إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 26 أبريل 2018 - 10 شعبان 1439هـ

معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة (3)

(الحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة عام 2014م)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمنذ وصول حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى حكم قطاع غزة، بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل منها عام 2005م، والسماح بإجراء انتخابات فيها عام 2006 م، عمدت إسرائيل إلى فرض الحصار الاقتصادي والسياسي الشامل على القطاع، ومعاودة نهج الاعتقالات والاغتيالات والممارسات غير الإنسانية ضد فلسطيني القطاع  الضفة الغربية!

وبلغ الأمر ذروته بشنِّ الجيش الإسرائيلي ثلاثة حروب متتالية مدمِّرة ضد قطاع غزة في أعوام: "2008 م - 2012م - 2014م"، وتعد الحرب الثالثة هي أشدها ضراوة والأكبر تكلفة والأكثر خسائر، مع طول مدتها؛ إذ استمرتْ لمدة 50 يومًا، تنوعتْ فيها أساليب المواجهة فيها مِن الطرفين: الفلسطيني والإسرائيلي، واستطاعت المقاومة الفلسطينية عمومًا "وحماس خصوصًا" أن تثبت ما لم يكن متوقعًا، وبصورةٍ تدعو للإعجاب قبْل الدهشة، فلقد تعاظمت البنية العسكرية للمقاومة الفلسطينية وزادتْ بصورةٍ لا تخطئها العين، وصار لها قوات عسكرية مدربة تُعد -بحق- بمثابة جيش غير نظامي.

ورغم الثمن الفادح الذي دفعه الفلسطينيون في الحرب فقد صبروا ورابطوا في مواجهة قوة غاشمة، وتنوعوا في مواجهتها بوسائل متنوعة أرهقتها بالمفاجأة في توقيتها، والمفاجأة في مجيئها مِن أي اتجاه، مِن كمائن وألغام وعبوات مزروعة، وتحصينات واستحكامات مجهزة، وبيوت وعمائر مفخخة، وقوات مدربة ومؤهلة، وأنفاق تحت الأرض بطول قطاع غزة وعرضه، توفر أساليب قتالية عالية، وقدرة على المناورة والتحرك، إلى جانب مخزون مِن السلاح والذخيرة، وصواريخ قصيرة وطويلة المدى، وقذائف هاون، وقذائف مضادة للدبابات، وأخرى مضادة للمروحيات.

وهي فوق ذلك تمتلك شبكة اتصالات مستقلة، لها حضور ميداني تستطيع به تطوير عملياتها النوعية، وفوق ذلك كله توسيع الحرب والقتال جغرافيًّا مِن داخل غزة إلى أرض إسرائيل بإمطار المستوطنات والمدن مِن جنوب إسرائيل إلى شمالها بالصواريخ وقذائف الهاون، والاشتباك مع أي توغل واجتياح إسرائيلي لأرض القطاع، أي أن هناك سياسة مقاومة واضحة تحولت معها المعركة إلى حرب استنزاف يومية لإسرائيل مِن جهةٍ، وتقوية لقدرة الفلسطينيين على رفض مبادرات الاستسلام مِن جهة أخرى.

 مقدمات الحرب:

أطلقتْ إسرائيل على هذه الحرب الثالثة على قطاع غزة اسم: (الجُرُف الصامد) بضم الجيم والراء، وأطلقتْ عليها حماس اسم: (العصف المأكول)، وسمتها حركة الجهاد الإسلامي عملية: (البنيان المرصوص).

بدأتْ مقدمات الحرب بعد عملية فدائية تم فيها خطف وقتل ثلاثة مستوطنين إسرائيليين في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية في "12-6-2014م"، ولم تعلن أي منظمة مسئوليتها عن العملية الفدائية، لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية (بنيامين نتنياهو) سارع بتحميل حماس المسئولية وتهديدها، وشن حملة اعتقالات لكوادر مِن حركة حماس في الضفة الغربية.

وفي "2-7-2014م" قام مستوطنون باختطاف وتعذيب وحرق الطفل محمد أبو خضير مِن مخيم (شعفاط) الفلسطيني، كما دهس إسرائيلي اثنين مِن العرب قرب (حيفا)، وقامتْ إسرائيل بإعادة اعتقال عشرات الفلسطينيين في الضفة الغربية كان قد تم تحريرهم في صفقة تبادل بيْن أسرى فلسطينيين والجندي الإسرائيلي الأسير(شاليط).

وتخلل ذلك تصعيد وقصف متبادل بيْن الجيش الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، كما نشرتْ إسرائيل بطاريات منظومة (القبة الحديدية) في المدن للتصدي للصواريخ الفلسطينية، وبدأت جهود دبلوماسية وسياسية واتصالات عربية ودولية خشية ضربة قاسية ضد غزة، ومع توقع حماس لهجوم إسرائيلي عليها بدأ التحضير للقادم.

بداية الحرب:

بدأت الحرب ضد قطاع غزة في منتصف ليلة "7-7-2014م" بشن الطائرات الإسرائيلية غارات جوية على مواقع متفرقة مِن القطاع.

أهداف إسرائيل مِن العدوان:

- اغتيال مَن يمكن اغتياله مِن القيادات السياسية لحماس.

- تدمير قواعد إطلاق الصواريخ ومخازن السلاح ومستودعات الذخيرة.

- القضاء على البنية العسكرية للمقاومة الفلسطينية.

- وقد سبق اندلاع الحرب جهد كبير لأجهزة المخابرات الإسرائيلية طوال فترة التهدئة منذ انتهاء حرب 2012م؛ لجمع أكبر قدرٍ ممكن مِن المعلومات الأمنية حول البنية التحتية العسكرية للفصائل الفلسطينية، بينما كان لا مفر أمام حماس طوال تلك الفترة مِن تقوية قدراتها الذاتية، ومِن تطوير مدى قوة صواريخها وحمولتها، ونجحتْ في ذلك حتى صارت لديها صواريخ تطول المدن في شمال إسرائيل، تخطى مداها 100 كيلو متر، وصارت تحمل رؤوس متفجرة وزنها 100 كيلو جرام، مع دقة في التصويب.

- كما طورت المقاومة مِن قدراتها الإلكترونية للتشويش على الأسلحة الإسرائيلية بما فيها القبة الحديدية، كما ملأت غزة القطاع بالأنفاق التي أنشئتْ بطريقة تتيح للمقاتل الفلسطيني الحركة السريعة والسهلة، وبكيفية يصعب كشفها أمام العدو.

- سعت إسرائيل مِن الضربة الجوية الضارية إيقاع أكبر عددٍ مِن رجال حماس، ومِن القصف المدفعي الثقيل التمهيد لدخول قواتها البرية مِن المشاة والمدرعات والدبابات.

- استدعت إسرائيل عشرات الآلاف مِن جنود الاحتياط لدخول المعركة، وتطهير القطاع كليًّا مِن منصات الصواريخ وشبكات الأنفاق ومخازن الأسلحة.

- فاجأت الفصائل الفلسطينية إسرائيل بضرب العمق الإسرائيلي بكثافةٍ بصواريخها المتطورة الجديدة بعيدة المدى، وفجَّرت أنفاقًا هجومية تحت أقدام الاحتلال عند معبر كرم أبو سالم، أي استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية متقدمة، وقامت عن طريق البحر بضرب قاعدة عسكرية إسرائيلية، حيث قامت قوات كوماندوز بحرية في كتائب القسام باقتحام قاعدة (زيكيم) العسكرية قرب عسقلان، ومهاجمتها مِن البحر بعد إمطارها بالصواريخ بجرأةٍ وإقدامٍ، وقد أثَّر هذا الإطلاق للصواريخ والقذائف الفلسطينية على المدن في جنوب ووسط وشمال إسرائيل على مجريات الحياة اليومية للسكان فيها، وعلى الموسم السياحي والرحلات منها وإليها.

وحشية العدوان الإسرائيلي:

استخدمتْ إسرائيل في عدوانها الوحشي على قطاع غزة كل أسلحة قواتها الجوية والبرية والبحرية؛ فأسقطت إسرائيل نحو 40 ألف طن مِن المتفجرات على القطاع، و شنت أكثر مِن 10 آلاف غارة مدفعية باستخدام قذائف شديدة الانفجار تسببتْ في دمارٍ كبيرٍ، كما أطلقت قنابل دخانية على الأحياء الشرقية مِن القطاع للتغطية على تحركات قواتها أمام القطاع، وهذه القنابل تؤدي إلى ضيق تنفس مَن يتعرض لها، وتشكل خطورة على حياة المصابين بالأمراض التنفسية، كما استخدمتْ قنابل الفسفور بشكلٍ محدودٍ في بعض المناطق بهدف إشعال الحرائق فيها وتنبيه المدفعية على الحدود لتكثيف القصف عليها، كما استخدمتْ قنابل حارقة لإشعال النيران في الأراضي التي يشتبه في وجود ألغام أو عبوات ناسفة فيها لإتلافها.

وعلى شواطئ غزة أطلقت الزوارق الإسرائيلية صواريخ وقذائف بحر - بر شديدة الانفجار، واستخدمت المدفعية قذائف (الأبام) المحرمة دوليًّا تجاه منازل المواطنين، وقذائف الدبابات، والقذائف المتشظية والمسمارية (تحوي كل قذيفة على 3 آلاف مسمار تنتشر في المكان بمجرد انفجارها)؛ لإحداث أكبر قدرٍ مِن الخسائر البشرية بيْن الفلسطينيين.

لقد اعتبر الجيش الإسرائيلي كل مبنى فلسطيني هدفًا مشروعًا؛ فهاجم محطات معالجة المياه، والمؤسسات المالية والمصرفية، والمؤسسات الصناعية والتجارية، وقوارب الصيد، والمستشفيات والمراكز الصحية، وسيارات الإسعاف، والمدارس الحكومية والخاصة، والمدارس التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) والجامعات, وجاء التركيز على المناطق الأكثر كثافة سكانية؛ مما تسبب في مجازر راح ضحيتها عشرات العائلات الفلسطينية، ودمرت أحياء كاملة بالقطاع.

إن هذا العدوان الإسرائيلي الوحشي يُعد حرب إبادة إجرامية؛ إذ أحدث دمارًا يفوق الدمار الذي لحق بالعاصمة الألمانية (برلين) في الحرب العالمية الثانية! فبدا بعده قطاع غزة وكأنه أصابه زلزال مدمر.

الأنفاق كسلاح للمقاومة:

في مواجهة التوغل والاجتياح والقوات البرية استخدمت الفصائل الفلسطينية الأنفاق المحفورة تحت الأرض كسلاحٍ مؤثرٍ في المعركة، وتوسعت فيه، هذه الأنفاق تتيح الحركة والتنقل في الخفاء بسرعةٍ وبسهولةٍ لرجال المقاومة، بل والتسلل خلف خطوط العدو الأمامية، ومنها ما استهدف مواقع عسكرية ومناطق قريبة مِن قطاع غزة، بعيدًا وفي مأمن مِن سلاح الجو والمدرعات الإسرائيلية؛ إذ إنها غير مرئية وغير معلومة -إلا لأصحابها- وتتفرع إلى اتجاهاتٍ مختلفة، وبمجرد الدخول إليها تبتعد عما فوقها مِن الأصوات؛ إذ يبلغ عمقها مِن 5 إلى 20 مترًا تحت الأرض، وهذه الأنفاق يتم حفرها بوسائل ومعدات بسيطة، وباستخدام آلاتٍ ميكانيكية وليستْ كهربائية حتى لا تحدث ضجيجًا، وتحفر وفق مساراتٍ واتجاهاتٍ محددةٍ بدقةٍ دون أي ظهور مباشر على سطح الأرض، مِن خلال رجال متخصصين في هذا العمل ولفتراتٍ طويلة، يعملون مستقلين عن بقية تشكيلات الفصائل الفلسطينية، ويقومون بتسليم خرائط هذه الأنفاق لقيادات الفصائل، ولقد استطاعت الفصائل الفلسطينية بعد حرب غزة السابقة في 2012م إقامة شبكة سرية كبيرة وكثيفة مِن هذه الأنفاق تمتد لعدة كيلو مترات، ومنتشرة تقريبًا تحت كل شارع وفي كل حي في غزة، لكل نفق منها هدفه ومداخله ومخارجه، أشبه بمدينة كاملة تحت الأرض، فكانت لضخامتها وكثرتها مفاجئة صادمة للقوات الإسرائيلية!

وقد استخدمتْ بعض هذه الأنفاق في التسلل داخل الكيان الإسرائيلي لمهاجمة أهداف أو زرع عبوات، وتسهيل خطف بعض الجنود الإسرائيليين والاحتفاظ بهم، كما طورت بعضها لنقل البضائع التجارية والأسلحة؛ لكسر الحصار المفروض على القطاع لسنواتٍ.

الصواريخ الفلسطينية كسلاح فعَّال:

استخدمت الفصائل الفلسطينية الصواريخ وقذائف الهاون كسلاح فعال في المعركة تنقل به أرض المعركة مِن غزة إلى داخل إسرائيل، وتحدث بها خسائر بشرية ومادية مباشرة، وتهدد أمنَ وحياة الإسرائيليين، الذين هم في حقيقة الأمر محتلون غاصبون؛ طردوا الشعب الفلسطيني، وحلوا محله مِن خلال احتلالٍ استعماريٍ عنصريٍ بغيضٍ، لا يقر بحق الشعب الفلسطيني في الوجود داخل أرضه، ولا يقبل منه حق المقاومة أو الدفاع عن حقوقه ووجوده، ويسعى جاهدًا إلى إبادته أو تشتيته بكل وسائل العدوان، مِن المجازر والمذابح، والاغتيالات، ومِن القمع والاعتقال والسجن والتعذيب، ومِن مصادرة الأراضي وتجريف وإتلاف المزروعات، وهدم المنازل والبيوت، ومِن مصادرة الأموال وفرض الغرامات والضرائب المبالغ فيها.

لقد جلبت إسرائيل -وما زالت تجلب- اليهود الأغراب مِن شتى بقاع الأرض -وهم يعلمون- ليسكنوا في أرض الفلسطينيين المطرودين وبيوتهم، وليتمتعوا بخيرات الفلسطينيين وثرواتهم؛ فهم ليسوا إلا غاصبين محتلين، بل إن كل رجل وامرأة في إسرائيل -لقلة السكان وكثرة العمليات العسكرية لهذه الدولة الاستعمارية- جندي في الجيش الإسرائيلي؛ إما بالتجنيد الإجباري، أو هو دائمًا مِن جنود الاحتياط الذين يتم استدعاؤهم للقتال في أي وقتٍ، وعند كل تعبئةٍ طالما سنه يسمح له بالقتال!

لقد طورتْ فصائل المقاومة صواريخها؛ فصارت أبعد مدى، وأكثر حمولة مِن المتفجرات، وأدق تصويبًا في استهداف المستوطنات والبلدات والحشود والتجمعات العسكرية على التخوم، والمدن الإسرائيلية في جنوب ووسط، بل وشمال إسرائيل! مع القدرة الكبيرة على إخفائها وتخزينها، و إدخالها للأراضي المحتلة، بل وتصنيع بعضها محليًّا.

وأظهرت هذه الحرب الثالثة على غزة ما لهذه المنظومة الصاروخية الفلسطينية مِن مميزات تكتيكية عالية، فهي:

- تُطلق مِن منصاتٍ أرضيةٍ، وتحت أرضية ثابتة ومتحركة، مع قدرة على التمويه.

- إمكانية إطلاقها بكمياتٍ كبيرةٍ، وعلى علوٍّ منخفض؛ مما يعيق أي رادار عن التقاط صورها، وبالتالي سرعة اعتراضها قبْل الوصول لأهدافها وإصابتها.

- عدم قدرة منظومة الصواريخ الإسرائيلية المضادة (القبة الحديدية) على اعتراضها بسبب سرعتها العالية.

ومما استخدمته المقاومة الفلسطينية في هذه الحرب:

- الصواريخ سوفيتية الصنع (جراد) و(كاتيوشا) مِن عيار 107 ميليمتر، ومداها 10 كيلو متر.

- الصواريخ (القسام 1 و2)، ويصل مداها مِن 9 - 12 كيلو متر بحمولة متفجرة مِن 5 - 6 كيلو جرام مِن مادة (تي إن تي) شديدة الانفجار.

- الصاروخ (القسام 3) المتطور، ومداه 16 كيلو متر، وحمولته المتفجرة 10 كيلو جرام.

- صاروخ ( الكاتيوشا) عيار 132 ملليمتر، ووزنه 5و42كيلو جرام، و مداه 15 كيلو جرام.

- الصاروخ (فجر 5)، إيراني الصنع، ومطور في سوريا، ومداه 100كيلو متر، وقوة رأسه التفجيرية 90 كيلو جرام، وهو قادر على أن يصيب (تل أبيب) عاصمة إسرائيل.

- الصاروخ (أم 75) متوسط المدى، مداه 75 كيلو متر، وقوة رأسه التفجيرية 70 كيلو جرام.

- الصاروخ ( أر 160)، ومداه 120 كيلو متر، ورأسه التفجيري 45 كيلو جرام.

- الصاروخ ( أم 302)، سوري الصنع، ومداه 150 كيلو متر، ورأسه التفجيري 145 كيلو جرام.

وهذا يبيِّن وبوضوح التقدم النوعي الكبير في منظومة الصواريخ الفلسطينية، إلى جانب زيادتها العددية؛ خاصة إذا علم أن منها ما يصنع ويطور محليًّا في غزة بموادٍ مهربة إلى غزة.

لقد جاءت مفاجأة تجهيز الأنفاق ومنظومة الصواريخ لتثبت بشكلٍ قاطعٍ فشل الاستخبارات الإسرائيلية والأمنية أمام حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية.

ومما لوحظ في هذه الحرب: الغياب الواضح للطائرات المروحيات (الأباتشي) التي يعتمد الجيش الإسرائيلي عليها كثيرًا بسبب رصد القوات الإسرائيلية لصاروخ (سام 7) روسي أطلقته المقاومة الفلسطينية في سماء خان يونس قادر على إسقاط الأباتشي، فاقتصرت على الطائرات الحربية مِن طراز إف 16، ونتيجة الخوف مِن امتلاك حماس لصواريخ أرض - بحر تم إعادة توزيع القطع البحرية الإسرائيلية قبالة ساحل قطاع غزة.

ومما زاد مِن ربكة إسرائيل: نجاح حماس في استخدام طائرة بدون طيار ذات صنع محلي مزودة بكاميرات للتصوير، ورغم أنها ذات قدرات بدائية، لكن النجاح في تصنيعها يبين مدى تنامي قوة حماس الذاتية في المواجهة مع إسرائيل.

المواجهة الإعلامية كسلاح:

لم تغفل حماس المواجهة الإعلامية في حربها، فوجهت رسالة قصيرة مصورة على موقعها الإلكتروني للمستوطنين، وحددت مسبقًا موعد إطلاق صواريخ لها على (تل أبيب) كحربٍ نفسيةٍ؛ لكسر هيبة الجيش الإسرائيلي، والتلاعب بأعصاب الإسرائيليين، ونجح مهندسوها في اختراق بث القناة العبرية الثانية واسعة الانتشار وبث رسالة لمدة دقيقتين للجمهور الإسرائيلي، واختراق البريد الالكتروني لمليون إسرائيلي بإشارة القسام وبيان مصور عنها، واختراق هواتف عدد كبير مِن الجنود الإسرائيليين على حدود غزة والصحفيين برسائل نصية وصوتية، وتحذير شركات الطيران مِن تسيير رحلاتها إلى إسرائيل خاصة مطار (بن جوريون)؛ لكونه مستهدفًا مِن صواريخ المقاومة الفلسطينية، كما تم إعلاميًّا توثيق شهادات لمقاتلي القسام تتعلق بما قاموا به مِن عملياتٍ عسكريةٍ ضد قوات الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب.

الهجوم البري الإسرائيلي:

قامتْ إسرائيل في اليوم العاشر مِن الحرب في "17-7-2014م" بعد استدعاء قوات احتياطية باجتياح قطاع غزة برًّا، مع غاراتٍ جويةٍ على أهدافٍ في عمق غزة، لزيادة الضغط على حماس، وتقليص عمليات إطلاق الصواريخ، والكشف عن الأنفاق، فواجهتها وحدات مِن المرابطين مِن كتائب القسام، ونصبت الكمائن للقوات الإسرائيلية والدبابات المتقدمة باستخدام العبوات الناسفة، وقام مقاتلو المقاومة الفلسطينية بحرب عصابات في الشوارع، واستخدمت القذائف المضادة للدروع لمواجهة المعدات الإسرائيلية الكبيرة والثقيلة والجرافات، وتوزعت وحدات مِن القناصة في الأماكن السكنية.

حرب استنزاف:

تحولت الحرب على غزةٍ إلى حرب استنزاف لأيامٍ طويلةٍ كبَّدت إسرائيل تكلفة بشرية ومالية كبيرة؛ رغم فداحة الخسائر الفلسطينية؛ فمع عدم القدرة على حسم المعركة وإخضاع القطاع، ومع استمرار تساقط الصواريخ على المدنيين الإسرائيليين، وما يترتب عليه مِن تعطيل أوجه الحياة اليومية، للجوء الملايين المستمر إلى الملاجئ، وما يصاحبها مِن خوفٍ وفزعٍ، وتأثر السياحة بشدة - جاء بدء انسحاب الجيش الإسرائيلي في 5 أغسطس في غضون هدنة لمدة 72 ساعة، وفي 26 أغسطس أعلن عن وقف إطلاق مفتوح للنار كمرحلةٍ أولى طبقًا لمبادرةٍ مِن الخارجية المصرية بعد مباحثات غير مباشرةٍ مع الجانبين.

فشل منظومة القبة الحديدية:

لم تتمكن بطاريات منظومة القبة الحديدية رغم تكلفتها مِن حماية المدن الإسرائيلية مِن صواريخ المقاومة طوال فترة الحرب، فكما أعلن الجيش الإسرائيلي، فقد حيدت القبة 584 صاروخًا فقط مِن إجمالي 3360 صاروخًا.

وأرجع ذلك لأمور، منها: عدم قدرة القبة الحديدية على تغطية كل المدن المستهدفة بالقبة الحديدية، واستخدام المقاومة الفلسطينية لتكتيكات في إطلاق الصواريخ تجعل بطاريات القبة الحديدية تفشل في التصدي لها.

الخسائر الفلسطينية:

استشهاد 2137 فلسطينيًّا، معظمهم مِن المدنيين (1723 مدنيًّا)، منهم: 382 مِن النساء، و544 مِن الأطفال، وإصابة 11888 جريحًا، منهم: 2889 مِن النساء، و3285 مِن الأطفال. وتهدم في الحرب 3000 منزل، و62 مسجدًا بصورة كلية، و20000 منزل، و109 مسجدًا بصورةٍ جزئيةٍ.

الخسائر الإسرائيلية:

اعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل 65 مِن الضباط والجنود، وإصابة أكثر مِن 200 آخرين؛ بالإضافة إلى مقتل 5 مِن المدنيين.

وهكذا خرج الفلسطينيون مِن هذه الحرب الثالثة صامدين؛ رغم فداحة الخسائر، ومتمسكين بأرضهم ووطنهم، وقضيتهم العادلة في مواجهة الوحشة الإسرائيلية، بينما خرج الجيش الإسرائيلي مِن الحرب يعاني مِن الانتقاد مِن داخل وخارج إسرائيل، بما يعني فشل العدوان في تحقيق أهدافه منها.