إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 01 مايو 2018 - 15 شعبان 1439هـ

هل باع الفلسطينيون أرضهم؟!

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن الأكاذيب التي يروِّج لها الكثيرون دون تمحيصٍ وبحثٍ عن الحقيقة: أن الفلسطينيين باعوا طواعية بيوتهم وأراضيهم لليهود الذين هاجروا في جماعاتٍ لفلسطين، أي أن اليهود تملكوا أراضي فلسطين بأموالهم التي دفعوها ثمنًا لها! وهذا تصور ساذج مِن جهة، وينافي الحقائق التاريخية مِن جهةٍ أخرى، وهو ما تروِّج له الصهيونية العالمية لتخفي وراءه جرائمها الشنيعة البشعة التي ارتكبتها في حق الفلسطينيين العزل لتنتزع معظم ما تواجدتْ عليه في فلسطين قبْل الوصول إلى مرحلة الحروب مع العرب عام 1948م وما بعده، والتي عن طريقها تمددت واتسعت حدودها إلى ما وصلت إليه حاليًا.

والعجيب أنه في الوقت الذي تروِّج فيه الصهيونية لهذه الأكذوبة، وتجد مَن يصدقها ويرددها ويدافع عنها! تروِّج الصهيونية أيضًا لأكذوبة تناقضها، وهي أن اليهود هاجروا هجرة جماعية لفلسطين التي كانت وقت هجرتهم إليها أراضٍ بور خالية مِن السكان، فتوطنها اليهود وعمَّروها وأقاموا عليها دولة متحضرة على النظام الغربي، وعليه لا تعترف الصهيونية بالشعب الفلسطيني؛ إذ كانت فلسطين وقت هجرتهم الجماعية إليها في بداية القرن العشرين بلا شعبٍ ولا سكانٍ، ومنها مقالتهم التي صدقها كثيرون: "أرض بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض!". والمراد بالأرض: "أرض فلسطين". والمراد بالشعب: "الشعب اليهودي!".

وبهذه المقولة الباطلة أشد البطلان تسوِّغ الصهيونية شناعة ما اقترفته في حق الشعب الفلسطيني الذي شردته، ولا تعترف حتى الآن بوجوده أو بحقه في العودة إلى أرضه!

ولدحض ذلك كله ينبغي علينا أن نبدأ القضية مِن أولها، نتتبع تطوراتها خطوة خطوة -مع الاختصار- لنبيِّن -وبوضوح لا لبس فيه- الحقيقة ناصعة بيضاء؛ وبالتالي شناعة ما يروج على السذج، وما يبثه المغرضون مِن أكاذيب وافتراءاتٍ في هذا الشأن.

الغياب اليهودي عن فلسطين:

برغم ما تعرض له اليهود في أوروبا في القرون الميلادية الوسطى مِن اضطهادٍ ديني، فقد كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين محدودة جدًّا، لا تزيد عن بضع مئات مِن اليهود كما رصدها بعض الرحالة الغربيين إلى الأماكن المقدسة في زياراتهم لها في هذه الفترة، بل عندما اشتد الاضطهاد الأسباني لليهود في القرن الخامس عشر الميلادي، وأجبر اليهود على ترك أسبانيا اتجه أكثرهم إلى شمال إفريقيا وبلاد البلقان وبعض دول أوروبا الغربية، بينما اتجه نفر قليلون مِن اليهود الأسبان وقتها إلى فلسطين، هذا بالرغم ما عرف عن المسلمين مِن التسامح مع أهل الكتاب مِن النصارى واليهود وقبول تواجدهم في البلاد الإسلامية كأهل ذمة وعهد -بما في ذلك أرض فلسطين-، ولهم الحرية الدينية، وحق التحاكم إلى ما هم عليه في أحوالهم الاجتماعية و شئونهم الدينية.

بداية الهجرة اليهودية لفلسطين:

خلال القرن التاسع عشر الميلادي بدأت حركة هجرة يهودية -لكنها ضعيفة- إلى فلسطين برعاية بعض رجال المال اليهود الأثرياء ترمي إلى إقامة مستعمرات لليهود في فلسطين، وحتى قرب ظهور الحركة الصهيونية الحديثة أواخر القرن التاسع عشر بزعامة (هرتزل) لم يزد عدد اليهود في فلسطين عن 25 ألف يهودي مِن جملة سكان فلسطين وقتها البالغ عددهم وقتها نحو600 ألف نسمة، وكان أكثرهم مِن اليهود العرب، وليسوا مِن اليهود الأوربيين، إذ لم يتحمس اليهود خاصة في دول أوروبا الغربية للهجرة مِن دولهم الأوروبية التي استقروا فيها وتأقلموا عليها، حتى بعد ظهور الحركة الصهيونية الحديثة الداعية لهجرة اليهود لفلسطين وإقامة دولة لهم فيها.

وإنما تغيرت الأوضاع، وبدأ قبول الفكرة الصهيونية تلك بعد صدور وعد بلفور عام 1917م، وتعهد بريطانيا لزعماء الحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والذي كان انتصارًا كبيرًا للصهيونية العالمية، ونقطة تحول رئيسة في تحقيق أطماعها الاستعمارية، وزاد الأمر حدة استغلال الصهيونية لما أشيع عن اضطهاد الألمان النازيين لليهود -خاصة مع الحرب العالمية الثانية- لدفع يهود أوروبا إلى الهجرة الجماعية إلى فلسطين كملاذ آمن لليهود.

تطلع هرتزل واليهود الشرقيين لفلسطين:

وفي أعقاب المذابح التي تعرض لها اليهود في روسيا أواخر القرن التاسع عشر (عام 1882م) اشتد الاتجاه اليهودي الداعي إلى هجرة اليهود إلى فلسطين، والتي تطور و تبلور إلى الحركة الصهيونية الحديثة على يد (تيودور هرتزل)، وقد لاقت هذه الحركة الاستجابة الأكبر لدى يهود روسيا وأوروبا الشرقية أولًا، وهذا يفسِّر سبب كون أكثر مؤيدي الحركة الصهيونية والمتحمسين لها عند ظهورها، وأكثر زعماء إسرائيل بعد ذلك، كانوا مِن اليهود الشرقيين القادمين مِن روسيا وأوروبا الشرقية.

بدايات التوجس الفلسطيني مِن اليهود:

بدأ التوجس الفلسطيني مِن الهجرة الجماعية لليهود وبناء مستعمرات خاصة لليهود في فلسطين مبكرًا، ففي عام 1891م قدم بعض أعيان القدس مِن الفلسطينيين مذكرة إلى السلطة العثمانية في الأستانة يطالبون فيها بمنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومنع اليهود مِن شراء أراضي في فلسطين بعد أن لاحظوا التوافد الجماعي لليهود وبداية ظهور مستعمرات قاصرة على اليهود في فلسطين، فمع قلة أعداد اليهود، ومع سماحة المسلمين مع النصارى واليهود عبْر تاريخ الإسلام الطويل، إلا أن هؤلاء الأعيان مِن الفلسطينيين توجسوا مِن تلك التحركات اليهودية -ومِن بدايتها- بدرجة دفعتهم لتوجيه هذه المذكرة، وفي عام 1901م طالب عارض مزارعي (طبريا) شراء اليهود للأراضي في منطقتهم بعد أن توجسوا مِن التوافد الجماعي لليهود على فلسطين.

ومع مطلع القرن العشرين بدأت صيحات تحذر مِن أطماع الحركة الصهيونية الحديثة، وتتحدث عن نتائج المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1898م، ففي عام 1905م صدر كتاب (يقظة الأمة العربية) لنجيب عازوري، الذي ينبه فيه على خطر الحركة الصهيونية على فلسطين والأمة العربية.

وفي عام 1911م صدر أول كتاب باللغة العربية عن الصهيونية بعنوان: (الصهيونية: تاريخها وهدفها و أهميتها) لنجيب نصار، وتبنت بعض الصحف الفلسطينية مواجهة هذه المحاولات اليهودية الأولى في هذه الفترة منها صحيفة (الكرمل).

الحركة الصهيونية والسلطان عبد الحميد:

وللتغلب على أي معوقات في هذا الجانب كان سعي (هرتزل) مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة للحصول على موافقة السلطان العثماني عبد الحميد الرسمية على استيطان اليهود في فلسطين، فبعد أن حصل هرتزل على تعاطف دول أوروبا مع المسألة اليهودية أراد أن يستغل ذلك في الضغط على الدولة العثمانية التي تقع فلسطين ضمن أملاكها، خاصة في ظل ما كانت تعانيه تركيا مِن مشاكل اقتصادية مكنت الدول الأوروبية الدائنة مِن التدخل في شئونها المالية، فقدم هرتزل عرضه المغري للسلطان العثماني في يونيو 1896م بتسوية أوضاع تركيا المالية مقابل السماح باستيطان اليهود أرض فلسطين التي يمتلكها السلطان ضمن القانون المدني فقوبل عرضه بالرفض مِن السلطان، وبعدها بعامين قابل هرتزل السلطان عبد الحميد، واقترح عليه مرة أخرى مساعدة البنوك اليهودية الغنية في أوروبا للدولة العثمانية مقابل السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين، فجاء رفض السلطان عبد الحميد قاطعًا.

وقد كتب السلطان عبد الحميد في مذكراته عن لقاء هرتزل يقول: "لن يستطيع رئيس الصهاينة هرتزل أن يقنعني بأفكاره، وقد يكون قوله: ستحل المشكلة اليهودية يوم يقوى فيه اليهودي على قيادة محراثه بيده صحيحًا في رأيه، أنه يسعى لـتأمين أرض لإخوانه اليهود، لكنه ينسى أن الذكاء ليس كافيًا لحل جميع المشاكل... لن يكتفي الصهاينة بممارسة الأعمال الزراعية في فلسطين، بل يريدون أمورًا مثل تشكيل حكومة وانتخاب ممثلين، إنني أدرك أطماعهم جيدًا، لكن اليهود سطحيون في ظنهم أنني سأقبل بمحاولاتهم، وكما أنني أقدر في رعايانا اليهود خدماتهم لدى الباب العالي فإني أعادي أمانيهم وأطماعهم في فلسطين".

بينما كتب هرتزل يقول: "أقر على ضوء حديثي مع السلطان عبد الحميد الثاني أنه لا يمكن الاستفادة مِن تركيا؛ إلا إذا تغيرت حالتها السياسية عن طريق الزج بها في حروب تهزم فيها، أو عن طريق الزج بها في مشكلات دولية، أو بالطريقين معًا في آنٍ واحدٍ"، وهذا ما كان.

لماذا الاستيطان؟

ومما ينبغي التنبه له أن الهجرة اليهودية خاصة مع الدخول في القرن العشرين أخذت شكل التملك والاستيطان وطابع التهويد؛ إذ منعت الوكالة اليهودية اليهود المهاجرين مِن بيع أراضي المستعمرات التي تنشئها مطلقًا، كما قصرت العمل والإقامة فيها على اليهود دون غيرهم.

وقد انكشفت هذه الحقيقة بعد ذلك بعقود، جاء في نشرة لمنظمة (ماتزين) الاشتراكية الإسرائيلية عام 1969م: "ففي كل البلدان المستعمرة الأخرى سعى المستعمرون الأوربيون إلى استثمار ثروات البلاد بما فيها طاقات أبناء البلاد أنفسهم، محولين في كل مرة السكان إلى طبقة بروليتارية -أي طبقة عاملة- داخل المجتمع الرأسمالي الجديد الذي أنشأوه.

أما الصهيونية فلم ترد ثروات فلسطين فقط، بل كانت تريد فلسطين نفسها أيضًا، مِن أجل إقامة دولة قومية جديدة فيها، بما فيها الطبقة العاملة، وبالتالي لم يكن المطلوب هو استغلال العرب، بل المطلوب استبدالهم كليًّا".

وجاء في تقرير لجنة التحقيق البريطانية المكلفة بالنظر في اضطرابات وقعت في فلسطين عام 1929م: "إن تملك الأراضي الفلسطينية مِن قبْل الصندوق الوطني اليهودي قد أخرج هذه الأراضي في الواقع عن السيادة الفلسطينية، وهو يعني أن العرب قد فقدوا هذه الأراضي إلى غير رجعة، فليس فقط لن يكون بإمكانهم استئجار هذه الأراضي أو زراعتها، بل أيضًا وبموجب الإجراءات الدقيقة الواردة في نظام الصندوق اليهودي لن يعود بإمكان العرب أبدًا القيام حتى بالعمل المأجور فوق هذه الأرض، إضافة إلى ذلك لن يعود بإمكان العرب إعادة شراء هذه الأراضي كي تدخل مِن جديدٍ في الملكية القومية؛ لأنها أصبحت غير قابلة لمبدأ التنازل".

دور بريطانيا في إقامة إسرائيل:

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة تركيا قامت الدول الأوروبية المنتصرة بتقسيم الدول العربية التي كانت تحت السيادة العثمانية فيما بينها، فقامت بريطانيا مِن خلال عصبة الأمم بفرض انتدابها على فلسطين، وقامت بإدراج وعد بلفور، الذي تعهدت فيه الحكومة البريطانية في عام 1917م ببذل أقصى جهدها لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في مقدمة وثيقة الانتداب البريطاني على فلسطين، لتجعل سياستها في فلسطين خلال الانتداب هي تمكين اليهود مِن أرض فلسطين، لذلك:

جاء في المادة الثانية مِن صك الانتداب البريطاني: "على الدولة المنتدبة -أي بريطانيا- أن تخلق في البلاد مجموعة من الأوضاع السياسية والإدارية والاقتصادية مِن شأنها تأمين قيام الوطن القومي للشعب اليهودي".

وجاء في المادة السادسة: "... ستسهل إدارة فلسطين -أي إدارة الانتداب البريطانية- الهجرة اليهودية إليها ضمن الشروط الملائمة، وستشجع بالتنسيق مع الهيئة الصهيونية المشار إليها في الفقرة الرابعة -أي المنظمة اليهودية التي لها حق إسداء المشورة لحكومة الانتداب- استيطان اليهود بشكل مكثف في أراضي البلاد بما فيها الأراضي الأميرية -أي الحكومية غير المملوكة للأفراد- وغير المستصلحة للزراعة، وغير المستعملة للخدمات العامة".

وهكذا اعتبرت عصبة الأمم نفسها مالكة لفلسطين تتصرف فيها كيفما تشاء، بتوجيه مِن بريطانيا وبتأييد مِن الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وأعطت عصبة الأمم إنجلترا حق -بل أوجبت عليها- تهجير اليهود إلى فلسطين، ومنحهم الأراضي الفلسطينية، وتهيئة الأوضاع لإقامة وطن لهم في فلسطين، ونفذت بريطانيا المطلوب بكل ما تملكه سلطة الانتداب البريطانية مِن قوة، فهجرت مئات الألوف مِن اليهود إلى فلسطين، وسهلت لهم الحصول على ما يحتاجون إليه مِن أرض فلسطين، رغم ما أبداه الفلسطينيون خلال فترة العشرينيات والثلاثينيات مِن معارضة لسياسة بريطانيا في فلسطين، ومِن مقاومة بالسبل المتاحة لهم وصلت إلى حد الثورة الشعبية التي بلغتْ ذروتها في العصيان المدني الشامل مِن عام 1936م إلى عام 1939م.

ففي مطلع 1919م انعقد في القدس المؤتمر الفلسطيني العام الأول، والذي قام بإرسال مذكرتين إلى مؤتمر السلام -مؤتمر الصلح- بباريس يطالب فيهما باستقلال فلسطين، ويعلن رفض وعد بلفور، وفي يونيو 1919م عقد أول مؤتمر عربي في دمشق للتنبيه على خطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

وفي نفس الشهر جاءت لجنة (كينج كرين) الأمريكية بناء على اقتراحٍ مِن الرئيس الأمريكي (ويلسون) للتعرف على رغبات السكان العرب، الذين أكدوا للجنة معارضتهم التامة للهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين، ورفض أي سيادة لليهود عليهم.

وفي فبراير 1920م عقد مؤتمر عربي ثان للتأكيد على رفض وعد بلفور، ورفض المشروع الصهيوني لاستيطان فلسطين.

وفي أبريل 1920م قامت ثورة عربية في فلسطين ضد الهجرة اليهودية في القدس دامت أربعة أيام، وأسفرت عن سقوط العديد مِن القتلى والمصابين مِن اليهود والعرب، وأرجعت اللجنة العسكرية التي تشكلت للتحقيق في هذه الأحداث أن سببها رفض العرب للتواجد اليهودي، ولم تستجب بريطانيا لمطالب العرب.

وفي ديسمبر 1920م انعقد مؤتمر ثالث بمدينة حيفا، الذي قرر رفض وعد بلفور.

وفي يونيو 1921م عقد مؤتمر رابع في القدس، الذي تقرر فيه اختيار وفد عربي للسفر إلى أوروبا لعرض القضية الفلسطينية على الدول الأوروبية المتمدينة، وبالفعل قام الوفد بجولة في أوروبا قدَّم بعدها تقرير بنتيجة أعماله في المؤتمر الخامس الذي عقد بنابلس في أغسطس 1922م.

وهكذا توالت المؤتمرات طوال العشرينيات والثلاثينيات في ظل التعنت والتواطؤ مِن سلطة الانتداب البريطاني، وتحولت المعارضة الفلسطينية إلى ثورات شعبية قدمت فيها التضحيات الكبيرة، مِن أشهرها: ثورة البراق 1929م، وثورة 1936م.

الاستيلاء على أرض فلسطين بالاحتيال:

لما انكشف "وعد بلفور" واتضح مخطط الحركة الصهيونية أمام الفلسطينيين توالت الفتاوى مِن علماء الدين بمنع بيع الأراضي لليهود والدعوة إلى ذلك، وأعقب ذلك فشل محاولات اليهود لامتلاك أراضي فلسطينية جديدة مِن الأهالي بالترغيب تارة والترهيب تارة، وقد قام الصندوق الوطني اليهودي الذي أنشأته الحركة الصهيونية لشراء الأراضي في فلسطين بكثيرٍ مِن الوسائل المادية والخدع القانونية للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، ومما احتال اليهود به على ذلك اتخاذ الوسطاء مِن غير اليهود في عملية الشراء، ووجدوا ضالتهم في الدروز، حيث كان أعيان الدروز يشترون الأراضي مِن الفلسطينيين، ثم يبيعونها لليهود، وكان معظم ما اشتروه مِن فلسطينيين غير مقيمين، أو مِن أراضٍ بعيدة عن العمران والمدن والقرى الكبرى في فلسطين.

ونظرًا لصعوبة تنازل أصحاب الأراضي عن أراضيهم قامتْ سلطة الانتداب البريطاني بتسهيل حصول اليهود على الأراضي الأميرية التي تحت إدارة سلطة الانتداب لتحويلها إلى مستعمرات، كما قامتْ بإرهاق الفلسطينيين بقوانين وتشريعاتٍ للتضييق عليهم، وبالتالي دفعهم مع الضغط بالترغيب والترهيب إلى تمكين اليهود مِن الاستيلاء على أراضيهم.

الاستيلاء على فلسطين بالقوة:

ورغم كل تلك الوسائل والمحاولات والتواطؤ البريطاني مع اليهود فلم يكن في ملكية اليهود عشية إعلان دولة إسرائيل عام 1948م إلا 5.6 % فقط مِن أرض فلسطين، وإنما استولى اليهود على بقية أرض فلسطين بالقوة العسكرية المباشرة والتهجير الجماعي بالقوة للفلسطينيين إذ مدت العصابات الصهيونية العسكرية المسلحة سيطرتها إلى نحو 80% مِن أرض فلسطين فيما بيْن أبريل 1948م، ومارس 1949م، أي في أقل مِن عام، فاحتلت بالقوة 420 قرية، و15 مدينة، واقترفت خلال ذلك عشرات المذابح البشعة في حق الفلسطينيين، وشردت نحو 800 ألف فلسطيني تحولوا بعد قيام دولة إسرائيل إلى لاجئين أو مشردين في شتى أنحاء العالم، وتفاقمت الأوضاع بعد حرب 1976م وما بعدها مِن العقود فصار هناك اليوم 4 ملايين لاجئ فلسطيني طردوا مِن بيوتهم وأراضيهم -التي بالطبع لم يبيعوها- واستولى عليها اليهود القادمون مِن شتى بقاع الأرض خلال العقود الطويلة السابقة.

الاستيلاء على أراضي مَن بقي مِن الفلسطينيين:

وقد سنت سلطة الاحتلال الإسرائيلي العديد مِن القوانين لسلب أكبر قدرٍ ممكن مِن ممتلكات الفلسطينيين في ظل الاحتلال، ومِن أبرزها: قانون أملاك الغائبين الذي صدر عام 1950م الذي ينقل ملكية أملاك الغائبين مِن الفلسطينيين الذين غادروا البلاد -أي فلسطين المحتلة- إلى القيم الإسرائيلي الذي عينته إسرائيل؛ هذا بالإضافة إلى فرض الحكم العسكري على الأراضي المحتلة بعد حرب 1967م، ليتسنى لإسرائيل مصادرة الأراضي بدعاوي مختلفة، مِن بينها الإعلان عن مناطق أو قرى أنها مناطق عسكرية مغلقة، وبالتالي منع أهلها مِن العودة إليها، أو مصادرة أراضي فلسطينية لشق طرق أو إقامة خدمات عسكرية، أو إقامة مستوطنات جديدة.

لقد تمتْ كل هذه الإجراءات بتواطؤ وتغاضٍ غربي أمريكي، وتغافل وتساهل لا عذر للعرب والمسلمين فيه، خاصة وأن هناك في هيئة الأمم المتحدة -بل وفي قراراتها التي هي بالعشرات- وفي المنظمات الدولية الأخرى مستندات ووثائق محفوظة في ملفات وخزائن دولية تثبت وتؤكد كل ما تعرض له الفلسطينيون عبْر ما يقرب مِن قرنٍ مِن الزمان؛ مما لم يتعرض له شعب مِن شعوب العالم أجمع.