إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 29 مايو 2018 - 14 رمضان 1439هـ

كان في رمضان!

كتبه/ عصام محمود زهران

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهناك صلة وطيدة بيْن الحاضر والمستقبل، وخاصة في شهر القرآن؛ فقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)، كان في رمضان ومحاولة خديجة تهدئة زوجها بالكلمات المفعمة بالثقة والثبات؛ لهي نبراس لنا في شهور رمضان على مرِّ العصور، فإذا أخذ المسلم سلوكه مِن هذه الكلمات الرقراقة مِن خديجة عند وصفها النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لفاز فوزًا عظيمًا.

لما نزل الوحيُ على النبي -صلى الله عليه وسلم- في غار حراء لأول مرة، رجع إلى خديجةَ -رضي الله عنها- فأخبَرَها الخبر، وقال: (لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)، فقالت له -رضي الله عنها-: "كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ" (متفق عليه). قال ابن حجر: "وفي رواية: وتؤدِّي الأمانة".

قال الإمام النووي في شرح مسلم: "قال العلماء -رضي الله عنهم-: معنى كلام خديجة -رضي الله عنها-، إنك لا يصيبك مكروه؛ لما جعل الله فيك مِن مكارم الأخلاق وكرم الشمائل، وذَكَرَت ضروبًا مِن ذلك، وفي هذا دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سببُ السلامة مِن مصارع السوء". فمَن أراد أنْ يوفِّقه الله -تعالى-، وييسِّر له أسبابَ النجاح، ويفتح له قلوب الخَلْق، فليلزم هاته الخصال.

فوائد هذا الحديث في رمضان:

- إن أفعال الخير دلالة على رقي صاحبها في الدنيا والآخرة، وتوثق عرى المجتمع وتقوي العلاقات: فقد ورد عن الرّسول -عليه الصّلاة والسّلام- قوله: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (متفق عليه)، فالمسلم دائمًا يشعرُ بمُصاب أخيه ويُسارع في مساعدته دون سؤال، وهذا يجعل المُجتمع الإسلاميّ كبُنيانٍ مرصوص، يُساهم في خلق الأمن الاجتماعيّ والاقتصاديّ في المجتمع؛ فيكون النّاس مُتكافلين فيما بينهم، يُساعدون مُحتاجهم، ويتصدّقون على فقيرهم، ويُفرّجون هم منكوبهم، وبهذا تتحقّق معاني الأمن والرّاحة، فلا يقلق أحدٌ إذا حلت به مُصيبةٌ؛ لأنّه يعلم أنّ وراءه مُجتمعًا إسلاميًّا مُتكافلًا لن يتركه، وسيُساهم في حلّ مُصيبته.

- فعل الخير سبب لحب الله لك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٍ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني). وقال: (صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

- منع الخير وبال على صاحبه: قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: ... ) منهم: (وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ) (متفق عليه)

- العمل فصاحة: لقد سئمنا الكلام الفارغ وترك العمل؛ ولا ينبغي أن نقيس الناس على الفصاحة والعي، فنقول عن صاحب المنطق البليغ: هذا مؤمن، وله منزلة! وإذا جاء واحد لا يعرف أن يتكلم بكلمتين يضعهما فوق بعضهما احتقرناه لضعف لسانه ومنطقه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَقَرَة) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- الصائم يحتاج إلى السكينة في البيت ليتقرب إلى الله؛ فهذه خديجة -رضي الله عنها- لم تسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- حين دخل عليها" ماذا حدث؟ أخبرني؟! بل سكتت حتى هدأ وسكن، ثم أخبرها دون أن تسأله.

- إن القائد لا يأتي مِن فراغ؛ فالأحداث والمواقف والأفعال، تظهر القادة الذين يتولون الأمة ويقودونها، لا يَظهرون مِن كسلٍ، ولا يظهرون مِن فراغ، ولا يظهرون بدون خلفية، يظهرون مِن الأحداث؛ فهي التي تظهرهم.

- زراعة الثقة في النفس ديدنُ العقلاء، وعلامة واضحة على رجحان العقل؛ حقًّا إن خديجة -رضي الله عنها- لكاملة؛ تدفع زوجها إلى التقدم، وتزيل أحزانه، وتطيب خاطره، وتبث الثقة بنفسه -صلى الله عليه وسلم-.

- ضع البذرة؛ فإنك لا تدري متى تكون شجرة وارفة الظلال؟!