إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 02 يونيو 2018 - 18 رمضان 1439هـ

(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن أعظم فضل الله ورحمته على عباده المؤمنين؛ هذا القرآن العظيم الذي يحصل به لهم مِن أنواع الفرح ما لا يحصل مثله بغيره أبدًا (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58).

وهذا الفرح بكتاب الله ومعانيه مِن الفضل والرحمة لا يتوقف على وجود الأحوال الموافقة التي يتمناها الإنسان، ولا يزول بوجود الأحوال المؤلمة والمحن والفتن؛ بل هو فرح مستمر على الدوام طالما تدبر المرءُ القرآنَ ونظر إلى أنواره وامتلأ قلبه بها؛ فأخرجت مِن القلب ظلمات الجهل والظلم، والتصورات الباطلة، والإرادات الفاسدة؛ فتخلص مِن الضلال والغي اللذين هما سبب شقاء الإنسان وتعاسته؛ لحرمانه مِن سبب الحياة بنور العلم والعدل، بالهدى ودين الحق.

وإن مِن أعظم أسباب الفرح والسعادة: تذكر أيام الله التي أنزل فيها نعمة وأياديه على رسله وأوليائه فتحصل لهم فيها الفرج والفرح بعد طول عناء، وطريق آلام، وهذه الأيام هي التي يتغير بها وجه الحياة على الأرض رغم أن الحياة قبلها تظل روتينية حتى يظن أعداء الله أنه ما لهم مِن زوال، بل ويقسمون على ذلك: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) (إبراهيم:44)؛ فتأتي لحظات النصر وأيام النِّعَم؛ فتنقلب الموازين، ويُدْبِر الليلُ ويسفر الصبحُ، وتشرق شمسُ الإسلام!

والقرآن يبيِّن لنا هذه اللحظات بتفصيلٍ عجيب للمشهد حتى كأنك تراه! فتسعد بهذه الأيام كأنك حاضر فيها؛ فيزول عنك ألم الغربة وأذى المحنة، وتصغر عندك موازين أهل الأرض وعوائقهم في طريق الدعاة، وترى خريطة الحياة البشرية على وجه الأرض وصراعاتها ونهايات هذه الصراعات أمام عينيك محسومة لصالح الحق ولو طال زمن الظلم والظلام!

ولقد أمر الله موسى -عليه السلام- فقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (إبراهيم:5)، وأمر أيضًا نبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يأمر أمته بالمغفرة لمَن لا يرجو أيام الله فقال: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الجاثية:14).

فمَن أراد أن يأخذ نصيبه مِن هذا الفرح وهذا النور ويهون عليه أذى المؤذين فليتأمل أيام نصر الله نبيه نوحًا -عليه السلام- بعد أن كان مغلوبًا تسعمائة وخمسين عامًا، وتفكر في قوله -تعالى-: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ . وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ . قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ . وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود:40-44).

وتأمل مشهد إبراهيم وقد أوثقه قومه، وأوقدوا النار وألقوه في النار بالفعل؛ تنفيذًا للحكم الجائر الظالم: (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) (الأنبياء:68)؛ فإذا بالحكم الإلهي: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء:69)؛ فتحرق النار وثاقه فقط، وينعم فيها إبراهيم بالبرد والسلام؛ فسوف تجد النصر كأنك حاضر!

وتأمل "يوم الزينة" وقد جاء فرعون ومعه عشرات الآلاف مِن السَّحَرَة، غير مئات الآلاف مِن الجنود والناس، وأَلْقَى السحرةُ حِبَالَهم وعِصِيَّهم، وامتلأ الوادي بالحيات والثعابين، و(سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (الأعراف:116-122).

وفَكِّرْ كثيرًا في تفاصيل المشهد في هذا اليوم مِن أيام الله كما ورد في الآيات، وعصا موسى -عليه السلام- تلقف بسرعة كل هذا الباطل، وفي لحظات تخلو الأرض مِن كل شيء صنعوه؛ إلا الثعبان المبين!

وتأمَّلْ: (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ثم انْتَقِل إلى وُجوهِ فرعون وملئِه، وانْظُر إلى أثر الهزيمة وذُلِّهَا وحيرتهم في انكسارهم (فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ).

ثم الْتَفِتْ إلى ناحيةٍ أخرى مِن المشهد؛ لترى نزول نعمة عجيبة تحمد ربك عليها، وتشكره على نصر جديد لموسى -عليه السلام-، ونعمة وفرحة وفضل على السَّحَرَة في اللحظات الأخيرة مِن عمرهم بعد عمرٍ مديدٍ في السِّحْرِ؛ فإذا الإيمان قد نزل، والجباه قد سجدت للملك الحق، والألسنة قد نطقت بالتوحيد الخالص: (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ).

ولتعلم قدرة الله على تقليب القلوب، فقد شهد الآية فرعون وملؤه ومئات الآلاف مِن جنوده وقومه كما شهدها السحرة، واصطفى الله قلوب السحرة للإيمان والصبر والتضحية والثبات، وشهود منازل الجنان دون الفراعنة!

وتأمل نور الأحوال الإيمانية واختلاف الموازين عند السحرة بعد: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) (الشعراء:41)، إلى أن: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى . إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى . وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى . جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) (طه:72-76)؛ فوالله ليهونن عليك ما تجد مِن آلامٍ، وتجد فرحة عز الإيمان ونصر الحق.

وتأمل يوم التمكين ليوسف -والمَلِكُ يطلبه يستخلصه لنفسه-؛ فخرج مِن السجن في عِزٍّ ليس له نظير، ليس كالذي أراده لنفسه يوم قال لصاحبه في السجن: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) (يوسف:42)؛ صار الملك يقول ما قال الله: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ . قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ . وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يوسف:54-57).

وتأمل لحظة الفرج على نبي الله يعقوب -عليه السلام-: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (يوسف:96)؛ في لحظةٍ وجَدُوا يوسف وبنيامين والأخ الثالث، ويوسف -عليه السلام- صار مَلِكًا على مصر، وعاد البَصَرُ ليعقوب -عليه السلام-؛ واللهِ إنَّهُ لَيَوْمٌ مِن أيام الله ونِعَمِه وأياديه، يزول معها كرب المكروب وحزن الحزين.

وتأمَّلْ يوم رحيل الأحزاب؛ بعد الضيق والكرب الطويل تحَوَّلَت دَفَّةُ الأمور وصرنا نغزوهم ولا يغزوننا، (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا . وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحزاب:25-27).

وتأمَّلْ وجهَ الحياةِ اليوم؛ لتجد أثر نوح وإبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد -صلى الله عليهم وسلم- هو الذي شَكَّل وجهَ الحياةِ اليوم، وليس ما صنع أعداؤهم؛ بل بطل ذلك المكر والكيد، والظلم والظلام، وثبت الحق وبقي.

فهل آن لنا أن نفرح بالقرآن؟!