إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 21 مايو 2018 - 6 رمضان 1439هـ

حتى نفوز برمضان (1) لماذا رمضان؟!

كتبه/ جمال متولي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جعل الله -تعالى- لنا رمضان -لا ليحرمنا- ولا ليجوعنا... أبدًا.

بل بيَّن الله -عز وجل- لنا الحكمة مِن رمضان وصيامه وقيامه، وهي استعادة تقوى القلوب، وإعادة شحنها وتعبئتها بالإيمان وحُسـن الإقبال عليه -جل جلاله-، فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)، ولذلك نبهنا النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (رواه البخاري).

فقول الزور هنا: ليس هو قول الشهادات الباطلة، ولكن المقصود أن الصيام الصحيح الحقيقي الصادق هو الصيام عن كل باطل قولاً، وكل باطل عملًا، والتحول لحياة الجِد في الطاعة والتسليم لله -جل جلاله- حتى نستعيد حياة التوجـه لله -تعالى- بطاعاتٍ وقربات، وعبادات يومية، كما كان شأن أهل القربى والأُنس بالله -تعالى-.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا، قَالَ: (فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا، قَالَ: (فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا، قَالَ: (فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه مسلم).

جعل الله -تعالى- رمضان ليساعدنا بإذنه -تعالى- وتوفيقه وفضله على تحقيق قيام المسلم بوظيفته الحقيقية في الحياة، التي خُلِق مِن أجلها، بل والتي هي أصل وجوده، وهي "العبادة"، ومِن ثَمَّ يحقق الغاية العظمي التي هي أسمى أماني المؤمن، وهي الفوز برضا الله -تعالى- ونعيم جنته.

فالعبادة هي وظيفة الإنسان والهدف الحقيقي مِن وجوده فيها، كما أنها تشمل ذات الإنسان بكل كيانه وجوانبه، قال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، وقال -جل شأنه-: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة:5).

فهذا هو أصل حياة المسلم كلها؛ -أرادها الله -تعالى- عبادة خالصة لله -عز وجل- في جميع جوانبها الخاصة والعامة، الاعتقادية والعملية، وهو يسعي للقمة عيشه، وهو يتزوج، في حركته ويقظته، بل حتى في نومه، المسلم عابد لربه -تبارك وتعالى- في كل تحرك وسكون له، قال -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162)، وقال -تعالى-: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك:1-2).

ومِن أجل أن يقوم الإنسان بوظيفته بحق، سخَّر الله -تعالى- للإنسان كل ما في الأرض، فقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة:29)، وقال -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ . وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:32- 34).

وهكذا فهم الصحابة -رضي الله عنهم- الحياة، أنها توجُّه لله -تعالى- في كل حال، كما فهمها سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو خير أسوة أمرنا الله -تعالى- أن نتأسى ونقتدي به، وخاصةً أنه كان مع كثرة تعبده، بل إشغال يومه وليلته بالطاعات، كان -صلى الله عليه وسلم- يدعو الله -عز وجل- أن يعينه على حُـسن عبادته ويوصي بذلك أصحابه -رضي الله عنهم-، فعن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رضي الله عنه- قال: قَال: رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَدَعَنَّ أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ, وَشُكْرِكَ, وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

فوظيفة رمضان: استعادة هذه الروح، واستعادة هذه الهِمة، وهذه النفسية مع الإيمان.

تقبل الله -تعالى- منا ومنكم.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.