إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 17 مايو 2018 - 2 رمضان 1439هـ

أهلًا شهر رمضان!

(نحن -المسلمين- الأحق برمضان وأهله)

كتبه/ علاء بكر  

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلا شك أن شهر رمضان شهر معظم في السماء والأرض، اصطفاه الله -تعالى- بما ليس لغيره، ففي كل شهر مِن شهور رمضان تفتح أبواب الجنان في السماء، وتغلق أبواب النيران، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ) (متفق عليه).

واصطفى الله -تعالى- شهر رمضان ببدء نزول القرآن الكريم -آخر الكتب السماوية- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، آخر الأنبياء والمرسلين- قال -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة:185)، وفرض الله -تعالى- على عباده صيامه دون غيره، وجعل ثواب صيامه -دون غيره- مغفرة كل الذنوب، ففي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه)، ورغب في قيام ليله، وجعل ثواب قيامه -دون غيره- مغفرة كل الذنوب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرغب في قيام رمضان مِن غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه).

وخص الله -تعالى- رمضان بليلة هي خير مِن ألف شهر، وهي ليلة القدر، قال -تعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر)، وقال -تعالى-: (حم . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (الدخان:1-5)، ولشرفها فمَن أدركها وقام ليلتها غفرت له كل ذنوبه، ففي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه).

وقد هدى الله -عز وجل- أمة الإسلام إلى تعظيم شهر رمضان والاعتناء به، والحرص على اغتنامه، والإكثار مِن الطاعات والقربات المتنوعة فيه، فترى المسلمين فيه يقبلون على كل الطاعات بما لا يكون في غيره. فالمسلمون وحدهم -دون غيرهم- يعتنون بهذا الشهر غاية الاعتناء، يفرحون بقدومه، ويهنئ بعضهم بعضًا بشهوده، ويعدون له العدة مِن قبْل مجيئه، على المستوى الفردي والجماعي.

إن مَن يتابع أي مجتمعٍ مِن المجتمعات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها لا يجد صعوبة في ملاحظة احتفاء المسلمين بقدوم شهر رمضان، وتغير أحوالهم وتبدلها بالدخول فيه، فكما اصطفى الله -تعالى- المسلمين وهداهم -مِن دون الأمم- إلى تعظيم يوم الجمعة مِن كل أسبوع، فقد اصطفاهم وهداهم -مِن دون الأمم- إلى تعظيم شهر رمضان مِن كل عام، وهذا مِن خصائص هذه الأمة التي حرم منها غيرهم، ولله الحمد والمنة على عظيم فضله علينا -نحن المسلمين-.

فمِن مظاهر احتفاء المسلمين برمضان مع قرب قدومه وبداية دخوله:

- تزيين الشوارع والطرقات والحارات بصفوفٍ مِن أوراق الزينة المتنوعة الألوان، تتوسطها فوانيس مختلفة الأحجام والأشكال تضاء ليلًا، ومجسمات للكعبة المشرفة، وترى الناس في كل مكان يهنئ بعضهم بعضًا فرحين بشهود رمضان؛ شهر العبادة والطاعات، والثواب الجزيل.

- وترى المساجد كبيرها وصغيرها قد تم إعدادها لاستقبال المصلين، مِن تجديد فرش وتنظيف، ومِن تقوية للإضاءة، وتوفير البدائل حال انقطاع الكهرباء، وتوفير المراوح الكهربائية وأجهزة التكييف، وتوفير مبردات الماء، والأدوات اللازمة لتقديم المشروبات المتاحة، والتمور والمرطبات لرواد المسجد عند الإفطار عقب أذان المغرب، وقبْل الدخول في صلاة الفرض.

- إلى جانب تزيين أبواب المساجد وخارجها بأنواع الزينات التي تضاء ليلًا، ووضع الملصقات الدينية على جدران المساجد -مِن داخلها وخارجها- وفي الطرقات المؤدية إليها، التي تذكر الناس ببعض أحكام الصيام وآدابه، وتحثهم على الإكثار مِن الطاعات، وتذكرهم بالجود والصدقات والإحسان إلى الفقراء والمساكين.  

- وتجد السرادقات المعدة لتكون فيها طوال الشهر (موائد الرحمن)، متناثرة هنا وهناك، لا يخلو منها حي، أو قرية، يتنافس فيها المقتدرون على تقديم الوجبات الطازجة الساخنة المتكاملة عند الإفطار لمَن شاء، بلا شروط أو تضييق، بل ويتعدى تقديم المشروبات والمرطبات هذه السرادقات ليصل إلى كل مَن يسير بالقرب منها في الشوارع والطرقات مِن المارة مشاة وراكبين عند رفع أذان المغرب.

- وتجد المحلات والمطاعم والمقاهي المعدة لتقديم المأكولات والمشروبات مغلقة طوال النهار، مراعاة لحرمة شهر رمضان، وترى بائعين لأنواعٍ مِن الأطعمة والأشربة لا ينتشر بيعها ويعم إلا في رمضان، وكأنها قد صارت شعارًا له يعرف قدومه بها، مِن الكنافة، والقطائف، وقمر الدين وغيرها.  

وفي العبادة: تجد الجميع -الصغار قبْل الكبار إلا مَن شذَّ- حريصًا على الصيام مهما طال النهار أو اشتد الحر، حريصًا على أداء الصلوات المفروضة والمواظبة عليها، وشهود الجماعة فيها، وحضور صلاة التراويح في جماعة في أول الليل، أو التهجد في آخره، والاستماع إلى الدروس اليومية والمواعظ عقب الصلوات المفروضة، أو في أوقات انتظار إقامتها، أو في أوقات الراحة بيْن ركعات صلاة التراويح، والتي يحرص القائمون على المساجد في كل مكان على وضع البرامج الجيدة لها؛ استثمارًا لإقبال المصلين واكتظاظ المساجد بهم، وإشباعًا لرغبتهم المتقدة في معرفة دينهم والعمل به، إلى جانب إقامة المسابقات الدينية ومسابقات في حفظ وتفسير القرآن الكريم.

وتجد في رمضان -وبوضوحٍ ظاهر-: اعتناء المسلمين بقراءة القرآن الكريم طوال الشهر، تكاد لا تخلو يد مسلمٍ مِن مصحف يقرأ منه أوراده خلال يومه وليله، ويتعدد ختم القرآن مِن الكثيرين في هذا الشهر بما ليس في غيره، ولمَ لا ورمضان شهر القرآن، وثواب قراءة القرآن كبير، والنفوس قد تزكت بالطاعات ليل نهار، وامتنعت عن اقتراف المعاصي والموبقات؟! فحري بها أن لا تشبع مِن النهل مِن كتاب الله -تعالى-.

وفي رمضان يكثر الجود والعطاء مِن المسلمين اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، فيقدمون ما يقدرون عليه مِن الزكوات المتنوعة ومِن الصدقات، وإطعام الصائمين، ومساعدة الفقراء والمساكين، ويتنافسون في ذلك، حتى إن الكثير مِن الفقراء والمساكين يفرحون بقدوم هذا الشهر أكثر مِن فرحتهم بالعيدين؛ إذ يجدون فيه كفايتهم وما يحتاجون إليه طوال الشهر تقريبًا، لا في أيام قليلة معدودة كما في الأعياد. 

وفي رمضان تشهد المساجد "خاصة في الثُلُث الأخير مِن الشهر" قدوم المعتكفين الراغبين في الانقطاع للعبادة والذكر والدعاء في تلك الأيام الفاضلة؛ اقتداء في ذلك بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.

وفي رمضان يحرص المقتدرون مِن المسلمين على أداء العمرة؛ فترى مئات الألوف مِن شتى بقاع الأرض يذهبون متشوقين إلى مكة المكرمة والمدينة، لأداء العمرة، وللصلاة في الحرمين الشريفين، والاعتكاف في أحدهما؛ لما للعمرة في رمضان مِن ثوابٍ عظيمٍ، فقد ثبت في الحديث المرفوع أن عمرة في رمضان تعدل في الأجر والثواب أجر حجة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولما في الصلاة في الحرمين مِن الأجر المضاعف.

فهذه بعض مظاهر اهتمام المسلمين فرادى وجماعات برمضان، والتي تجعل صيامه وقيامه والتعبد فيه متعة لا مشقة؛ لاشتراك الجميع معًا فيها، والتنافس على أدائها، فيبدو المجتمع المسلم في رمضان وكأنه خلية نحل ممتلئة بالنشاط والحركة الدائمة التي لا تنقطع ليل نهار في طاعة الله -عز وجل-؛ لذا كان المسلمون حقًّا هم الأحق بشهر رمضان وأجره، وهم أهله وخاصته.

ولله الحمد والمنة.