إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 24 مايو 2018 - 9 رمضان 1439هـ

خطر "إسرائيل" على الأمن القومي "المصري والعربي"

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما ينبغي التنبُّه له أن إسرائيل تُعد التهديد الأساسي للأمن القومي المصري والعربي؛ إذ أنها لم توجد في هذه المنطقة العربية إلا لتكون في خدمة المصالح الغربية، وأداة لإضعاف الأمة العربية واستنزاف مواردها وطاقاتها، وشغلها عن طريق الحروب والصراعات العسكرية المتتالية عن التقدم والتنمية.

ولو نظرنا إلى مظاهر خطر إسرائيل على مصر خاصة -والدول العربية مِن بعدها- لوجدناها كثيرة، منها: أن تهديد أمن مصر عبْر تاريخها الطويل يأتي غالبًا مِن بوابتها الشمالية الشرقية (سيناء)؛ لذا حرص حكام مصر خلال تاريخ مصر الطويل على التصدي أولًا بأول للأخطار القادمة مِن مشارف هذه البوابة، بل والعمل على القضاء عليها قبْل أن يمتد خطرها إلى داخل مصر؛ فعل ذلك "تحتمس" أيام الفراعنة مع الحيثيين فطاردهم حتى دخل بلادهم ليستأصل خطرهم، وفعل ذلك "صلاح الدين" -رحمه الله- في حروبه مع الصليبيين، وفعل ذلك "قطز" -رحمه الله- مع المغول؛ لذا شهدت مشارف هذه البوابة الشمالية الشرقية العديد مِن المعارك في تاريخ مصر، وخاضت جيوش مصر خارجها -أو بالقرب منها- معاركها الكبيرة الفاصلة، وهذا ما أشار إليه (جمال حمدان) عندما تحدث عما ما يمكن تسميته بـ(معادلة أمن مصر).

إن إسرائيل منذ نشأتها دولة استعمارية توسعية، وأطماعها في المنطقة العربية معروفة، وقادتها يقولونها صراحة: "مِن الفرات إلى النيل أرضك الموعودة يا إسرائيل!"، وهذا موجود علانية على جدران الكنيست فيها، ومرسوم بالألوان على علمها صراحة!

ويجب ألا ننسى أن إسرائيل قبْل ذلك -وبعده- تتبع ما قامتْ به أمريكا -التي تتولى حاليًا رعايتها وتتحالف معها تحالفًا إستراتيجيًّا- عندما أقامتْ دولتها على إبادة "الهنود الحمر" الذين لا تعترف بهم شعبا، ولا تنظر إليهم على أنهم أصحاب الأرض التي اغتصبوها منهم، وأقاموا عليها دولتهم "أمريكا"، وهو ما تفعله إسرائيل مع الفلسطينيين، وكأن التاريخ يعيد نفسه في القرن العشرين والحادي والعشرين.

إن إسرائيل شاركتْ -مِن قبْل- إنجلترا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، في وقتٍ كانت هناك هدنة دائمة موقعة بيْن مصر وإسرائيل عقب حرب 1948م، وكانت مصر في تلك الفترة -لظروفٍ داخلية- لا تضع المواجهة مع إسرائيل في أولوياتها، أي لم يكن هناك مبرر لاحتلال إسرائيل لسيناء في 1956م إلا ما تحمله -وقامتْ عليه- إسرائيل مِن أطماع في المنطقة، فهي قوة توسعية استيطانية استعمارية.

 ولما لم نضع ذلك في اعتباراتنا ولم نستوعب الدرس؛ تكرر العدوان على سيناء، وفقدنا سيناء مرة أخرى في حرب 1967م، وما زالت إسرائيل إلى اليوم تطمع في سيناء، بل وتجعل الاستيلاء على سيناء هدفًا مِن أهدافها؛ فهي:

- جزء -في زعمهم الكاذب- مِن أرض اليهود التاريخية!

- احتلالها وسيلة لعزل وفصل مصر -بل والعالم العربي في إفريقيا- عن العالم العربي في آسيا، فلا يكون هناك تواصلًا بيْن الطرفين مباشرًا.

- إن سيناء يمكن أن تكون -في زعمهم- حلًّا للقضية الفلسطينية بجعلها -أو جزءٍ منها- وطنًا بديلًا للفلسطينيين، وهذا داخل في تخطيطهم، وسيناريو مِن السيناريوهات التي يرونها، ويعلنونها مِن وقتٍ لآخر.

- إن إسرائيل كيان توسعي منذ نشأته لا يؤمَن جانبه، وتدل الشواهد التاريخية العديدة على ذلك؛ فما مِن هدنةٍ أو اتفاقيةٍ وترى مصلحتها التوسعية في انتهاكها إلا وانتهكتها بالفعل، واحتمال عدم الالتزام بما توقعه وارد بدعوى وتبريرات تتعلق بمصالحها الأمنية، وبقراءةٍ سريعة لقرارات الأمم المتحدة منذ عام 1949م وإلى اليوم نرى عشرات القرارات التي صدرت مِن المنظمات الدولية ضد إسرائيل لا تنفذها، بل وتتحدى المجتمع الدولي الذي أصدرها علانية.

- إن تصريحات العديد مِن قادة ومسئولي إسرائيل "خاصة المنتمين لليمين المتطرف هناك" تهدد دول المنطقة، وتتوعد بحروبٍ واعتداءاتٍ حتى مع مصر، رغم اتفاقية "كامب دافيد" و"معاهدة السلام"، وهي تهديدات وتصريحات يجب أن تُؤخذ مأخذ الجد في عالم السياسة والأمن القومي، خشية أن تكون اتفاقيات الهدنة أو السلام أو حالة الهدوء مِن إسرائيل في المنطقة هي أهداف مرحلية ومواقف تكتيكية، والهدف الإستراتيجي الأكبر "وهو تحقيق أطماع إسرائيل الكبرى في المنطقة بمباركة الغرب ودعمه" ما زال قائمًا ينتظر تهيئة الظروف المناسبة للوصول إليه عبْر ما يطرأ على المنطقة مِن أحداثٍ وتطوراتٍ تصب في غالبها في مصلحة الأطماع الإسرائيلية في المنطقة العربية.

- إن القيادات السياسية الفلسطينية اختارت التفاوض طريقًا لحل القضية الفلسطينية وإنهاء النزاع مع إسرائيل، وأسقطت خيار الكفاح المسلح ضدها، وعقدت اتفاق (أوسلو) مع إسرائيل ولبَّت الكثير والكثير مِن مطالبها وشروطها للتفاوض أمام المجتمع الدولي منذ عام 1993م وما تلاها، ورغم ذلك كله لم تلتزم إسرائيل معها بما تنتظره منها، واتخذت إسرائيل الكثير من الإجراءات الأحادية التي تصب في مصالح إسرائيل دون أدنى اعتبار للفلسطينيين، بل تضر مصالح الفلسطينيين ضررًا كبيرًا، وتؤثر على أحوالهم المعيشية تأثيرًا بالغًا مِن: تهويد واستيطان، وحصار وعزل وتجويع، واعتقال وحبس، واعتداءات عسكرية، واستعمال للقوة المفرطة في مواجهة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، حتى صار الجميع يرى أن حلم السلام في المنطقة -بل مجرد التفاوض عليه- هو وهمٌ مِن الأوهام الكبيرة؛ بسبب تعنت إسرائيل وتشددها.

إن الأطماع الإسرائيلية في منطقتنا العربية حقيقة تاريخية مسلم بها وإن تجاهلناها، صرح بها مرارًا القادة التاريخيون لإسرائيل منذ نشأتها، فإسرائيل عندهم دولة لا حدود دولية معلنة لها؛ لأنها عندهم قابلة للتمدد بحسب حاجتها وقدراتها.

يقول بن جوريون في مذكراته: "أمامكم الإعلان الأمريكي للاستقلال ليس به أي ذكر لحدود أرضية، ولسنا ملزمين بتعيين حدود للدولة".

ويقول في مذكراته أيضًا: "لسنا مضطرين لرسم حدود الدولة".

ويقول في كتابه: (بعث إسرائيل ومصيرها): "ليست المسألة مسألة احتفاظ بالوضع الراهن، فعلينا أن نقيم دولة غير متجمدة، دولة ديناميكية تتجه إلى التوسع" (راجع: (ملف إسرائيل) لروجيه جارودي، ص 149-150).

ويقول موشى ديان في يوليو 1968م: "في المائة عام الماضية قام شعبنا بإنشاء هذه البلاد وهذه الأمة، وعمل على توسيع نطاقها باستقدام عددٍ متزايد مِن اليهود، وبإنشاء مزيدٍ مِن المستعمرات لتوسيع حدودنا. وليعلم كل يهودي أن هذه العملية لم تنتهِ، وأننا لم نبلغ نهاية الطريق".

ويقول أيضًا: "إذا كنا نعتبر أننا شعب التوراة فلا بد مِن امتلاك أرض التوراة أيضًا".

وفي عام 1969 قالت "جولدا مائير": "حيث سنقيم ستكون هناك حدودنا".

وفي يوليو 1972م سئلت "جولدا مائير": "ما هي حدود الأراضي التي تعتبرونها ضرورية لأمن إسرائيل؟ فأجابت: إذا كنت تريد أن تقول إنه يتعين علينا أن نرسم خطًّا لحدودنا؛ فهذا أمر لم نفعله، وسننفذه عندما يجيء الوقت المناسب، ولكن يجب أن يعرف الناس أن مِن أساسيات سياستنا عدم النص في أي معاهدة للسلام على حدود 1967م، فلا بد مِن إدخال تعديلات على الحدود، نريد تغييرًا في حدودنا، في كل حدودنا، مِن أجل أمن بلادنا".

إن إسرائيل -كما هو معروف- أعلنتْ عن مشروعها للهيمنة الإقليمية على المنطقة العربية (الشرق الأوسط)، وهي مدعومة في هذا الشأن مِن أمريكا والغرب الأوروبي. لقد فرضتْ إسرائيل إرادتها على قادة الشعب الفلسطيني المتفاوضين معها، واستطاعت أن تكسر المقاطعة العربية، وتسللت إلى بعض الأسواق العربية بالفعل، كما في الأردن ولبنان، وهي تتطلع إلى ما ستفسر عنه الأوضاع المضطربة في سوريا، وتسعي منذ معاهدة السلام مع مصر إلى التطبيع مع مصر، ثم مِن خلال مشروعها (الشرق الأوسط الكبير) تتطلع إلى الهيمنة الاقتصادية، وهي خطوات في طريق السيطرة الكاملة على المنطقة ككل.

والقيادات السياسية والاقتصادية في مصر -بحسها الأمني القومي- تنبهتْ إلى ذلك، والشواهد تدل على ذلك:

فبعد اتفاقات (أوسلو) ومفاوضات السلام بيْن السلطة الفلسطينية وإسرائيل عقدت مؤتمرات اقتصادية في المنطقة، منها: مؤتمر في الدار البيضاء بالمغرب عام 1994م، ومؤتمر في عمان بالأردن عام 1995م، ومؤتمر في القاهرة عام 1995م، ومِن خلال المشاركة الفعلية في هذه المؤتمرات تبيَّن للمسئولين المصريين أن المسألة ليست قاصرة على الجوانب الاقتصادية، وإنما الأمر أكبر مِن ذلك، فهو مخطط وُضع لأجل إعادة بناء المنطقة مِن جديد (الشرق الأوسط) بما يمكِّن إسرائيل مِن الهيمنة عليها لتكون هي قلب المنطقة، مسيطرة عليها، ومتحكمة فيها.

ولهذا عمدت القيادة المصرية إلى إعادة تقييم مواقفها مِن هذه المؤتمرات عامة، ومِن مشروع الشرق الأوسط الكبير خاصة، وهو ما ظهر جليًّا في مؤتمر القاهرة عام 1996م، والذي اتجهت فيه مصر إلى جعل هذه المؤتمرات مؤتمرات للتعاون الاقتصادي لا للتمهيد للهيمنة الإسرائيلية على شعوب المنطقة، وهو الاتجاه الذي كان وراء مقاطعة مصر للمؤتمر الذي عقد في العالم التالي (1997م) بالدوحة؛ إذ أن مصر عبْر تاريخها الطويل رائدة المنطقة العربية، ودول المنطقة تقل قيمتها العالمية كثيرًا وتضعف قدراتها على التأثير الدولي كثيرًا إذا تحركت بدون مصر، وقدر مصر دوليًّا مرهون أيضًا بقدر ما تؤثر في محيطها، وعليه فلو نجحت إسرائيل في تمرير مشروعها للهيمنة على المنطقة -كما تريد- فإن قدرة مصر على توجيه الأمور في المنطقة سيقل كثيرًا، ويقل معه وضع مصر الإقليمي والدولي، بل ويقل وضع الدول العربية في المنطقة؛ مما يؤثر سلبًا على أمنها، بل وكمال استقلالها. (راجع في ذلك: "القضية الفلسطينية وعلاقتها بالأمن القومي المصري" إعداد نادي أعضاء هيئة التدريس -جامعة القاهرة- لجنة الشئون العامة والإعلام 2002م).

إن إسرائيل نفسها لا تتورع عن بدأ حرب أو القيام بعدوان أو افتعال مشاكل بتبريراتٍ تتعلق بأمنها "مقبولة أو غير مقبولة"، وتدل الشواهد التاريخية الكثيرة على أن إسرائيل تفعل ما يحلو لها في هذا الشأن بلا وازعٍ أو رقيبٍ، ومِن خلفها أمريكا تؤيدها وتدافع عن توجهاتها، في عالمٍ لا يَعرف إلا القوة قبْل المبادئ والقوانين!

ومِن ذلك:

- ضرب إسرائيل للمفاعل النووي في العراق.

- الضربات المتكررة مِن إسرائيل للعمق السوري.

- ضرب إسرائيل لأهدافٍ في السودان.

- الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وقد صاحبها احتلال بيروت العاصمة لفترة عام 1982م، بدعوى تعقب رجال المقاومة الفلسطينية.

- اهتمام إسرائيل بقضية الأنشطة النووية في إيران، والتي بلغتْ حد التهديد بضرب أماكن هذه الأنشطة النووية في إيران.

- اغتيال وحدة مِن الجيش الإسرائيلي لبعض القيادات الفلسطينية في تونس.

إقامة الجدار العنصري العازل في الضفة الغربية الذي يخالِف القوانين والأعراف الدولية مخالفة صريحة!

وهذا قليل مِن كثير... !

ولا يخفى بعد ذلك أن النزاع والصراع مع إسرائيل ليس شانًا فلسطينيًّا فقط، بل له أبعاد أخرى:

- فهناك البُعد الإسلامي لهذا النزاع: فالشعب الفلسطيني الذي تسعى إسرائيل إلى إبادته جزء مِن العالم الإسلامي، والقدس الشرقية التي تسعى إسرائيل إلى تهويدها هي أرض إسلامية بأهلها وأوقافها، والمسجد الأقصى -الذي تسعى إسرائيل إلى هدمه وبناء هيكلها (هيكل سليمان) المزعوم مكانه- له مكانته الكبيرة في نفوس المسلمين جميعًا في شتى أركان المعمورة.

وهناك البُعد العربي لهذا النزاع: ففلسطين والأراضي العربية الأخرى المحتلة في سوريا (الجولان المحتلة) وفي لبنان (مزارع شبعا) أراضٍ عربية هي محل هذا النزاع. وفلسطين مع سيناء نقطتي التقاء العالم العربي في كل مِن إفريقيا وآسيا، فهي قلب العالم العربي، وأخطر أماكنه الإستراتيجية، ووجود دولة لليهود مزروعة بالقوة في إحدى هاتين النقطتين يقطع تواصل جناحي العالم العربي في إفريقيا وآسيا، ويمنع وحدته، ويهدد أمنه.

تنبيه: يصور البعض أن الصراع العربي الإسرائيلي صراع بيْن قوميتين: عربية ويهودية؛ فاليهود لهم ديانة وشعب وقومية، والأمة العربية ككل لها ديانة وقومية وجنس مختلف، وعليه ينظرون إلى فلسطين أنها جزءٌ مِن الأمة العربية ككل، ومَن كان متواجدًا فيها عند الهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين فهم جزءٌ مِن القومية والجنس العربي، وارتباطهم بهذه القومية وهذا الجنس يجعل مِن حقهم، بل ويمكنهم مِن الانتقال إلى ما شاءوا مِن أرض وبلاد العرب المتسعة شرقًا وغربًا، ولتبقى أرض فلسطين أو جزء منها وطن ودولة لليهود! وهذا التصور المجحف هو ما تروج له الصهيونية العالمية أن اليهود عندما توافدوا في جماعاتٍ على أرض فلسطين لم يكن فيها أحد إلا القليل مِن العرب -لا الفلسطينيين- وهم جزء مِن الأمة العربية، فلا مانع مِن انتقالهم إلى ما شاءوا مِن الأراضي العربية الأخرى، لتترك فلسطين لليهود ليقيموا فيها دولتهم.

يقول بن جوريون في عام 1962م: "لقد ميزت باستمرار بيْن حقوق الشعب اليهودي في فلسطين، وحقوق العرب المقيمين فيها، وليس حقوق الشعب العربي في فلسطين". يريد أن هناك عربًا في فلسطين لا يؤلفون شعبًا، ويمكن كعرب أن يكونوا في أي مكان آخر مِن أرجاء البلدان العربية.

ويقول وزير الإعلام الإسرائيلي (جاليلي) في مؤتمر صحفي له عام 1969م: "لا نعتبر عرب البلاد فئة عرقية، ولا هم مجتمع يتسم بطابعٍ قومي خاص داخل هذه البلاد!".

والحقيقة الغائبة هنا -أو يتجاهلها أصحاب هذا التصور- أنه كان هناك نحو 750 ألف فلسطيني يعيشون في فلسطين عند صدور "وعد بلفور" عام 1917م، وهي وطنهم الذي وُلدوا وعاشوا فيه، وعاش فيه آباؤهم وأجدادهم مِن قبْل آلاف السنين، وكون الفلسطينيين جزء مِن الأمة العربية لا يلغي أنهم أصحاب أرض فلسطين، فهم أصحاب الأرض، وفلسطين وطن آبائهم وأجدادهم، وهم جزء مِن الأمة العربية، وهم أيضًا جزء مِن الأمة الإسلامية، وهذا الانتماء لفلسطين وللأمة العربية والأمة الإسلامية لا يلغي انتماء أي منهم للآخر.

أما اليهود فأصحاب ديانة لا شعب، وبعد شتاتهم لآلاف السنين في دول العالم شرقًا وغربًا، واختلاطهم بالشعوب الأخرى والزواج منهم قد فقدوا معه أي تميز عرقي يدعونه، بل ودخول الكثيرين مِن غير اليهود عبْر التاريخ في الديانة اليهودية، وهذا معروف تاريخيًّا.

ومِن أشهر أمثلة ذلك: دخول شعب (مملكة الخزر) في الديانة اليهودية، وإليهم ينتسب أكثر يهود دول أوروبا الشرقية؛ فهم قطعًا ليسوا مِن جنس بني إسرائيل. (راجع في ذلك: "ليس لليهود حق تاريخي أو ديني في فلسطين"، إعداد د.علاء بكر).

وهناك البُعد الإنساني لهذا الصراع: فشعب فلسطين جار لنا، مسلم عربي، تنزف جروحه ويعاني آلامها منذ قرابة قرنٍ مِن الزمان، رغم كل ما قدَّم مِن تضحياتٍ في مواجهة ما يتعرض له مِن مؤامراتٍ وُضعت -وتُوضع- مِن قِبَل الصهيونية والدول الاستعمارية الأوروبية وأمريكا، قديمًا وحديثًا.

ومصر لها تاريخها الطويل في مناصرة الشعوب العربية في قضاياها المصيرية: قامت بذلك مع "ثورة الجزائر" في مواجهة فرنسا حتى الاستقلال، مِن الإعلان عن حركة تحرير الجزائر مِن القاهرة في عام 1954م حتى الإعلان عن الاستقلال الفعلي للجزائر وتحررها مِن الاحتلال الفرنسي عام 1962م، بعد احتلال فرنسي دام لأكثر مِن 130 عامًا.

وقامت بمساندة "ثورة ليبيا" في مواجهة إيطاليا حتى الاستقلال عام 1951م، بعد احتلال إيطالي لليبيا دام نحو أربعين عامًا، بل وقدَّمت الكثير مِن الدعم للحركات التحررية في العديد مِن الدول الإفريقية حتى نالت استقلالها، وتخلصت مِن الدول المستعمرة لها؛ فأين نصيب الشعب الفلسطيني مِن ذلك الدعم حتى ينال استقلاله؟!