إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 05 يونيو 2018 - 21 رمضان 1439هـ

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (2)

كيف ربَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه على الانتفاع بالقرآن؟

كتبه/ رضا الخطيب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

إن نقطة البداية الصحيحة في طريق الانتفاع بالقرآن هي زيادة الإيمان، والثقة فيه كمصدرٍ متفردٍ للهداية والتغيير، وكيف رسّخَ رسولُ الله هذه المعاني في نُفُوسِ أصحابه.

تعظيم القرآن:

لقد تربَّى هذا الجيل الفريد على تعظيم القرآن، وأنه كلام الله؛ حينئذٍ تعلقت قلوبُهم به وتعايشوا معه، وكان أثره يزداد ويزداد فيهم كلما طالت فترات مكثهم معه؛ وكيف لا وما مِن لقاء يتم بيْن القلب والقرآن إلا والإيمان يزداد، والنور يتوهج في قلوبهم، والطاقة تتولد عندهم، والدافع للاستقامة يقوى؟!

ومِن هنا ندرك... كيف وصل هذا الجيل الفريد لهذا المستوى الإيماني غير المسبوق على مستوى البشر العاديين!

ذلك الإيمان الذي ظهرت آثاره العظيمة في كل الاتجاهات والأوقات، فمع أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يضحكون ويلعبون، ويمارسون حياتهم بصورةٍ متوازنةٍ؛ إلا أن الإيمان في قلوبهم كان كأمثال الجبال!

ولقد كان السبب الرئيس في إيمان الصحابة الفريد هو القرآن؛ فلقد انكبوا عليه تلاوةً وحفظًا، وتدبرًا، وتأدبًا به وأعطوه الكثير والكثير مِن أوقاتهم، وساعدهم على ذلك معلمُهم ومربيهم وقدوتهم -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد كان دائم التذكير بمكانة القرآن وعظمته، وأثَّر ذلك فيه؛ فقد دخل عليه يومًا أبو بكر -رضي  الله عنه- فقال له: شِبْتَ يا رسول الله قبْل المشيب. فقال له مبينًا السبب: (شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا قَبْلَ المَشِيبِ) (أخرجه ابن مردويه، وصححه الألباني).

وقال لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: (اقْرَأْ عَلَيَّ), قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي), قَالَ: فَقَرَاتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) فَقَالَ: (حَسْبُكَ الْآنَ, فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ, فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) (متفق عليه).

لقد اختلطت معاني القرآن بشخصية الرسول الكريم، وامتزجت بها؛ فصارت تتمثل واقعًا حيًّا في شخصه، وكأن القرآن أصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا . رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ) (الطلاق:10-11)، لقد كان بحق: قرآنًا يمشي على الأرض؛ لذلك عندما سئلت السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن خلقه، قالت: (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ) (رواه مسلم)، يرضي لرضاه، ويسخط لسخطه.

يأتمر بأمره, وينتهي بنهيه, ويتخلق بأخلاقه, ويتأدب بآدابه, ويتلوه حق تلاوته.

وكان للقرآن تأثير سريع عليه -صلى الله عليه وسلم- مِن الناحية العملية، وليس أدل على ذلك مِن أن جُودَه وإحسانَه كان يزداد أكثر وأكثر بعد أن يدارسه جبريل القرآن في رمضان، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ" (متفق عليه).

قال ابن حجر -رحمه الله-: "وفيه أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير".

وللحديث بقية -إن شاء الله-.