِّنا الأَصلِي والحقيقي؛ لأنهم يتكلمون بأَلسنتِنا ويعيشون معنَا فَجُرْأَتُهم على ثوابتِنا هُو ما فَتح شهيةَ أعداء الأمة مِن اليهود والأَمريكان في المزيدِ والمزيد مِن أطماعهم، ولا يخفى على أحدٍ الضغوطُ الحاصِلَة على قضيةِ القدس؛ فأعداؤنا ما فعلوا ذلك إلا مِن باب استغلالِ الغيبوبةِ وحالةِ التِّيه التي وقعنا فيها، وأزعم أننا ما وقعنا في ذلك بسبب كيدِ عدوانٍ فقط، بل بسببِ بُعدِنا عن دينِنا وشريعتِنا وهُويَّتِنا، وصدق الله -عز وجل- حيث قال: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165)، نعم... غَيبوبةٌ مُطْبِقَة!

وقد أخبرنا -سبحانه- بطريق الفَوزِ: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) (آل عمران:120)، لكن كيف الوصول إلى طريق الفوز؟! هذا ما يجب علينا البحث عنه؛ لنعلمْ جميعًا أن المكرَ والكيدَ لا يُؤَثِّرَانِ فِيمَن اعتَصَم بالله وشريعتِه.

تأمل... حالة الاستِمراء للواقع الأليم، ومصاحبة الذل والهوان، وكيف أن البعض يسلك مسلكَ التسويغِ في نفوسِ النشءِ والشبابِ؛ بدعوى المعايشة و السلام، وهي كما يعلمُ الجميعُ حيلٌ صلعاءُ رأيناها رأيْ العينِ في العراقِ وسوريا وأفغانستان.

وتَأَمَّلْ دعم راعي البقرِ لليهود واستخدامَهُ "للفِيتو" ضدَّ أيِّ قرارٍ أُمَمِيّ يَصُبُّ في صالحِ الجسدِ المتهالِك المُتفَكِّك، ثمَّ بعد ذلك يطلِقُون شعاراتهم الزائفة التي يروجها بعضُ السفهاء، وسَمَاسِرةِ الخَرَاب في بلاد العرب!

الحال الراهن:

المطلوب فيه تغييرُ تركيبةِ السكان ومزاج الشعوب، وفي الحقيقة قد نجحوا نجاحًا ملحوظًا، حتى قال أحد المسؤولين العرب البارزين عنِ القضيةِ الفلسطينية: "إِما أنْ يأتوا للنقاشِ حولَ السلامِ أو يسكتوا!".

وقال أحد المارِقين عن الهوية: "إن المسجدَ الأَقصى مكانه أَصلًا في الطائف، وليس في فلسطين!".

أَما حالُ الشباب في الوطن العربي فيفتحُ شهيةَ كلِّ عدوٍّ لِما يريدُ فعلَه حتى لو أرادوا فعل...! فشباب يغضبُ لإصابةِ لاعب، لا يتحرك لقتالٍ ولا لحربٍ... ويقولون ماذا نصنع؟!

نقول لك: اصنع ما صنعتَ عندما أُصيبَ اللاعب!

والأعجب أنَّ بعض الشباب أصبح لا يطيقُ النصحَ أَصلًا!

ثم أضِفْ إلى ذلك: حالة الصمت المُطبِق والخَرَس الجَماعِي تجاهَ قضيةِ نقل السفارةِ الأمريكية "للقدسِ!"؛ حتى مُجَردُ الشجب والاستنكار والإِدانة أَصبح أمرًا بعيدَ المَنال مع ضَعفِه!

مسؤول عربي بارز يقول: لا نستطيعُ أن نصنعَ شيئًا.

والسؤال: لماذا أنت مسؤولٌ إذن؟!

يا قوم... القدسُ قضيةُ عقيدةٍ، ولا يُوجَدُ عبرَ التاريخِ الماضِي والحديث أحدٌ فَرَّطَ في عقيدتِه وهُويَّتِه إلا ذَلَّ وهُزِمَ؛ فالعرَبُ لا يُصلِحُهم إلا الدينُ، ولا يرفَعُهُم إلا إياهُ.

قالَها أجدَادُنا: "إنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنا اللهُ بهذا الدينِ، فمَهْمَا ابتغَينَا العزةَ في غيرِه أَذَلَّنَا اللهُ -سبحانَه وتعالَى-".

والنَّاظِرُ فِي حالِ الأُمَّةِ يَجِدُ أَنَّ الكلَّ مشاركٌ، وكلٌّ بِقَدْرِهِ، والأوضاعُ الأخيرةُ في فلسطِين شَاهِدَةٌ على مَدَى تَخَاذُلِ الجميعِ حكَّامًا ومَحْكُومِين إلَّا مَن رَحِم رَبِّي، وقَليلٌ مَا هُم.

وللأسف: البعضُ إذا تَحَدَّثتَ إليهِ لا يُحرِّكْ ساكِنًا تجاهَ هذهِ القضيةِ، ويبخلُ حتى بالقليل، ويُلْقِي باللَّومِ على غيره، ويُبَرِّأُ نفسَه مِن كُلِّ تقصيرٍ، وتجد بعض الشباب العربي إِذَا تابَعْتَهُ متفاعِلًا -مثلًا- مع "رامز تحتَ الصفر"، والاستعداد لـ"كأسِ العالم"، ومتابعة مسلسل "نسر الصعيد"، وحضور الاحتفالات في جدة و دُبَي والقاهرة بكلِ قوةٍ وحماسٍ ونشَاط... فواللهِ هذا لا يُفهَمُ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ نوعٌ مِن أنواعِ عدمِ التوفيقِ والخذلانِ.

أيها الجيل... إن الاهتمامات بقضايا الأمة توفيقٌ قبلَ كل شيءٍ؛ فاسألْ نفسك: لماذا أنت غير مهتم؟!

فاللهم أَصلِحْ حالَ العربِ حُكَّامًا ومَحكُومِين، وَعُدْ بِنَا إِلى الكتابِ والسُّنَّةِ عودًا جَمِيلًا.

ولنا أمل... !