إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 10 أبريل 2018 - 24 رجب 1439هـ

وقفات مع حادثة الإسراء والمعراج (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

الوقوف على بعض العبر والدروس مِن الحادثة, والتنبيه على بدعية الاحتفال بيوم السابع والعشرين مِن رجب، حيث اختزال هذه الحادثة المعجزة في ذلك؛ فضلًا عن كون الاحتفال بذلك محدثًا!

- المقدمة:

- كانت الحادثة بعد السَّنة العاشرة مِن البعثة أو في زمنٍ متأخرٍ مِن المرحلة المكية: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها, بل النقول منقطعة مختلفة, ليس فيها ما يقطع به" (زاد المعاد).

- كانت الحادثة مكافأة ربانية على ما لاقاه الحبيب -صلى الله عليه وسلم- مِن آلام وأحزان: "بعد تكذيب أكثر مِن عشر سنين - بعد حصار جائر دام ثلاث سنوات في شعب أبي طالب - بعد فقد الحميم بوفاة أبي طالب, والوزير والمعين بوفاة خديجة رضي الله عنها - بعد خيبة الأمل في ثقيف وما ناله مِن سفهائها".

- ملخص للحادث مختصر جدًّا في عبارة ثم الوقوف على بعض الدروس: "خروجه مِن مكة ليلًا بصحبة جبريل على البراق - دخوله بيت المقدس وصلاته بالأنبياء - صعوده إلى السماء ورؤية الأنبياء في كل سماء - وصوله إلى سدرة المنتهى - رؤية الآيات الكبرى والجنة والنار - فرض الصلوات الخمس".

(1) حكمة الإسراء والمعراج (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا):

- رؤية الرسل الآيات العظام على قدرة الله(1) تملأ قلوبهم ثقة وتوكلًا إذا واجهوا المكذبين: قال -تعالى-: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم:18)، وقال في إبراهيم -عليه السلام-: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الأنعام:75)، وقال في موسى -عليه السلام-: (قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى . فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى . قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى . وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى . لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى) (طه:19-23).

- الإنذار السافر، والوعيد الشديد للمكذبين إن هم ظلوا على غيهم وكفرهم، حيث سياق الآيات بعد ذكر الحادثة في صدر السورة: قال -تعالى-: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا . وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (الإسراء:16-17).

(2) انتقال القيادة الروحية إلى أمة الخيرية:

- ذكرت حادثة الإسراء في سورة الإسراء في آية واحدة, ثم ركزت الآيات على جرائم بني إسرائيل, إشارة إلى أن اليهود الذين ملأوا الأرض بالغدر والخيانة والإثم والعدوان سيعزلون عن قيادة الأمة الإنسانية , وأن الله سينقل هذا المركز إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وأمته: قال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة:143).

- محمد -صلى الله عليه وسلم- أصبح إمام القبلتين, وسيد العالمين, وشريعته مهيمنة على كل الشرائع؛ فعلى أتباع الأنبياء السابقين أن يتابعوا هذا النبي كما فعل أنبياؤهم: "صلاته -صلى الله عليه وسلم- بالأنبياء خلفه في بيت المقدس".

- يهود العصر يحاولون إعادة تاريخهم فليحذر المسلمون: (بعد حرب 48 ودخول اليهود إلى القدس وقف زعيمهم بن جوريون بالقرب مِن المسجد الأقصى يخطب في جنوده قائلًا: "لقد استولينا على القدس، ونحن في طريقنا إلى يثرب!").

(3) أهمية المسجد الأقصى عند المسلمين:

- ارتباط الأقصى بالمسجد الأعظم عند المسلمين: قال -تعالى-: (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (الإسراء:1).

ـ الأقصى أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين: عن أبي ذر -رضي الله عنه- : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: (المَسْجِدُ الحَرَامُ) قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (المَسْجِدُ الأَقْصَى). قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) (متفق عليه).

- الأقصى مهبط الرسالات, ومقر الأنبياء، وملأ الله جوانبه بالفضل والبركات: قال الله -تعالى-: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) (الإسراء:1). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ). فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ) (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني).

- على المسلمين أن يعملوا على تحريره مِن أيدي الكفر الغاصبة كما فعل أسلافهم: "النبي يمهد بمعركة تبوك وبعث أسامة - أبو بكر يكمل المسير ويسير أربعة جيوش - عمر بن الخطاب يحرره سنة 16 هجرية - ولما عاد الصليبيون واحتلوه نحو قرن, قام المسلمون بقيادة صلاح الدين بتحريره؛ فمَن لليهود الذين احتلوه بعد سقوط الخلافة العثمانية؟!".

(4) مكانة الصلاة في الدين:

- لم تفرض الصلاة في الأرض كـ"سائر الفرائض!": قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث المعراج: (ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي) (رواه البخاري).

- ماذا لو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يشفع بتخفيفها؟!: قال -تعالى-: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (مريم:59).

(5) خطورة المعاصي على أصحابها:

لقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الآيات صورًا مِن عذاب بعض أصحاب المعاصي تنبيهًا على خطرها، وإنذارًا مما هو فوقها:

- خطر الغيبة والمغتابين: رآهم النبي -صلى الله عليه وسلم- يأكلون الجيف والنتن، فقيل: (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).  

- خطر الربا: رأى قوما بطونهم كالبيوت ممتلئة بالحيات، فقيل: "هؤلاء أكلة الربا".

- خطر الزنا: رأى نساءً ورجالًا عراة يصرخون في تنور مِن النار ضيق، فقيل: "هؤلاء الزناة"، ورأى نساء معلقات من ثديهن عراة في النار فقيل: "هذه المرأة التي تدخل على زوجها مَن ليس مِن أولاده".

- خطر تأخير الصلاة عن وقتها: "رأى قومًا تشدخ رؤوسهم بالصخر الكبير, فقيل: " هؤلاء الذين ينامون عن الصلاة".

- خطر خطباء الفتنة: "رأى رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض مِن نارٍ، فقيل: "هؤلاء خطباء مِن أمتك, يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم".

خاتمة: التحذير مِن بدعة الاحتفال بالإسراء والمعراج:

- الإشارة إلى بدعة الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في شهر رجب، وأن ذلك مردود مِن وجهين:

الأول: أنه لم يثبت شيء في تعيين السَّنة والشهر؛ فكيف باليوم؟!

الثاني: لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه -رضي الله عنهم- ولا عن التابعين -رضي الله عنهم- أنهم احتفلوا بذلك، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ) (متفق عليه).

- التحذير مِن شر البدعة، وبيان أن صاحب البدعة أشر مِن صاحب المعصية؛ لأن الثاني يعلم أنه عاصٍ، والأول يظن أنه متعبد: روي عن كثيرٍ مِن السلف: "البدعة أحب إلى الشيطان مِن المعصية!".

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" (أخرجه الدارمي في سننه).

فاللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك -صلى الله عليه وسلم-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) "العروج إلى السماء - رؤية الملائكة والسماوات والجنة والنار - وأحوال بعض أصحاب الذنوب والطاعات".