إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 05 يونيو 2018 - 21 رمضان 1439هـ

الذكرى السبعون لحكومة عموم فلسطين

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتمر علينا في أواخر شهر سبتمبر 2018م القادم ذكرى مرور سبعين عامًا ميلاديًّا على إنشاء حكومة عموم فلسطين، وهي الحكومة التي قررت الجامعة العربية في عام 1948م إنشاؤها لتمثِّل الدولة الفلسطينية في المحافل الرسمية والدولية، لتكون أول حكومة فلسطينية في التاريخ الحديث، والتي تجمدت أعمالها في 1952م، وكانت وفاة رئيسها (أحمد حلمي باشا) في يونيو 1963م إعلانًا بانتهائها.

إقامة حكومة في المنفى:

إقامة حكومة في المنفى مِن الأمور المعروفة دوليًّا، وتطلق على جماعةٍ مِن الأشخاص تضفي على نفسها صفة الحكومة لدولة -أي الجماعة- لا تقيم على أرضها، نتيجة احتلال أجنبي لهذه الأرض بالقوة العسكرية، فهي حكومة لا تمارس الإشراف الإداري على أرضها وشعبها التي تدعي أنها حكومته، وتتيح قواعد القانون الدولي للحكومات القائمة أن تقر وتعترف لهذه الحكومة في المنفى بالشخصية الدولية، وتمثيلها لشعبها، وأهليتها في التحدث باسمه، والدخول في علاقاتٍ دوليةٍ نيابة عنه، وإن كانت لا سيطرة لها على أرض الدولة التي تمثلها.

ومِن أشهر الأمثلة على ذلك:

(حكومة فرنسا الحرة) والتي اختار لها (شارل ديجول) -أثناء الكفاح المسلح لتحرير فرنسا مِن الاحتلال الألماني خلال الحرب العالمية الثانية- مدينة (لندن) لإقامة هذه الحكومة في المنفى عليها، حيث كانت لندن وقتها تتزعم المقاومة الأوروبية ضد ألمانيا النازية.

وقد استطاع ديجول الحفاظ على استقلالية القرار لحكومته، ومنع بريطانيا مِن فرض تصوراتها عليها، ونال التأييد المطلوب، ونجح في تعبئة الفرنسيين، وأثبت قدرته على تمثيلهم، وشكلت (فيتنام) حكومة مؤقتة لها في المنفى في الفترة بيْن 1969م إلى 1972م عندما بلغت مرحلة متقدمة مِن العمل السياسي والعسكري، كما رحبت (بكين) ببداية حكومة (كمبوديا) في المنفى عام 1970م.

واستضافت (لوساكا) و(دار السلام) حكومة (أنجولا) في المنفى في الفترة مِن 1963م إلى 1968م.

وعربيًّا: تبنت مصر حركة المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي منذ عام 1954م، وأعلن مِن القاهرة قيام حكومة الجزائر المؤقتة لتكون حكومة في المنفى، حتى نالت الجزائر الاستقلال عام 1962م.  

ويبقى السؤال: لماذا نجحت كل هذه الحكومات المؤقتة -والتي ظهرتْ قبْل وبعد حكومة عموم فلسطين- وفشلتْ حكومة عموم فلسطين؟! لعلك تصل معنا إلى الجواب بقراءة تفاصيل مِن هذه الصفحة المنسية مِن تاريخ القضية الفلسطينية.

إرهاصات ما قبْل حكومة عموم فلسطين:

شكَّل الفلسطينيون في منتصف الثلاثينيات (اللجنة العربية العليا) كقيادةٍ فلسطينيةٍ مِن الأحزاب المختلفة، وبعد اندلاع ثورة 1936م ولدور اللجنة العليا فيها أعلنتْ سلطة الانتداب البريطانية حلَّ اللجنة عام 1937م، وطاردت أعضائها، وخلال الحرب العالمية الثانية تفرَّق شمل اللجنة، وتشتت أعضاؤها خارج البلاد، بيْن نفي وهجرة.

تمثيل فلسطين في الجامعة العربية:

عند بدء مشاورات الجامعة العربية ظهر تنازع الأحزاب الفلسطينية حول تأليف قيادة فلسطينية جديدة، فتم الاكتفاء بانتداب مَن يمثِّل فلسطين في المشاورات، فكانت هذه إشارة إلى وجود أزمة في القيادة الفلسطينية، مع زيادة الخلافات الحزبية الفلسطينية والتنافس حول مَن يمثِّل فلسطين في الجامعة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بيْن بقايا (اللجنة العربية العليا) وبيْن (الجبهة العربية) المؤلفة مِن الأحزاب الفلسطينية والقيادات العمالية، وبعض المثقفين والزعماء المستقلين.

ثم كان بدء التدخل العربي في السياسة الفلسطينية، حيث قرر مجلس الجامعة العربية أن اختيار مندوبين عن فلسطين في الجامعة العربية هو مِن حق مجلس الجامعة العربية، وبعد مشاوراتٍ عربيةٍ وفلسطينية تم التوافق على تأليف هيئة جديدة باسم: (الهيئة العربية العليا) مكونة مِن أربعة أشخاص مناصفة بيْن الطرفين المتنازعين، واختيار المفتي الحاج "أمين الحسيني" رئيسًا لها.

وقد تم تنظيم أعمال الهيئة مِن القاهرة؛ نظرًا لرفض سلطة الانتداب البريطانية دخول بعض الساسة الفلسطينيين فلسطين، وفي مقدمتهم رئيس الهيئة "أمين الحسيني".

ظهور فكرة حكومة فلسطينية:

كان هدف الهيئة العليا دولة فلسطينية مستقلة بحكومةٍ وطنية، خاصة مع إعلان بريطانيا عن نيتها التخلي عن الانتداب على فلسطين عام 1948م؛ مما يستلزم وجود إطارٍ دستوري سياسي وإداري لملأ الفراغ الذي سيعقب انتهاء الانتداب، خاصة مع نية منظمة الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، ورفضها مطلب الفلسطينيين والعرب باستقلال فلسطين.

تقدمت الهيئة العليا عبْر رئيسها المفتي أمين الحسيني للجامعة العربية في أكتوبر 1947م بطلب تأليف حكومة عربية في فلسطين، إلا أن كلًا مِن مندوبي (شرق الأردن) والعراق عارضا بشدة ذلك الطلب؛ بدعوى خشية استفزاز الرأي العام العالمي في ضوء المعارضة الدولية لزعامة المفتي أمين الحسيني، والذي قام أثناء وجوده خارج فلسطين هربًا مِن حكومة الانتداب البريطانية في فلسطين بالاتصال بالنازيين أثناء الحرب العالمية الثانية في محاولة للاستفادة مِن عداوتها لإنجلترا في مساعدة الفلسطينيين؛ مما أعطى الفرصة لليهود لتشويه صورته أمام الرأي العام العالمي.

ويرى البعض أن هذا الاعتراض لا يعكس حقيقة الأمر؛ إذ إن الملك عبد الله (ملك شرق الأردن) رفض الحديث -في اجتماع عقد في عمان لمناقشة الموقف الأردني- عن أية حكومة فلسطينية بزعامة المفتي أم بدونه، بل وعارض تسليح الفلسطينيين؛ مما فسَّره البعض بنيته -بعد ذلك- في طلب ضم الأجزاء العربية مِن الدولة الفلسطينية المنتظرة إلى شرق الأردن لتكوين (الأردن الكبير).

بعد صدور قرار التقسيم مِن الأمم المتحدة في نوفمبر 1947م جددت الهيئة العربية مطلبها مِن الجامعة العربية في فبراير 1948م بتأليف حكومة فلسطينية تتولى الإدارة العامة عند انتهاء الانتداب البريطاني، وإقامة نظام مؤقت للبلاد باسم (الإدارة الفلسطينية العامة)، وإعلان فلسطين دولة مستقلة في 15/ 5 / 1948م، ولكن رفضت الجامعة الطلب بزعم أنه سابق لأوانه، وتكرر الرفض لما كررت الهيئة العربية الطلب مِن الجامعة العربية في أبريل 1948م. ويعد ذلك صورة مِن صور أزمة تمثيل فلسطين في هذه الفترة.

ونتيجة للانقسام الفلسطيني بحيث لم تستطع الهيئة العربية العليا أن تملي طلبها، ولم تصغَ الجامعة العربية لها؛ بات واضحًا أن الهيئة العليا -ورئيسها المفتي أمين الحسيني- ليس له حظوة في السياسة العربية.

إعلان قيام دولة إسرائيل:

مع انتهاء الانتداب البريطاني في 14/ 5/ 1948م أعلن عن قيام دولة إسرائيل في 15 / 5 / 1948م، وعلى النقيض كان الجانب الفلسطيني دون صفة دولية قانونية، فليس له حكومة ولا إدارة، ولا قوات عسكرية منظمة، والهيئة العربية العليا تعاني مِن التهميش، وبدون دورٍ سياسي أو عسكري، ولا دعم مالي لها تقريبًا.

دخول الجيوش العربية فلسطين:

- دخلت الجيوش العربية فلسطين في مايو 1948م بتوجيهٍ مِن الجامعة العربية لمواجهة العصابات الصهيونية المسلحة؛ مما زاد مِن تعقد الوضع المدني والإداري الفلسطيني، إذ اعتبرت الجيوش العربية نفسها وحدها المنوط بها حماية عروبة فلسطين وعرب فلسطين، فلم يكن للأحزاب والهيئات السياسية الفلسطينية أي دور في تنظيم أحوال أو حماية شعب فلسطين، في الوقت الذي قامتْ فيه العصابات الصهيونية بالاستيلاء على القرى والمدن الفلسطينية وتصفية وجود الفلسطينيين بها، والسيطرة على أكبر قدرٍ ممكن داخل وخارج الجزء المخصص مِن الأمم المتحدة لليهود.

- تولت الجيوش العربية -على تعددها- مسئولية إدارة المناطق التي تحت يدها، ودون تنسيق فيما بينها، وبعد توقيع الهدنة الأولى في 11/ 6 / 1948م أنشأت الجامعة العربية إدارة فلسطينية مدنية مؤقتة في 8 / 7 / 1948م.

- جددت الهيئة العربية العليا مطلبها بإنشاء حكومة تمثـِّل فلسطين، ولكن بضغطٍ مِن الملك عبد الله رفضت الجامعة مجددًا الطلب، تفاديًا للانشقاق العربي حول إعلان حكومة فلسطينية، واكتفت بإنشاء (الإدارة المدنية المؤقتة)، فأظهرت الهيئة العليا عدم رضاها عن هذه الإدارة؛ إذ تضر بوضع الهيئة، ورفضت التعاون معها، ومع تجدد القتال في 9 / 7 / 1948م، والانشغال بالحرب مِن جديد، وتوالي هزائم الجيوش العربية، تجمد عمل الإدارة المدنية المؤقتة.

قيام حكومة عموم فلسطين:

اتخذت الجامعة العربية قرارًا بقيام حكومة فلسطينية بتأييد قوي مِن مصر وسوريا، رغم المعارضة الأردنية، والتي مِن أجلها راعت الجامعة:

- تسمية الحكومة باسم: (حكومة عموم فلسطين) لمواجهة الزعم الأردني بأن قيام دولة في القسم العربي مِن فلسطين يُعد اعترافًا بتقسيم فلسطين.

اختيار (أحمد حلمي باشا) -أحد الشخصيات العربية الوطنية- رئيسًا لهذه الحكومة، واستبعاد المفتي أمين الحسيني لاعتراض الأردن عليه مِن جهةٍ، ولما يثيره وجوده مِن تحفظاتٍ.

- وبتوجيه مِن الهيئة العليا ورعاية مصرية انعقد المؤتمر الفلسطيني الوطني في غزة في 30 / 9 / 1948م لإضفاء الشرعية الشعبية على هذه الحكومة، واستجاب للحضور للمؤتمر كثيرون.

ظروف وتطورات حكومة عموم فلسطين:

يتضح -مما ذكرنا- أن دخول الجيوش العربية فلسطين في مايو 1948م كان للحفاظ على الكيان السياسي لفلسطين، حيث أكدت الجامعة العربية على استقلال فلسطين، وأن حكمها لأهلها، ولفقد الفلسطينيين صفة المواطنة السياسية الرسمية بنهاية الانتداب البريطاني، فلم يعد لهم جنسية ولا هيئة سياسية تتضمن وجودهم، ومع بوادر المطامع الأردنية لضم أجزاءٍ مِن فلسطين، كان التفكير في إقامة حكومة عموم فلسطين، خاصة وأن الهيئة العربية العليا صارت لا تصلح لهذا الغرض، كما أن رئاسة المفتي أمين الحسيني لها أضعف موقفها دوليًّا؛ بسبب دعاوي انحيازه إلى ألمانيا النازية واتصاله بها خلال الحرب العالمية الثانية.

واستلزم تكوين الحكومة الاستعداد العسكري الفلسطيني، فتم تدعيم قوات الجهاد المقدس، لتكون نواة للجيش الفلسطيني، وتم تأليف قيادة لإدارة شئون القتال في المنطقة الجنوبية مِن فلسطين، وكانت وحدات هذا الجيش تعمل تحت إشراف القيادة المصرية، ومع التدهور العسكري وازدياد اللاجئين الفلسطينيين إلى قطاع غزة زادتْ مشاكل القطاع الاقتصادية، واضطر أعضاء الحكومة إلى مغادرة غزة نظرًا للخطر المحدق بها.

- بعد اتفاقية الهدنة بيْن مصر وإسرائيل في فبراير 1949م -والتي حددت تسليح قطاع غزة، وألزمت مصر بأن تكون قواتها دفاعية- أعاق ذلك البرنامج العسكري لحكومة عموم فلسطين.

وقد اختلفت المواقف حول حكومة عموم فلسطين؛ ففلسطينيًّا: تلقتها الجماهير الفلسطينية بترحيبٍ حذر، واستنكرها البعض خشية صرفها للهمم عن الإعداد للقتال والانشغال بالتطلع إلى كراسي الحكم، ورآها البعض أنها امتداد للهيئة العليا والمفتي، وتشكك البعض في قدرتها على القيام بدورها وهي تفتقد الدعم المالي ولن تكفي نفسها بنفسها، وقد شهد تشكيل الحكومة منافسة على اختيار أعضائها والاختلاف حول مَن يمثِّل الفلسطينيين فيها.

موقف الأردن:

مع دخول الجيوش العربية -ومنها الجيش الأردني- أرض فلسطين سيطرت القوات الأردنية على أجزاءٍ واسعةٍ مِن فلسطين بالتنسيق مع القوات العراقية المسيطرة على أجزاءٍ مجاورة، وقد صاحب اعتراض الأردن على إقامة حكومة فلسطينية التهديد بسحب قواته مِن فلسطين، والانسحاب مِن الجامعة العربية.

وشجعها على ذلك:

- وجود الانقسام الفلسطيني؛ قيادة وشعبًا تجاه الحكومة الفلسطينية، فادعت الأردن أن حكومة عموم فلسطين لا تمثِّل كل الشعب الفلسطيني، ومَن يؤيدونها لا يمثلون غالب الفلسطينيين، وأنها حكومة مفروضة عليهم دون اختيارهم.

- ادعاء أن الاعتراف بحكومةٍ عربية فلسطينية يعني القبول بمبدأ تقسيم فلسطين، خاصة في ظل الاعتراف بدولة إسرائيل دوليًّا؛ وعليه قامت الأردن بملاحقة قوات الجهاد المقدس الفلسطينية، والتي كانت مرشحة لتكون جيش حكومة عموم فلسطين، فنزعت سلاحها، وأضعفت فاعليتها بدعوى أن عليها أن تخضع لأوامر الجيش الأردني في المناطق التي تحت سيطرة الجيش الأردني، وكان ذلك مِن أسباب تجميد أعمال حكومة عموم فلسطين رسميًّا عام 1952م.

- وأقامت 4 مؤتمرات شعبية في الفترة مِن أكتوبر إلى ديسمبر 1948م لنزع الشرعية عن المؤتمر الفلسطيني الوطني في غزة في 30 / 9 / 1948م -الداعم لإنشاء حكومة عموم فلسطين- شارك فيها فلسطينيون تحت الإدارة الأردنية لإظهار معارضتهم لحكومة عموم فلسطين، والمطالبة بالوحدة الأردنية الفلسطينية كمقدمةٍ للوحدة العربية.

- وكان قيام الأردن بضم الضفة الغربية ومعارضته لحكومة عموم فلسطين مِن أسباب سوء التفاهم في تلك الفترة بيْن مصر والأردن.

موقف مصر:

تبدَّل موقف مصر مِن حكومة عموم فلسطين مِن التأييد لها في البداية إلى الانصراف عنها؛ مما يدل على افتقاد الرؤية طويلة الأجل تجاه الحكم والسياسة في فلسطين؛ فأيدت مصر في البداية حكومة عموم فلسطين، وساهمتْ بقوة في إنشائها، واعترفت بها في 12/ 10 / 1948م، كما اعترفتْ بها أيضًا السعودية، والعراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، وأفغانستان. وقد تبنت مصر عقد المؤتمر الوطني في غزة، التي كانت تحت الإدارة المصرية، رغم تحفظها على تواجد المفتي أمين الحسيني، إذ كانت مصر تؤثر بقاءه بعيدًا عن هذه الحكومة، وعن المؤتمر الوطني؛ لعدم إثارة الأطراف الدولية والعربية التي تعترض على وجود المفتي، وكان الغرض مِن ذلك إيجاد تأييد دولي في مواجهة المحاولات الإسرائيلية الرامية إلى طمس الوجود الفلسطيني، ومواجهة المحاولات الأردنية لضم ما تبقى مِن فلسطين.

ورغم التأييد العربي لحكومة عموم فلسطين، لكنها فقدت الفاعلية المأمولة والاستمرارية المطلوبة لأمورٍ، منها:

- عدم دعمها بالمال الكافي.

- عدم تسليم هذه الحكومة الأجزاء التي تم السيطرة عليها مِن فلسطين، وانسحاب الدول العربية، مع الإبقاء على الجيوش المقاتلة لنصرتها ضد العصابات اليهودية.

- عدم تواجد إجماع عربي على الاعتراف بهذه الحكومة.  

- عدم السعي الجاد للحصول على اعتراف العالم الخارجي بهذه الحكومة.

- عدم تشكيل جيش فلسطيني لإنقاذ وتحرير فلسطين.

لكن الموقف المصري المؤيد لحكومة عموم فلسطين تراجع، حيث سحبت الحكومة من غزة إلى القاهرة، ولم يسمح لها بممارسة مهامها في غزة أو في القاهرة، بل لم توجه الدعوة لهذه الحكومة لحضور دورة مجلس الجامعة العربية في دورة الخريف عام 1949م نزولًا على رغبة ملك الأردن، وفي سبتمبر عام 1952م قررت الجامعة العربية تجميد أعمال الحكومة.

وفي الفترة مِن عام 1952م إلى حرب 1956م اتبعت ثورة يوليو في مصر نهجًا لينًا تجاه إسرائيل؛ إذ لم تكن القضية الفلسطينية في أولويات السياسة المصرية، حيث انشغلت مصر بتحقيق الجلاء الإنجليزي، وإعادة تسليح جيش مصر؛ لذا لم تعارض مصر قرار الجامعة العربية بتجميد أعمال الحكومة الفلسطينية في 23/ 9 / 1952م.

وقد شاركت مصر في مداولات بشأن تنظيم الكيان الفلسطيني في أواخر الخمسينيات، في لقاءاتٍ مع المفتي "أمين الحسيني" عن الهيئة العربية العليا، ومع أحمد حلمي باشا عن حكومة عموم فلسطين، ولكنها لم تأتِ بنتائج عملية، وبوفاة أحمد حلمي باشا أسدل الستار على هذه الحكومة، وتم بعدها إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964م.

موقف بريطانيا:

كما عارضت بريطانيا اللجنة العربية العليا في فلسطين، وقامت بحلها عام 1937م، ومطاردة زعمائها، ولم تتجاوب مع الهيئة العربية العليا، وقامتْ بمنع رئيسها المفتي "أمين الحسيني" مِن العودة لفلسطين حتى بعد إعلان حكومة عموم فلسطين.

وعندما سعت الجامعة العربية لتدريب وتأهيل الفلسطينيين لتكوين قوة عسكرية للدفاع عن فلسطين وتكوين نواة للجيش الفلسطيني، احتجت بريطانيا عند الجامعة العربية، بدعوى أن هذا إجراء غير ودي تجاه سلطة الانتداب البريطاني التي لم تنسحب بعد مِن فلسطين، وأدى ذلك إلى استبعاد الفلسطينيين مِن المشاركة في القتال في حرب 1948م، وحرمان حكومة عموم فلسطين مِن وجود قوة عسكرية تابعة لها، هذا في الوقت التي كانت تسمح فيه بريطانيا لليهود بتشكيل قواتٍ عسكرية في فلسطين فائقة العدد والعدة.

كما أيدت بريطانيا سرًّا ثم علانية -وكذلك أمريكا- طموحات الملك عبد الله لضم الضفة الغربية إلى شرق الأردن، وهو ما تحقق في أبريل عام 1950م، وقد تدخلت بريطانيا لتهدئة الأجواء العربية المحتقنة ضد الأردن لسعيه لضم الضفة العربية إليه، ثم تدخلت لحمل الدول العربية على العدول عن نبذ الأردن مِن الجامعة العربية لخطوتها في إكمال عملية ضم شرق فلسطين (الضفة الغربية) للأردن، كما أوعزت بريطانيا لبعض الفلسطينيين بطلب الحماية مِن الجيش الأردني.

كما عارضت بريطانيا إعلان الدولة الفلسطينية بدعوى أنها لن تقدر على القيام بأعباء الاكتفاء الذاتي، وستكون بؤرة توتر وتعصب عربي في المنطقة يستفز اليهود، ويجعل المنطقة معرضة للقلاقل، مما يهدد مصالح بريطانيا الإستراتيجية.

وبعد نهاية حرب 1948م والهدنة مع إسرائيل سعت بريطانيا إلى تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية لاجئين، وتسوية مشكلات الحدود بيْن الدول العربية وإسرائيل، وتعهدت مع فرنسا وأمريكا في تصريح ثلاثي في 25 / 5 / 1950م بحماية حدود إسرائيل دون أي إشارة إلى مصير الكيان الفلسطيني.

موقف منظمة الأمم المتحدة:

رغم قبول الأمم المتحدة للهيئة العربية العليا -التي أنشأت مِن قبل الجامعة العربية عام 1946م- ممثلة للجانب الفلسطيني أمام الدورة الثالثة للأمم المتحدة في خريف عام 1948م في باريس مقابل تمثيل الحكومة الإسرائيلية التي أعلنت منتصف مايو 1948م، لكن لم تصدر أي إشارة تفيد اعترافها بحكومة عموم فلسطين كممثل للشعب الفلسطيني، رغم اعترافها بشرق الأردن وإسرائيل، ولعل ذلك يرجع إلى فقدان هذه الحكومة للتأييد العربي القوي ومعاملة الجامعة العربية لها بفتور.

الموقف الإسرائيلي:

سعت إسرائيل إلى تحقيق أطماعها بالاستيلاء على المناطق المخصصة للعرب في تقسيم الأمم المتحدة بدعوى عدم وجود حكومة عربية مستقرة تتسلم المناطق المخصصة للعرب، خاصة مع رفض العرب للتقسيم، وضم الأردن لأجزاءٍ عربية تحت سيطرته.

نهاية حكومة عموم فلسطين:  

في 29 / 6 / 1963م توفي "أحمد حلمي باشا" في لبنان، ودفن بالقدس بناءً على وصيته، وقد نعاه أمين الجامعة العربية، وكانت وفاته إعلانًا بنهاية حكومة عموم فلسطين لكون اسمها ارتبط به منذ تجميد أعمالها، وقد وقع الاختيار على (أحمد الشقيري) لتمثيل فلسطين بالجامعة العربية، الذي رشحته الهيئة العربية العليا، وكان يُعد مِن النخبة التقليدية، وموضع ثقة القيادات الفلسطينية، ومنها قيادات مِن حكومة عموم فلسطين.

ولفتور السياسة العربية تجاه حكومة عموم فلسطين وقلة حيلتها، تشكَّل كيان فلسطيني آخر، وهو منظمة التحرير الفلسطينية (للاستزادة راجع: "حكومة عموم فلسطين في ذكراها الخمسين"، تأليف: محمد خالد الأذعر، وتقديم محمد حسنين هيكل، ط. دار الشروق).