إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 31 مايو 2018 - 16 رمضان 1439هـ

الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية أو (مشروع الشرق الأوسط الكبير)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمنذ أن ضعفتِ الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، وصارتْ في نظر الدول الأوروبية الاستعمارية رجلًا مريضًا قامتِ الدول الأوروبية بالتكالب على الدولة العثمانية، وإدخالها في حروب خارجية تضعفها، وأشعلت نار الفتن الداخلية بإثارة النعرات القومية والطائفية، واستغلت القروض الربوية والامتيازات الأجنبية للتدخل في شئون الدولة العثمانية وتوجهاتها، وارتبط ذلك بزيادة المطامع الاستعمارية في الاستيلاء على المنطقة العربية التي هي وقتها كانت تحت السيادة العثمانية وفي حوزتها، خاصة الحجاز والخليج العربي والعراق والشام والحجاز؛ لما فيها مِن ثروات وموارد طبيعية، خاصة مع اكتشاف البترول في المنطقة وظهور أهميته، إلى جانب أهميتها الجغرافية والإستراتيجية بموقعها في قلب العالم القديم, ووجود قناة السويس فيها.

التخطيط لتفتيت المنطقة العربية:

بدأ التخطيط الجاد مِن الدول الأوروبية الاستعمارية لإخراج المنطقة العربية مِن سيطرة الدولة العثمانية مِن جهة، وتمزيقها سياسيًّا بتفتيتها إلى دويلاتٍ صغيرةٍ مِن جهةٍ أخرى، وإخضاعها للسيطرة العسكرية الأوروبية، وصبغها سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وفكريًّا بصبغة الحضارة الأوروبية الحديثة، ففي مؤتمر لندن 1905م خرجت الدول الأوروبية الاستعمارية بتوصيات ترتبط بتفتيت المنطقة العربية وتقسيمها للسيطرة على طرق التجارة والمواصلات العالمية بيْن الشرق والغرب، وبيْن الشمال والجنوب.

وفي اتفاقية (سايكس بيكو) 1915م اتفقت الدول الاستعمارية على كيفية تقسيم المنطقة العربية بعد إخراجها مِن السيطرة العثمانية، حال هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وفي نوفمبر 1917م كان وعد الحكومة البريطانية للحركة الصهيونية بالسعي لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين (وعد بلفور)، إذ رأت بريطانيا أن في إقامة دولة لليهود في فلسطين فائدة كبيرة لمصالحها، ففيها حل للمسألة اليهودية (اضطهاد اليهود في أوروبا)، وإقامة دولة تنتمي سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا للحضارة الغربية في المنطقة، وهي دولة سيكون ولاؤها لبريطانيا، تحرس مصالحها، وتساندها في انفرادها بقناة السويس، بإبعاد أي نفوذ أوروبي آخر عنها، دون مشاكل مع الدول الأوروبية التي قد تمانع في سيطرة بريطانيا المباشر على فلسطين، لمكانتها التاريخية والدينية عند نصارى أوروبا وأهميتها الجغرافية، وذلك قبْل تعديل اتفاقية (سايكس بيكو) في معاهدة (سان ريمو) 1920م، والموافقة على انفراد بريطانيا بالانتداب على فلسطين، في مقابل موافقة بريطانيا على شروط فرنسا القاسية على ألمانيا المهزومة في الحرب العالمية الأولى.

ومِن خلال عصبة الأمم التي أنشأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى تم تقسيم المنطقة العربية في العراق والشام بعد تفتيتها وتجزئتها إلى دويلاتٍ صغيرةٍ؛ فكانت سوريا ولبنان تحت الانتداب (النفوذ) الفرنسي، وكانت العراق وفلسطين تحت الانتداب (النفوذ) البريطاني، مع إلزام حكومة الانتداب البريطاني بتنفيذ "وعد بلفور" بتهيئة الظروف لهجرة اليهود الجماعية إلى فلسطين وإقامة وطن قومي لليهود فيها، بينما بقت الحجاز والضفة الشرقية لنهر الأردن (المملكة الأردنية الهاشمية) تحت حكم عربي، وهكذا حقق الغرب ما أراد، وصارت المنطقة العربية مقسَّمة إلى وحداتٍ سياسيةٍ منفصلة تحت الانتداب، لا حول لها ولا قوة، تتضارب في أحوالها ومذاهبها وتوجهاتها، وتتحكم في مقدراتها الدول الكبرى وترتبط مصالحها الاقتصادية وثقافتها وقيمها الحضارية والاجتماعية بها، حتى بعد حصولها على الاستقلال وإنهاء الاحتلال العسكري الأوروبي المباشر لها، إذ بقت تبعاته الاقتصادية والفكرية والاجتماعية والثقافية التي لم تستطع التحرر منها بالكلية، بالإضافة إلى الحاجة للديون الأجنبية والانشغال بالأزمات والحروب الإقليمية، وتردي الأحوال العسكرية والاقتصادية والعلمية، وتفشي الصراعات الطائفية والمذهبية، وإثارة مشاكل الأقليات، وكلها أمور مهَّدت -ومكنت- مِن تدخل الدول الأوروبية وأمريكا المباشر وغير المباشر في شئون الدول العربية، وفرض إرادتها عليها مِن جديدٍ، وعلى درجاتٍ مختلفةٍ، لم تنجو منها دولة عربية دون أخرى.

دروس مِن الحربين العالميتين:

وقد خرجت الدول الاستعمارية الكبرى مِن الحربين العالميتين الأولى والثانية بدروسٍ مستفادةٍ، منها:

- أن الغزو المسلح واحتلال أراضي الغير بالقوة وقهر الشعوب للاستيلاء بالقوة على ثرواتها، واستمرار هذا الاحتلال، يكلف الكثير مِن الناحية البشرية، وأن العائد قد لا يكون بقدر الخسارة البشرية -خاصة إذا كانت الخسارة البشرية كبيرة- نتيجة استمرار الصراع مع أصحاب الأرض، خاصة وقد أسفرت الحربين العالميتين -نتيجة الصراع بيْن الدول الاستعمارية الأوروبية وخصومها- عن مقتل عشرات الملايين مِن البشر في سنواتٍ قليلةٍ، وكلفت العالم بأسره خسائر مادية جسيمة للغاية؛ مما أضر كثيرًا بهذه الدول الاستعمارية في نموها البشري بعد الحربين، وفي التكلفة الباهظة التي قُدِّمت لعلاج الآثار المادية المترتبة عليهما، بل أثرت الحرب العالمية الثانية في موازين القوى العالمية بتصدر أمريكا وروسيا للمشهد كقوتين كبيرتين على حساب إنجلترا وفرنسا، ومِن وراء أمريكا وروسيا ظهرت كذلك الصين.

- أن البشرية صارت تمتلك بفضل تطور تكنولوجيا التسليح أسلحة شديدة التدمير والقتل تسبب خسائر بشرية عالية، وخسائر مادية كبيرة جدًّا في المعدات والمنشآت والبنية التحتية؛ مما يجعل تكلفة الحرب -أي حرب- وإعادة بناء ما دمرته، وتعويض ما استخدم فيها مِن سلاح وذخائر تزيد عن عائدها، خاصة إذا تحملتها الدولة الاستعمارية وحدها، خاصة الخسائر في العنصر البشري التي تهز شعوب هذه الدول مِن الداخل وتثير اعتراضاتها على حكوماتها.

- أن المخرج مِن ذلك كله يكون بالسيطرة على الشعوب اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، ودفعها إلى تنفيذ ما فيه تحقيق مصالح الغرب لديها، فتكون دائمًا مصدرًا للمواد والخامات الأولية ومصادر الطاقة، ثم أسواقًا مفتوحة دائمة لتصريف منتجات الغرب، فتحقق هذه الدول الاستعمارية أهدافها بدون خوض للحروب المباشرة ضد الدول المستهدفة، مع تجنب مشكلات ما بعد الحرب مِن عداء وكراهية للدول المعتدية، إذ سترحب هذه الشعوب المستهدفة بالتعاون مع الغرب وتحقق له أهدافه طواعية وبإرادتها.

وتحقيق ذلك يتطلب فيما يتطلب:

- إضعاف الدول المستهدفة بتفتيتها، وتفكيكها، وإنهاكها، وإيجاد أوضاعٍ جديدة على الأرض فيها تخدم مصالح أعدائها، مِن خلال الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، وإثارة النزاعات الطائفية والمذهبية، واستخدام العملاء، وتشجيع وتأجيج الحروب الإقليمية المحدودة بيْن الدول الصغيرة فيما بينها لشغلها بذلك وإضعافها، وإشعارها بالخوف الدائم، والحاجة إلى المزيد مِن السلاح الفعال الذي تمتلكه الدول الاستعمارية وتحتكر تصنيعه وبيعه.

- انتهاج سياسة الحروب بالوكالة، وحروب الجيل الرابع، وهي أشكال جديدة مِن الحروب استخدم مصطلحها لأول مرة في عام 1989م مِن قِبَل محللين وخبراء مِن أمريكا، لتجنب مغبة تحمل الدخول في معارك حربية مباشرة، وتحمل تكلفتها البشرية والمادية والاكتفاء بدفع الغير للقيام بذلك أو بتحمل تبعات الحروب مِن تكلفة بشرية ومادية، وتحقيق مصالح الدول الاستعمارية عن طريقها، بتحقيق المزيد مِن الخضوع للغرب وزعامته.

وقد شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ظهور ونمو التحالف الأمريكي الصهيوني، وتعهد أمريكا لربيبتها (إسرائيل) التي نشأت وترعرعت في الحجر الأمريكي، وبلغت العلاقة بينهما إلى درجة التحالف الاستراتيجي، وتبني أمريكا الكامل لمصالح ومواقف إسرائيل، وتعدها بالمحافظة على أمن إسرائيل، وضمان تفوقها العسكري على مجموع ما حولها مِن الدول العربية، ودعمها الدائم لها ماديًّا ومعنويًّا، حتى في اعتداءاتها ومواقفها الاستفزازية التي أنكرها المجتمع الدولي كله عليها مِن خلال دوله، ومِن خلال منظماته الدولية والعالمية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة.

مصطلح: "الشرق الأوسط":

مما يتفق عليه المهتمون بالدراسات الشرق أوسطية أن مصطلح الشرق الأوسط قد ورد مِن خارج المنطقة العربية، وهو يرتبط بالمصالح الاستعمارية الغربية، وأوضح منه مصطلح: "الشرق الأقصى" الذي تطلقه دول أوروبا الغربية على منطقة شرق آسيا المطلة على المحيط الهادي، وتضم كيانات كبرى، منها: "الصين واليابان"، كما كانت تطلق على منطقة الشرق الأوسط قديمًا اسم: "الشرق الأدنى"، وتضم البلاد الواقعة في شرق البحر المتوسط بيْن الشرق الأقصى وأوروبا؛ لأن كل هذا الأراضي كانت واقعة إلى الشرق مِن دول أوروبا الغربية التي كانت تتزعم الاستعمار القديم بعد الاكتشافات الجغرافية.

وقد استخدم مصطلح الشرق الأوسط لأول مرة عام 1902م مِن قِبَل الكاتب الأمريكي (ألفريد ماهان) المتخصص في الإستراتيجية البحرية خلال مناقشته للإستراتيجية البحرية الإمبريالية البريطانية للإشارة إلى الطرق الغربية والشمالية المؤدية إلى الهند، كما استخدمه في نفس العام (فالينتاين شيرول) مراسل جريدة التايمز الانجليزية في مجموعة مقالاته التي امتدت لعدة شهور تحت عنوان (المسألة الشرق الأوسطية)، وهي المقالات التي صدرت بعد ذلك في كتاب في عام 1904م، وفي عام 1909م صدر كتاب (هاملتون) تحت عنوان (مشاكل الشرق الأوسط)، وفي عام 1911م تحدث الحاكم البريطاني في الهند (اللورد كيرزون) عن الأهمية الإستراتيجية للشرق الأوسط باعتباره مدخلا للهند وما يجاورها.

وقد شاع خلال الحرب العالمية الثانية استخدام هذا المصطلح بواسطة الحلفاء الأوروبيين للإشارة إلى الإقليم الممتد مِن جنوب آسيا إلى شمال إفريقيا، ليحل تدريجيًّا محل مصطلح الشرق الأدنى، ويعد هذا منطقيًّا أن تسمي أوروبا الغربية وأمريكا -وهي القوى المهيمنة- مناطق العالم المختلفة مِن حيث موقعها الجغرافي بالنسبة إلى غرب أوروبا وأمريكا.

حدود منطقة الشرق الأوسط:

ورغم الاختلاف بيْن الدول الكبرى حول تحديد الدول التي تدخل في منطقة الشرق الأوسط نظرًا لاختلاف مصالحها المرتبطة بدول المنطقة، فإنه يمكن تقسيم دول المنطقة إلى دول القلب المتفق على أنها منها، ثم دول تشكِّل الحلقة المحيطة بالقلب، ثم دول هامشية يكثر حولها الاختلاف في دمجها ضمن دول المنطقة مِن عدمه، فربما تدمج دول منها بالمنطقة في فترة لتخرج منها في أخرى.

فمِن دول القلب في المنطقة: العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين المحتلة (دول الهلال الخصيب العربية)، ويطلق عليها: (المجال الحيوي للشرق الأوسط).

ومِن دول الحلقة الخارجية حول القلب: السعودية، وإيران، وتركيا، ومصر، والسودان، وليبيا.  

ومِن الدول الهامشية: باقي دول شبه الجزيرة العربية: وتضم الكويت، وقطر، والبحرين، والأمارات، وسلطنة عمان، واليمن.

وباقي دول شمال إفريقيا: وتضم دول المغرب العربي: تونس، والمغرب، وموريتانيا. وامتداد إفريقيا الجنوبي: ومنها: أثيوبيا، والصومال. وامتداد آسيا شرقًا: ويشمل باكستان، وأفغانستان، والجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز، والتي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتضم: كازاخستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وقيزوغيستان، وطاجكستان، وأذربيجان، وامتداد أوروبي يتمثل في اليونان وقبرص.

فالحديث عن منطقة الشرق الأوسط يعني في الأساس دول القلب والدول المحيطة به، وتبقى دول الهامش مرشحة للإضافة إليها أو الخروج منها، ودول الشرق الأوسط هي الدول التي ارتبطت قديمًا بدور حماية ودعم الوجود الاستعماري البريطاني في الهند، والحيلولة دون تعرضه لأي أخطارٍ مِن جهةٍ، وكذلك دول مواجهة التحرك الروسي التوسعي في وسط آسيا خاصة إيران مِن جهةٍ أخرى.

وتتسم منطقة الشرق الأوسط بالتنوع العرقي والديني والسياسي، ففيها مِن السلالات: السامية (العرب واليهود)، والآرية (الإيرانيون)، والتركية (الأتراك سكان تركيا الحديثة)، والأكراد (في تركيا وشمال العراق وإيران).

وفيها مِن اللغات: اللغة العربية، والفارسية، والتركية، والكردية، بلهجاتها المحلية، بالإضافة إلى تواجد محدود للغة العبرية.

وفيها مِن الديانات: الإسلام، والنصرانية، واليهودية بطوائفها ومذاهبها المتعددة، إلى جانب عقائد وديانات أخرى محدودة متناثرة.

أهمية منطقة الشرق الأوسط:

لا يخفى على أحدٍ أن منطقة الشرق الأوسط مِن أهم المناطق في السياسة الدولية؛ لما لها مِن أهمية إستراتيجية في الماضي والحاضر، فيكفي أنها ملتقى قارات العالم القديم، حيث تتوسط القارات الثلاث: آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، أي تقع في قلب العالم قديمًا وحديثًا.

وفيها دول لها مزيد أهمية، مثل مصر التي تجمع مِن خلال شبه جزيرة سيناء بيْن قارتي: إفريقيا وآسيا؛ بالإضافة إلى وجود ممر قناة السويس الحيوي الموصل بيْن البحرين: الأبيض المتوسط والأحمر، وكذلك تركيا التي تجمع مِن خلال هضبة الأناضول بيْن قارتي: آسيا وأوروبا، بالإضافة إلى مضيق البسفور الذي يؤدي إلى البحر الأسود.

ومنطقة الشرق الأوسط وسط بيْن أهم المحيطات والبحار حول القارات الثلاث، وتتحكم في الممرات والمضايق البحرية التي تربط بينها؛ فمِن المحيط الهادي والمحيط الهندي وبحر العرب إلى الخليج العربي عن طريق مضيق هرمز، وإلى البحر الأحمر عن طريق مضيق باب المندب، ومِن البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط عن طريق قناة السويس، ومِن البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأسود عن طريق مضيق البسفور، وإلى المحيط الأطلنطي عن طريق مضيق جبل طارق؛ لذا فالمنطقة تتحكم في معظم حركة التجارة والمواصلات البحرية العالمية، وكذلك تتحكم في حركة التجارة البرية العالمية مِن جنوب شرق آسيا إلى الخليج العربي عبْر مضيق هرمز، فبلاد ما بيْن النهرين (الفرات ودجلة) إلى الشام فتركيا إلى أوروبا، أو عن طريق البحر الأحمر إلى مصر والسودان وقلب إفريقيا، أو عن طريق البحر الأحمر إلى البحر المتوسط فأوروبا.

وقد شهدت المنطقة وجود حضارات قديمة قبْل ميلاد المسيح -عليه السلام- في العراق (الحضارة الآشورية)، وفي مصر (الحضارة الفرعونية) وفي شرق البحر الأبيض المتوسط (الحضارة الفينيقية)، ومنها انتقلت الحضارة عن طريق اليونانيين والرومان إلى أوروبا، ثم عادت المنطقة مركزا للحضارة في شكل الحضارة الإسلامية مِن القرن السابع الميلادي، ولقرون طويلة، ثم بعد انتقالها إلى أوروبا ظهرت الحضارة الأوروبية الحديثة.

 وشهدت المنطقة كذلك نزول الشرائع السماوية الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلام، فبعث موسى -عليه السلام- في مصر، وبعث عيسى -عليه السلام- في فلسطين، وعاش النبي محمد -عليه السلام- في مكة والمدينة بالجزيرة العربية (السعودية حاليًا)؛ لذا فللمنطقة مكانة روحية كبيرة للمنتسبين للشرائع السماوية الثلاث.

وتتمتع المنطقة بالموارد الاقتصادية العالية، حيث تتنوع الحاصلات الزراعة النقدية فيها لوجود الأنهار العظيمة والأراضي الصالحة للزراعة بأقل تكلفة عن غيرها، وتمتاز بوفرة الموارد المعدنية والثروات المعدنية ومصادر الطاقة، خاصة البترول والغاز الطبيعي، وهذا ما زاد مِن أهمية المنطقة في العصر الحديث، حيث تعد مصادر الطاقة عماد الاقتصاد الصناعي الحديث؛ ونظرًا لكثافة المنطقة السكانية العالية وارتفاع دخول الأفراد خاصة في الدول المصدرة للبترول فيها فهي من أكبر وأهم الأسواق لتصريف المنتجات الأوروبية والأمريكية، وتعد الدول المصرة للبترول فيها مِن أهم الدول المشاركة في الاستثمارات العالمية بفوائض أموالها.

مشروع الشرق الأوسط الكبير:

هو مخطط حديث يعد امتدادًا للمصالح الغربية القديمة في المنطقة، يهدف إلى هيمنة إسرائيل الدولة الاستعمارية الاستيطانية العنصرية الوحيدة في العالم، التي تمارس الاستعمار العسكري المباشِر على أرض فلسطين، وتهدد ما حولها مِن دول الجوار، ظهر هذا المخطط بصورته الجديدة في أعقاب حرب الخليج الثانية، عقب الغزو العراقي للكويت، وتحرير الكويت بالقوة، حيث شهدت الدول العربية حالة مِن الانقسام والتردي كبيرة، وزادت تخوفات الدول العربية مِن بعضها، واستعان البعض منها بدول أجنبية لحمايته، وأنشأت قواعد عسكرية أجنبية على الأراضي العربية، تواجدت على حساب المال العربي لتحقيق الأمن لها، وقبلت القيادات الفلسطينية بالمفاوضات السلمية مع إسرائيل ونبذ الكفاح المسلح، وهو الاتجاه الذي أسفر عن اتفاقية أوسلو1993م، ومعاهدة السلام بيْن إسرائيل والأردن 1994م، فأعقب ذلك إصدار السياسي المخضرم شيمون بيريز -وزير خارجية إسرائيل في تلك الفترة- لكتابه (الشرق الأوسط الجديد)، الذي يعيد فيه صياغة مخططات الغرب لتحقيق مصالحه ومصالح إسرائيل في المنطقة، استغلالًا للحالة المتردية للأمة العربية بعد غزو العراق للكويت، في دعوة إلى جمع دول المنطقة في سوق مشتركة مع دمج إسرائيل فيها، بديلًا عن الصراع والنزاعات، بل وبديلًا -بالطبع- عن الجامعة والوحدة العربية، إذ سيكون هذا التجمع أكبر وأهم مِن الجامعة العربية، خاصة مع دخول إسرائيل وتركيا وإيران فيه.

المؤتمرات الاقتصادية الإقليمية:

وقد شهدت الفترة بعد صدور هذا الكتاب اجتماعات دول المنطقة بحضور إسرائيل للنظر في كيفية تحقيق مثل هذا التعاون في المنطقة وتصوراته، وهي الاجتماعات التي كشفت عن خبايا وحقيقة الأهداف وراء هذه الدعوة، وأنها لا تخرج عن الأطماع الغربية في المنطقة العربية، ففي المؤتمر الاقتصادي الإقليمي الأول بالدار البيضاء بالمغرب لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مِن 30/ 10 / 1994م إلى 1/ 11 / 1994م تم بحث موضوع التنمية الاقتصادية تحت رعاية مجلس العلاقات الخارجية والمنتدى الاقتصادي الدولي، وشاركت فيه وفود رسمية مِن 60 دولة بمشاركة دولة إسرائيل، وامتناع 6 دول عربية وإسلامية عن الحضور (ليبيا، والسودان، والجزائر، والعراق، واليمن، وإيران), وبدا مِن المؤتمر سعيه إلى تحويل الدول العربية إلى أسواقٍ تحقق حلم إسرائيل في نهضةٍ اقتصاديةٍ كبرى، واختراق الأمة العربية؛ مما يؤثِّر على مشروعاتها الوحدوية.

وشهد المؤتمر الاقتصادي الإقليمي الثاني بعمان بالأردن في 31/ 10/ 1995م توقيع مذكرة تفاهم لنقل الغاز الطبيعي بيْن قطر وإسرائيل، وذلك في صالة المناسبات بفندق (بورتاجراند) بالعاصمة الأردنية، حيث تمت الموافقة على قيام شركة (إنرون) الأمريكية التي لها حق استخراج الغاز في قطر ببيعه إلى إسرائيل، الذي لولا موافقة حكومة قطر ما كان ممكنًا نقل هذا الغاز، مما يعد أول انشقاق عن الحظر العربي الاقتصادي المفروض على إسرائيل.

وعقد المؤتمر الاقتصادي الإقليمي الثالث في القاهرة برئاسة "مبارك" وبرعاية أمريكية وروسية ودعم مِن الاتحاد الأوروبي، وكندا، واليابان، وشاركت فيه وفود 90 دولة، في الفترة مِن (12-14) نوفمبر1996م، وهو المؤتمر الذي أعقب وصول بنيامين نتنياهو -مِن اليمين المتطرف- لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، وقد نوقشت في المؤتمر العديد من المشاريع الإقليمية لاختراق المنطقة.

وعقد المؤتمر الرابع في الدوحة عاصمة قطر أواخر 1997م وتخلفت مصر عن حضوره لما تبيَّن لها أن الغرض مِن هذه المؤتمرات ترتيب المنطقة وفق المصالح الأمريكية الإسرائيلية بدعوى إحلال التعاون الاقتصادي والأمني لتحقيق المصالح المشتركة بيْن دول المنطقة محل الحروب والصراعات التي استمرت لأكثر مِن نصف قرن، للوصول إلى حلٍّ سلميٍ للصراع.

الطرح الأمريكي للمشروع:

بشَّر رجل الحرب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بمشروع الشرق الأوسط الجديد في عام 2000م، لرسم خريطة جديدة للمنطقة تكون إسرائيل في القلب منها، ويجري تصميمها مِن خارج المنطقة، لصياغة المنطقة مِن منطلق موازين القوى الجديدة والواقع المفروض علي المنطقة، ومِن خلال تشجيع السياسات الإصلاحية -على الطريقة الغربية- في السياسة والاقتصاد والتعليم في المنطقة العربية ودول غرب آسيا، وطرح التصور الأمريكي الصهيوني أمام المعنيين بهذه الإصلاحات ليكونوا أمام أحد الخيارين: اختيار استمرار الأوضاع بمخاطرها وصراعاتها التي لا تنقطع، أو اختيار درب الإصلاح والتغيير؟

وقد طرحت أمريكا مشروعها في قمة الدول الصناعية الكبرى عام 2002م، فأثار جدلًا داخل المنطقة وخارجها حول محتوياته وتوجهاته، وتباينت مواقف الدول العربية منه، هل يعد مخرجًا مِن النفق المظلم الذي تعيشه المنطقة أم هو محتوى لاستعمارٍ جديدٍ، بيْن مرحب ورافض وحذر متردد؟ ولا شك أن التطورات الخطيرة في المنطقة العربية بعد ما سمي بثورات الربيع العربي سيعيد طرح المشروع اليوم -وبقوة- مِن جديد، بل بدت بالفعل بوادره مِن خلف الكواليس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

راجع في ذلك:

- (الشرق الأوسط الجديد) تأليف: "وزير خارجية إسرائيل السابق، ورئيس وزرائها السابق، شيمون بريز".

- (عاصفة على الشرق الأوسط الكبير): "تأليف السفير الفرنسي السابق، ميشيل ريمبو، ترجمة د.لبانة مشوح".

- (مشروع الشرق الأوسط الكبير: الحقائق والأهداف والتداعيات) تأليف "عبد القادر رزيق المخادمي".