إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 07 مايو 2018 - 21 شعبان 1439هـ

مذابح "صابرا وشاتيلا"... وصمة عار في تاريخ إسرائيل وقوات الكتائب اللبنانية!

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـ"صابرا وشاتيلا" مخيمان فلسطينيان مِن جملة ثلاثة عشر مخيمًا فلسطينيًّا كانتْ موجودة في لبنان وقت الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982م، وهي مخيمات مسجلة رسميًّا لدى هيئة الأمم المتحدة، ويقع المخيمان شمال طريق (بيروت - دمشق) الدولي، في الضواحي الجنوبية مِن العاصمة بيروت، ويفصل بيْن المخيمين مسافة نصف ميل فقط.

وقد تم إنشاء المخيمين مع وصول أول مجموعةٍ مِن الفلسطينيين القادمين مِن فلسطين المحتلة عقب النكبة في عام 1948م, وبدأ ظهور المخيمين بمجموعةٍ مِن الخيام، ثم بنيت منازل بسيطة مِن الطوب، ومغطاة بألواح مِن الزينكو، والقليل منها شيد بأعمدة، ورغم أن المخيمين يعيش فيهما عشرات الآلاف مِن اللاجئين؛ إلا أن المسجل منهم في وكالة غوث اللاجئين 20 ألف فلسطيني فقط.

وعلى أطراف مخيم "شاتيلا" مِن الجنوب توجد مستشفى (عكا)، وفي أقصى شمال مخيم "صابرا" توجد مستشفى (غزة)، وكلاهما تابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويعمل بهما عرب وأجانب مِن المتطوعين تحت رعاية (الصليب الأحمر الدولي)، وقد شهدت مستشفى (غزة) هروب عدد كبير مِن النساء والأطفال إليها مع تسرب الأخبار عن المجزرة التي يتعرض لها سكان المخيمين.

بداية المذبحة:

بدأت المذبحة المروعة قبْل غروب شمس يوم الخميس "16-9-1982م" باقتحامٍ للمخيمين بعد حصارهما حصارًا مشددًا، واستمرت حتى ظهر يوم السبت 18-9-1982م، وقتل فيها أكثر مِن 3500 مدنيّ معظمهم مِن النساء والشيوخ والأطفال بصورةٍ بشعةٍ وبدمٍ باردٍ.

الغزو الإسرائيلي للبنان:

جاء غزو إسرائيل للبنان في عام 1982م بقيادة وزير الدفاع الإسرائيلي (آريل شارون) ردًّا -كما زعمتْ إسرائيل- على محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن بغرض مطاردة رجال المقاومة الفلسطينية التابعين لمنظمة التحرير الفلسطيني الموجودين داخل لبنان، والتي يرأسها "ياسر عرفات" الموجود في العاصمة اللبنانية (بيروت)؛ جاء ذلك رغم إعلان جماعة (أبو نضال) المناهضة أنها التي قامتْ بمحاولة الاغتيال، وهي جماعة لياسر عرفات.

بدأ الغزو في يوم "4-5-1982م" بغاراتٍ إسرائيليةٍ عنيفةٍ مِن السلاح الجوي، ثم بعد يومين بدأ الغزو البري بقواتٍ عسكريةٍ ضخمةٍ، وأعلنت إسرائيل أن الغرض مِن اجتياح جنوب لبنان هو التوغل إلى مسافة 40 كيلو متر داخل الأراضي اللبنانية، وهي المسافة المطلوبة لمنع الصواريخ التي يطلقها رجال المقاومة الفلسطينية مِن جنوب لبنان إلى شمال إسرائيل (فلسطين المحتلة مِن عام 1948م)؛ لذا سمت إسرائيل هذه العملية باسم: (سلام الجليل!).

وقد حاولتْ قوات المقاومة الفلسطينية التصدي للقوات الإسرائيلية، كما أظهرت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان -التي لم يكن أمامها إلا التصدي وحدها للغزاة- مقاومة عنيفة، أعاقت تقدم القوات الإسرائيلية عدة أيام، ولكنها بالطبع لم تكن قادرة على مواجهتها؛ لضعف إمكانياتها، وسرعان ما تحولت هذه المخيمات وما حولها إلى مناطق منكوبة، نشر فيها الجيش الإسرائيلي الذعر بما قام فيها مِن قتلٍ واعتقالٍ، واغتصابٍ وتهجيرٍ.

احتلال بيروت:

واصلت القوات الإسرائيلية تقدمها في عمق لبنان، بل تقدمت باتجاه بيروت العاصمة، إذ لم تجد مقاومة أمامها تمنعها مِن ذلك: فالجيش اللبناني لم يتدخل بدعوى أن الاجتياح الإسرائيلي الغرض منه رجال المقاومة الفلسطينية، والقوات السورية لم تتدخل في القتال، رغم مرور القوات الإسرائيلية على محاور تسيطر عليها القوات السورية الموجودة في لبنان وقتها بدعوى الالتزام بوقف إطلاق النار مع القوات الإسرائيلية، أما قوات الكتائب اللبنانية فاتضح مِن الأحداث أنها كانت متواطئة مع القوات الإسرائيلية؛ لذا لم تتعرض للقوات المتوغلة، إذ أن تدمير القوات الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ومَن يحالفها مِن القوى السُّنية في لبنان يصب في مصلحة قوات الكتائب في ضوء الصراع الطائفي وما صاحبه مِن حرب أهلية في لبنان.

وقد استفادت إسرائيل مِن عميلها في جنوب لبنان الرائد اللبناني "سعد حداد"، الذي كان قد استقل بتوجيهٍ مِن إسرائيل، بكيانٍ له ولقواته في جنوب لبنان لخدمة المصالح الإسرائيلية!

أما المناطق التي تقطنها عناصر حركة "أمل" الشيعية و"حزب الله" الشيعي بجنوب لبنان، فلم تتعرض لها إسرائيل، ولم تشارك أيضًا في المواجهة.

حصار بيروت الغربية:

واصلت القوات الإسرائيلية حتى وصلتْ إلى بيروت العاصمة في ظل التواطؤ السوري وتسهيلات سعد حداد، وحزب الكتائب، فقامت بتدمير جنوب وغرب بيروت مِن البر والبحر والجو، وحاصرت مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية ومعهم (ياسر عرفات) في بيروت الغربية، وقطعت عنهم كل وسائل الحياة والمعيشة مِن ماءٍ وغذاءٍ وكهرباء، واستمر الحصار مدة تسعة وسبعين يومًا كاملة، سقط فيه الآلاف مِن القتلى والمصابين، وهو الحصار الذي أسفر على إرغام رجال المقاومة الفلسطينية على الرحيل التام مِن بيروت إلى تونس، كما تم طرد بقية رجال المقاومة الفلسطينية بعد ذلك مِن طرابلس.

وجاءت موافقة "ياسر عرفات" ورجاله على مغادرة لبنان لاعتباراتٍ، منها:

- تجنيب المدنيين في بيروت الغربية المزيد مِن القصف والدمار والمعاناة.

- اليأس مِن وصول أي نجدة عربية مِن الخارج.

وقد صحب ذلك الخروج للمقاتلين الفلسطينيين مِن بيروت الغربية التأكيد على:

- تعهد الجميع بما فيهم الحكومة الأمريكية بتأمين سلامة المدنيين في بيروت.

- تولي السلطة الشرعية اللبنانية زمام الأمور في بيروت الغربية.

- التأكيد على عدم السماح للقوات الإسرائيلية بدخول بيروت الغربية.

مشاركة قوات دولية متعددة الجنسيات في حفظ الأمن على خطوط التماس.

وعلى ذلك تم رحيل آخر المقاتلين الفلسطينيين في الأول مِن سبتمبر 1982م عن طريق البحر إلى تونس.

بدأت بعد ذلك القوات الإسرائيلية في التقدم للسيطرة على الطرق الرئيسية المؤدية إلى بيروت، وبدأ الجيش اللبناني في تسلم مخازن الأسلحة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقامتْ حركة أمل الشيعية -تفاديًا لأي مواجهةٍ عسكريةٍ مع إسرائيل- بتسليم موقع لها في بيروت الغربية للجيش اللبناني بعد إدعاء إسرائيل وجود بقايا مِن المقاتلين الفلسطينيين في هذا الموقع.

مخالفة التعهدات:

رغم رحيل المقاتلين الفلسطينيين مِن بيروت الغربية فقد استمر الاحتلال الإسرائيلي لبيروت حتى تم اختيار بشير الجميل زعيم حزب الكتائب رئيسا للبنان في أوائل شهر سبتمبر، أي بعد رحيل الفلسطينيين بأسبوعين.

في التاسع من سبتمبر بدأت القوات المتعددة الجنسيات في الرحيل مِن بيروت قبْل انتهاء انتدابها المقرر له 21 سبتمبر 1982م، وخلافًا لما تعهدت به مِن التواجد لضمان سلامة وأمن المدنيين طوال التواجد الإسرائيلي في بيروت، فغادرت مشاة البحرية الأمريكية التابعة للقوات المتعددة الجنسيات لبنان في 10 سبتمبر، تلتها القوات الإيطالية في 11 سبتمبر، ثم القوة الفرنسية في 13 سبتمبر.

وقد أعقب ذلك اغتيال (بشير الجميل) -الرئيس اللبناني المنتخب- وبعض معاونيه في 14 سبتمبر بواسطة عبوة متفجرة في مقر حزب الكتائب بالأشرفية في بيروت الشرقية (معقل الكتائب)، بالرغم مِن كل احتياطات الأمن المشددة حول مقر الحزب، والتي يصعب منها وصول غرباء إلى مقر الحزب أو تفجيره!

في اليوم التالي تقدمت القوات الإسرائيلية تجاه بيروت الغربية؛ بدعوى أن دخولهم بيروت الغربية لمنع أي اعتداءاتٍ مِن نصارى حزب الكتائب على المسلمين مِن الفلسطينيين واللبنانيين انتقامًا لاغتيال بشير الجميل زعيم الكتائب.

وبالفعل سيطرت القوات الإسرائيلية على بيروت الغربية، وقامت بفرض حظر التجول فيها، كما قامت بمحاصرة مخيمي صابرا وشاتيلا بقواتها العسكرية، مِن دبابات ومدرعات، مصحوبة بناقلات جنود وجرافات (بلدوزرات)، وفي تواطؤ لا شك فيه سمحت القوات الإسرائيلية المحاصرة للمخيمين لقواتٍ مِن الكتائب المعروفة بعدائها للتواجد الفلسطيني في لبنان بدخول المخيمين والتعامل مع مَن فيه بدعوى تصفية مَن يكون فيه مِن المقاتلين الفلسطينيين.

الدور الإسرائيلي في المذبحة:

قامت القوات الإسرائيلية بالتمهيد لدخول قوات الكتائب المخيمين أولًا ثم تغطية عملياتها فيهما ثانيًا بقصف مدفعي، وساهمت أيضًا في هذه العمليات بإنارة المخيم ليلًا بالقذائف المضيئة طوال تواجد قوات الكتائب بالمخيمين ليلًا لمساعدة قوات الكتائب للقيام بما تريده.

وقد اعترف (آريل شارون) وزير الدفاع الإسرائيلي الذي قاد الغزو الإسرائيلي للبنان بأنه بناءً على موافقة مجلس الوزراء الإسرائيلي المسبقة قبْل اجتياح لبنان على قبول مشاركة قوات الكتائب اللبنانية وقوات الرائد سعد حداد -العميلة لإسرائيل في جنوب لبنان- إلى جانب القوات الإسرائيلية خلال الغزو فقد تم السماح لقوات الكتائب بدخول مخيمي صابرا وشاتيلا، أي أن المذبحة البشعة التي ارتكبت في حق الفلسطينيين داخل المخيمين، والتي استمرت 40 ساعة كاملة، مِن الساعة الخامسة عصر يوم الخميس 16 سبتمبر وحتى الساعة التاسعة صباح يوم السبت التالي، بدأت واستمرت حتى نهايتها على مرأى ومسمع القوات الإسرائيلية التي تواطأت مع قوات الكتائب في تنفيذ المذبحة، فلم تتحرك لمنع أو إيقاف المذبحة، وحاصرت المخيمين طوال العمليات، ولم تسمح بخروج -أو فرار- الفلسطينيين مِن المخيمين، وسمحت بتدفق قوات الكتائب على المخيمين، كما منعت المراسلين الصحفيين مِن الوصول للمخيمين طوال المذبحة بدعوى وجود قتال فيهما، وقدمت الطعام والشراب لقتلة ميليشيات الكتائب طوال ساعات المذبحة، بل أمدتهم بإحدى الجرافات (بلدوزر)، وقد تجاوز عدد قتلى تلك المذبحة 3500 مِن المدنيين أكثرهم مِن النساء والشيوخ و الأطفال.

وقد خرجتْ إسرائيل بعدها لتعلن إدانتها للمذبحة! وزعمت في كذب مكشوف أنها لم يكن بوسعها منع المذبحة أو إيقافها، وقد كشفت التحقيقات -داخل إسرائيل نفسها- بعد ذلك التورط الفاضح للقادة العسكريين والمسئولين الإسرائيليين في الإعداد والمتابعة للمذبحة البشعة للفلسطينيين داخل المخيمين.

تحت إلحاح الرأي العام الإسرائيلي والدولي شكلت الحكومة الإسرائيلية لجنة تحقيق خاصة للتحقيق في مدى مسئولية الدور الإسرائيلي في مذابح صابرا وشاتيلا، وذلك في نهاية 1982م، وبعد قرابة خمسة أشهر مِن ارتكاب المذبحة أصدرت اللجنة تقريرها النهائي في "8-2-1983م"، وفيه حملت اللجنة مسئولية المذبحة المباشرة لقوات الكتائب، لكنها أقرت بمسئولية القوات الإسرائيلية عما ارتكبته قوات الكتائب.

لذا جاء في تقريرها:

- مطالبة وزير الدفاع الإسرائيلي (آريل شارون) بالاستقالة مِن منصبه، لمسئوليته بشكلٍ خصوصي ومباشر عن المذبحة التي وقعت.

- توجيه اللوم إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي (مناحم بيجن) لعدم اهتمامه -بعد معرفته واطلاعه على عمليات الكتائب في المخيمين- بالاستفسار عن حقيقة ما يحدث ومدى خطورته.

- المطالبة بعدم بقاء الجنرال (يهوشوع ساغي) في منصبه كمدير لغرفة العمليات العسكرية (رئيس الاستخبارات) لتورطه في الجريمة، وقد استقال (ساغي) من منصبه فيما بعد.

- المطالبة بمنع قائد المنطقة الشمالية الجنرال (أمير دوري) مِن الخدمة العسكرية بالجيش لمدة ثلاث سنوات، لتورطه في الجريمة.

- المطالبة بمنع أعطاء أي مسئوليات ميدانية لقائد القوات الإسرائيلية في لبنان (عاموس يارون) لمدة ثلاث سنوات، وذلك لعدم قيامه بأي إجراءات لإيقاف مذابح قوات الكتائب في المخيمين.

- وقد عقدت الحكومة الإسرائيلية جلسة طارئة بعد نشر تقرير لجنة التحقيق الإسرائيلية قررت فيها مطالبة الجنرال (آريل شارون) بتقديم استقالته مِن وزارة الدفاع، على أن يستمر في الوزارة الإسرائيلية كوزيرٍ بلا وزارة.

مِن وصف المراسلين الصحفيين للمخيمين بعد انتهاء المذبحة:

نددتْ وسائل الإعلام العالمية المختلفة بهذه المذبحة الشنيعة وعدتها وصمة عار في جبين إسرائيل وقوات الكتائب، وقد ذكر المراسلون ما رأوه مِن صور بشعة مروعة عند دخول المخيمين بعد انتهاء المذبحة تبيِّن بشاعة ما حدث.

فجاء فيما ذكروه:

- انتشرت رائحة الموت وأسراب الذباب وأكوام الجثث في كل مكان، في الطرق والشوارع الفرعية، وتحت العربات، وفوق أكوام الأنقاض والقمامة، وفي مداخل البيوت وغرفها.

- عند المدخل الجنوبي لمخيم "شاتيلا" صف من البيوت الصغيرة، وقد انهارت فوق أصحابها نتيجة القصف المدفعي المكثف، وعلى مسافة خمسين مترًا كومة مِن الجثث تشابكت أرجلها وأيديها كأنها تحتمي ببعضها مِن قسوة لحظات الموت، وقد قتلوا جميعًا برصاصاتٍ في الرأس، عيونهم مفتوحة ومتشنجة، لم يذهب الموت ما كان فيها مِن رعب، خاصة في أعين الأطفال.

- وعلى مسافة قريبة جثث خمس نساء وعدد مِن الأطفال، ملقاة فوق كومة مِن تراب، بينها امرأة مستلقية على ظهرها، وقد شق ثوبها عن صدرها وقطعت حلمتاها، وإلى جانبها رأس بدون جسدٍ لطفلة تنظر بغضب، وطفلة أخرى لا يزيد عمرها على الثالثة، ترتدي ثوبًا أبيض ملطخًا بالطين، ورأسها مهشم برصاصة.

- وأمام بوابة منزل تهدم نصفه امرأة شابة سقطتْ على وجهها، وهي تحتضن رضيعها، كانت تسعى للفرار مِن وجه القتلة وطفلها بيْن يديها، ولكن مَن قتلوها أطلقوا النار على ظهرها، فاخترق الرصاص الذي أصابها جسدها واستقر في جسد الرضيع، فسقطت على وجهها، وهي تشد رضيعها إلى صدرها، و تتشبث به.

- وبجوار جدار اصطفت عشرون جثة مربوطة الأيدي لفتية في سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة.

- وفوق تل مِن الأنقاض تمدد جسد طفلة في نحو الرابعة مِن عمرها، بيْن أحجار بيت مهدم، أفرغ قاتلها رصاصته في عجزها فسقطت على وجهها، لا يظهر منها إلا عجزها الدامي.

- أكوام متفرقة مِن أنقاض المنازل والأحجار كومتها الجرافات فوق الجثث، وبرزت مِن وسطها أذرع وأرجل الضحايا، وفي وسط الكومة مِن الأنقاض امتدت يد امرأة حاملة بطاقة هويتها اللبنانية التي لم تمنع قاتلها مِن قتلها.

- جثة رجل معلقة تترنح مِن إحدى النوافذ، وجثة امرأة حامل بقر القتلة بطنها وأخرجوا الجنين مِن أحشائها، وجثث أخرى بدا أنها تعرضت لعمليات تعذيب قبْل قتلها، حيث قطعت أوصالها، أو هشمت رؤوسها، أو طعنت بالسكاكين، وحولها برك مِن الدماء المتجمدة.

- في أحد الأزقة طفلتان في نحو الحادية أو الثانية عشرة مِن عمرهما مستلقيتان على ظهريهما متباعدتا الساقين، قام القتلة باغتصابهما قبْل أن يطلقوا الرصاص على رأسيهما.

- محافظ نقود متناثرة حول أكوام الجثث تدل على أن القتلة كانوا يستولون على أموال ضحاياهم، وعلب ذخيرة وأعيرة نارية فارغة، وأوراق ملونة مِن التي تغلف قطع الشيكولاتة، عليها كتابات بالعبرية تدل على أنها مصنوعة في إسرائيل.

- آثار الجرافات على طرق رملية تؤدي إلى أماكن بها قبور جماعية، حاول فيها القتلة إخفاء الجثث بردمها بالجرافات وسط الأنقاض، أو بحملها بالجرافات إلى شاحنات نقلتها إلى أماكن مجهولة، أو بدفنها في قبورٍ جماعيةٍ تضم العشرات مِن الجثث، وقد تجمدت فوقها الدماء وأسراب الذباب.

- وفي مستشفى عكا قتل أطباء ومرضى، وقتل العديد مِن العاملين والسكان الذين لجئوا إلى المستشفى، ووجد طفل جريح لم يتجاوز عمره 14 عامًا على سريره، وقد تم إفراغ الرصاص مِن رشاش في رأسه!

وقد كتب (لورين جنكز) مراسل صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكية عما شاهده عند دخول المخيمين يوم السبت بعد انتهاء المذبحة والسماح بدخول المراسلين الصحفيين يقول: "في صبيحة السبت كان مشهد المخيمين وكأنه كابوس رهيب مِن كوابيس جحيم دانتي... فقد رأينا النسوة يولولن جماعات جماعات، وهن ينعين أحبابهن وأقاربهن، وكانت جثث هؤلاء الأحبة تنتفخ بتأثير حرارة الشمس اللافحة... ورأينا طرق المخيمين مليئة بالآلاف مِن خراطيش البارود الفارغة التي كان القتلة قد أطلقوها على السكان، كما رأينا ألعاب الأطفال مختلطة بأحذية وشباشب النساء، وقد تعقبهم المجرمون للفتك بهن بعد خروجهن مِن أكواخهن ليلذن بالفرار.

لقد أحصيت أنا بنفسي ستًا وأربعين جثة، أصبت بعدها بدوارٍ مرعب، حملتُ بعده إلى الفندق، كما أحصى مراسلون آخرون كانوا معي ما يزيد على المائة جثة، لقد دكت المنازل بالديناميت، وقامت الجرافات الإسرائيلية العسكرية بجرف الجثث مع أنقاض البناء".

ويمضي فيقول: "في بستان صغير يحيط بأحد المنازل أُلقيت جثتا امرأتين في كوم، فبدا الكوم وكأنه كيس مِن الحنطة وسط الأنقاض... وبرز مِن داخل الكوم رأس طفل غشي الموت عينيه الصغيرتين... وقُرْب جثة هذا الطفل برزتْ جثة طفل آخر لا يزيد سنه عن سنةٍ واحدةٍ قُطع رأسه بسكينٍ حادة، ولف جسده بالأقماط الكتانية. وفي دهليز مِن دهاليز شاتيلا شاهدتُ بأم عيني جثتين لفتاتين في ربيع عمريهما واحدة في الحادية عشر... وقد استلقتا على ظهريهما بعد اغتصابهما بعد أن أطلق النار على رأسيهما... وقرب هاتين الفتاتين رأيت جثة ثمانية رجال ربطوا إلى أحد الجدران في منزل متهدم يحمل رقم 424 كتب بالون الأحمر ثم أطلق النار عليهم فلقوا مصرعهم... وفي دهليز آخر: وضعت ست عشرة طفلة، الواحدة فوق الأخرى بحيث لم تمر عليهم ليلة واحدة حتى تجمدت هذه الجثث وكأنها ركام واحد!

ومِن ناحية أخرى مِن هذا الدهليز: شاهدتُ جثة امرأة لا يزيد عمرها عن الأربعين، وقد ارتدت ثوبها القروي الطويل المطرز، والتفح رأسها بلفاحٍ قديمٍ، وهي ملقاة على ظهرها تحدق في السماء الزرقاء فوقها وقد اخترقت رصاصتان صدرها!".

قال: "في مخيم صابرا كان المشهد أشد فظاعة... أبصرت المذبوحين والمذبوحات كبارًا وصغارًا، شيوخًا ونساءً وأطفالًا، قد ألقوا بيْن الأنقاض على مسافة أمتارٍ مِن المخيم". وقال أيضًا: "وعند مدخل صابرا الجنوبي رأيت حفرة قطرها عشرة أمتار... لقد استخدمت هذه الحفرة كمقبرةٍ جماعيةٍ دُفنت فيها مئات الجثث، ثم غطيت بالتراب، وجاءت الجرافات فغطت هذا التراب لإخفاء معالم الجريمة!".