إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 06 مايو 2018 - 20 شعبان 1439هـ

تحذير المسلمين مِن خصال النفاق (1)

كتبه/ نصر رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالنفاق هو: "إظهار الإيمان باللسان، وكتمان الكفر والشر بالقلب".

قال ابن جريج: "المنافِق يخالف قولُه فعلَه, وسرُه علانيتَه, ومدخلُه مخرجَه, ومشهدُه مغيبَه".

وقال ابن رجب: "النفاق في اللغة: هو مِن جنس الخداع والمكر وإظهار الخير, وإبطان خلافه".

فالنفاق داءٌ عضال، وانحراف خلقي خطير في حياة الأفراد والمجتمعات والأمم؛ فخطره عظيم، وشرور أهله كثيرة، وتبدو خطورته الكبيرة حينما نلاحِظ آثاره المدمرة على الأمة كلها.

والمنافقون: صنف وضيع مِن الناس، يتغلغلون في صفوف المؤمنين، متقنعين بأقنعةٍ متعددة, يسعون إلى تفتيت الصف المسلم مِن الداخل، بكل ما أوتوا مِن مكرٍ ودهاءٍ؛ فهم عيون الكفار والأعداء على المسلمين, خطرهم على البلاد والعباد كبير, فهم أخطر أهل الأرض على الإسلام وأهله؛ لذلك وصفهم -سبحانه- بأنهم: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) (المنافقون:4).

قال ابن القيم -رحمه الله: "إن بلية الإسلام بالمنافقين شديدة جدًّا؛ لأنهم منسوبون إليه وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وصلاح، وهو غاية الجهل والفساد, فلله كم مِن معقل للإسلام قد هدموه، وكم مِن حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم مِن عَلم له قد طمسوه، وكم مِن لواءٍ له مرفوع قد وضعوه، وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها... فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنةٍ وبلية، ولا يزال يطرقه مِن شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) (البقرة:12)" (مدارج السالكين).

قال عمر لزِيَادِ بنِ جرير: "هَلْ تَدْرِي مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ يهدمهُ زلَّةُ عالِمٍ، أو جدالُ منافقٍ بالقرآنِ، وحكم المضِلِّين!".

قال الطيبي في "مرقاة المفاتيح": "المراد بهدم الإسلام تعطيل أركانه الخمسة، وتعطيله إنما يحصل مِن زلة العالم، وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر باتباع الهوى، ومِن جدال المبتدعة وغلوهم في إقامة البدع بالتمسك بتأويلاتهم الزائفة".

وقال بعضُ المُهَاجرين: "وَاللهِ مَا أَخَافُ الْمُسْلِمَ ولا أخاف الكافر, أَمَّا المسلمُ فَيُحْجِزُهُ إِسلامهُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فقد أذلَّهُ اللهُ -عز وجل-، ولكِن كيف لي بالمُنافِق؟!".

النفاق: خافه النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته, فعن عمران بن حصين مرفوعًا: (إنَّ أخْوَفَ مَا أخافُ علَيْكُمْ بَعْدِي: كُلُّ مُنافِقٍ عَلِيمِ اللِّسان) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

قال المناوي: "كل منافق عليم اللسان: أي عالم للعلم، منطلق اللسان به، لكنه جاهل القلب والعمل، فاسد العقيدة، مغرٍ للناس بشقاشقه وتفحصه، وتقعره في الكلام!". وكان السلف -رحمهم الله- مع عمق إيمانهم وكمال علمهم يخافون النفاق, فعن ابن أبي مليكة قال: "أدركت ثلاثين مِن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه!".

وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- إذا فرغ مِن التشهد يتعوذ بالله مِن النفاق, فقال له أحدهم: "ومالك أنت والنفاق؟ فقال: "دعنا عنك, فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه!".

وقال الحسن: "ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق".

وسئل الإمام أحمد: "ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال: "ومَن يأمن على نفسه النفاق؟!".

قال ابن القيم: "وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون مِن أهل هذه الطبقة, ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقيها على أنفسهم أن يكونوا منهم, فكان عمر يقول لحذيفة: ناشدتك الله! هل سماني رسول الله مع القوم؟! فيقول: لا, ولا أزكي بعدك أحدًا!".

ومما يوجب الخوف مِن النفاق والحذر مِن المنافقين: أنهم كثيرون, منتشرون في بقاع الأرض, كما قال الحسن: "لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات!".

وسمع حذيفة رجلًا يقول: "اللهم أهلك المنافقين. فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم مِن قلة السالك!".

وقال شيخ الإسلام: "والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوْم القيامة".

وقال ابن القيم: "واعْلَمْ أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم، فذكر -سبحانه- أوصافهم لأوليائه؛ ليكونوا منهم على حذر".

وللحديث بقية -إن شاء الله-.